من شط السعديات الى كندا: قصة “أدونيس”

 كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1598

هي ليست حكاية اغتراب ولا مجرد قصة من صفحات كتاب “سفر برلك”. ولو اقتصرت على ذلك، لما بقيت مشاهد الخوف والإنتظار الطويل على شاطئ السعديات عشية مجزرة الدامور ورحلة تهجير ابنائها في 20 كانون الثاني 1976 محفورة في ثنايا الذاكرة، وعنوانا لحكاية نجاح واستمرارية وطن.

 من هناك، من رحم تلك المأساة بدأت رحلة هجرة جميل وإيلي شعيب، إلى كندا لتصير بعد أعوام اسما مدويا في عالم المنتوجات اللبنانيةمن خلال مؤسسة “مارشيه أدونيس” التي رفعا إسمها في كندا وتحديدا مونتريال وتورونتو، وجعلا من منتوجات المائدة اللبنانية إسم علم مرفوعًا على مائدة كل بيت كندي وصولا الى كل اميركا الشمالية.

قصة “أدونيس” يرويها إيلي شعيب من وطنه الثاني مونتريال، من دون أن ينسى طعم العلقم الذي تجرعه وعائلته وكل ابناء الدامور ذاك اليوم الأسود ومحطات الفرح الممزوجة بالغصة يوم عودته إلى أرضه وساحات شيطنة ذاك الصبي الداموري…

 يوم وقف إيلي شعيب على شاطئ السعديات مع والده جورج وأمه ميليا وإخوته الثمانية لم يكن قد تجاوز سنال14 عاما. ذاك المشهد خربش احلام الطفولة وطمس معالم الذكريات التي كان يعمرها مع والده واخوته في بلدته الدامور، ولم يبقَ منها سوى مشهد الأب الواقف على شاطئ السعديات مع أولاده التسعة (6 صبيان و3 فتيات) وزوجته في انتظار وصول المركب الذي حملهم على دفعات إلى الباخرة، ومنها إلى القاطع الآخر الأكثر أمانا في الوطن .

اليوم يرفض إيلي وبشدة العودة إلى ذاك المشهد وتفاصيله التي سكنت احلام اليقظة، واستفزت لحظات اليأس في الغربة،  فكان القرار بالتحدي وتحويل مأساة التهجير إلى قصة تحدٍّ ونجاح وسطوع نجمة أسطورة “أدونيس”على مائدة كل بيت في كندا وأميركا الشمالية.

من باخرة التهجير إلى طائرة الهجرة

منذ اللحظات الأولى لصعوده إلى الباخرة التي أبحرتمن شاطئ السعديات نحو مرفأ جونيه، أدرك الوالد جورج أنه سيحط على رصيف المجهول بعدما تهدم بيته واحترق محله التجاري في الدامور ولم يبقَ من تراب الأرض التي كان يزرعها مع زوجته ميليا إلا الأطلال. كان يدرك أنه عاد إلى نقطة الصفر، لكن كان لا بد من وضع حجر الأساس من جديد لتربية عائلته المؤلفة من 9 أولاد.

على خط مواز كانإبنه جميل الذي عمل في إحدى المؤسسات في منطقة جونيه يخطط للبدء بمستقبل جديد لكن هذه المرة خارج حدود الوطن، فسافر إلى قبرص عن طريق البحر ومنها إلى اليونان. ومن هناك تمكن من الدخول إلى كندا من دون فيزا بعدما اشترى تذكرة السفر بمبلغ 500 دولار هي كل ما كان يملك. أما شقيقه إيلي فعمل مدة عامين لدى مؤسسة “غولدن ستار” وتعلم فيها الكثير ليس على مستوى الخبرات المهنية وحسب، إنما على صعيد العلاقات الإنسانية حيث لا تزال تربطه بصاحب المؤسسة أنطوان أشقر صداقة عميقة حتى اليوم على ما يقول. واستمر الوضع على حاله إلى أن دقت ساعة الهجرة إلى كندا.

عندما وصل إيلي شعيب إلى كندا كان يحمل في جيبه مبلغ 300 دولار”كنت على يقين بأنني أُقدم على خطوة في المجهول خصوصا إنني لم أكن مهيأ لمشروع الهجرة ولا أملك أدنى فكرة عن خارطة طريق المستقبل. كان هناك الكثير من علامات الإستفهام والكثير الكثير من الذكريات المؤلمة التي أحملها معي من مأساة التهجير من الدامور، وانهيار المستقبل وجنى العمر الذي بناه والدي بالتعب والسهر لتأمين مستقبلنا، فإذا به يراه ينهار ويحترق في اقل من 24 ساعة. كل هذه الصور والذكريات المؤلمة كانت بمثابة الزوادة التي رافقتني طيلة الرحلة ولا أزال احملها حتى اليوم وأعيش تفاصيلها بغصة ودمعة”.

أقام إيلي في الشقة التي كان يسكن فيها شقيقه جميل وشريكهما جورج غريب من منطقة الدامور في مونتريال في مقاطعة كيبيك في كندا، لكن هاجس ترتيب أموره الحياتية وإيجاد عمل كان شريك لحظاته: “لم يكن الوقت حليفا لنا، إذ كان مفروضًا علينا ان نبدأ العمل لنتمكن من إعالة أنفسنا ودفع إيجار الشقة والأهم مساعدة الأهل في لبنان”.

أول الغيث كان في إحدى المؤسسات التجارية لبيع وخياطة البرادي حيث تعلم إيلي المهنة وبدأ يشق طريقه غير آبه بالتعب وسهر الليالي، أما جميل فكان يعمل في محل لبيع المأكولات على أنواعها يملكه لبناني يدعى جو حداد. لكن طموح إيلي وجميل وشريكهما جورج كان يتخطى حدود المدى المنظور خصوصا أن فرص العمل كانت لا تزال متاحة وبوفرة آنذاك. فكان القرار في الإنطلاق بأول خطوة نحو تأسيس عمل خاص بهم من خلال شراء محل صغير لبيع المأكولات اللبنانية في مونتريال لا  تتجاوز مساحته ال 200 متر مربع. وفي العام 1979 افتتح إيلي وجميل وجورج أول محل لهم في منطقة faillon لبيع كل أصناف المأكولات اللبنانية وأطلقوا عليه إسم “أدونيس”. عن هذه المغامرة يروي إيلي: “كان همنا نبلش ونقلّع تا نقدر ندفع إيجار البيت من تعبنا، وبالوقت نفسو كان طموحنا كبير وحلمنا نأسس حياة جديدة بالغربة وببلد خاضع لقوانين وفي فرص عمل كتيرة”. أما الإسم فاستوحاه الثلاثة من أسطورة أدونيس التي حولوها إلى واقع بفضل المثابرة والتحدي. “بتذكر كنا بجلسة عائلية عم نفكر بإسم للمحل الجديد يكون طابعو لبناني وبنفس الوقت سهل على الحفظ والقراءة بالنسبة للشعب الكندي. فجأة بيلمع إسم أدونيس من وحي أسطورة أدونيس وعشتروت. وهيك نجحنا بتحويل الأسطورة اللبنانية لحكاية نجاح وشهرة بالعالم”. وبدأت رحلة التحدي والنجاح.

فينيسيا وسيدرز على خطى أدونيس

مع رواج الأصناف اللبنانية في المقاطعة الكنديةوتكاثر الطلب عليها من قبل ابناء الجاليتين اللبنانية والعربية ارتأى ايلي وجميل وجورج توسيع أطر منتوجاتهم لتشمل اللحوم والخضار والمعلبات التي كان يرسلها لهم شقيقهم ريمون من لبنان. لكن رحلة النجاح والثروة التي بدأت بمبلغ لا يتجاوز ال300 دولار كانت أكثر من مرهقة. “كنا نشتغل 7 ايام وأحيانا نربط الليل بالنهار بس كنا حاطين قدامنا هدف واحد نرجع نوقف من جديد ونحط حجر الأساس لحياة كريمة قبل ما نبعت ورا أهلي”.

في العام 1984 التأم شمل عائلة شعيب مع وصول افرادها إلى كندا باستثناء ريمون وليندا اللذين لحقا بباقي أفراد العائلة في التسعينات. اللقاء الأول كان مؤثرا ويروي إيلي: “ما صدقت إنو رجعنا التقينا. كنت مشتاق لأهلي وخصوصا للوالد اللي ما بنسى صورتو على شاطئ السعديات. كان حزين ومنهار بعد ما خسر كل شي، وبالوقت نفسو كان خايف علينا وهمو الوحيد إنو يخلصنا من جحيم الموت. بس وصلو أهلي ع كندا  حسينا إنو المسؤولية صارت أكبر علينا. اشترينا بيت جديد وبلشنا نشق طريقنا كعيلة بالغربة. إخوتي جو وسام فتحوا مطعم لبناني وبلشوا بتجارة السمك وثمار البحر وقرر خليل يشتغل معنا بمحلات “أدونيس”.

خطوة الألف ميل التي بدأت بالمثابرة والتحدي استمرت مع الطلب المتزايد على انواع المأكولات اللبنانية فكان القرار في الإنطلاق بمغامرة جديدة وشراء محل تجاري بمساحة 600 متر مربع في منطقة ville saint Laurent  في مونتريال التي توجد فيها الجاليتين اللبنانية والعربية بأعداد كبيرة.”المغامرة كانت على قد طموحنا وأكثر لأنو صار في طلب على اطباق المائدة اللبنانية من قبل الشعب الكندي بالإضافة للبنانيي والعرب. وهون فكرنا نوسع دائرة الأصناف وبلشنا نستورد جميع اصناف المأكولات والمنتجات اللبنانية والشرقية من لبنان والشرق الأوسط بالإضافة إلى كافة أصناف المواد الغذائية من المغرب العربي وتركيا. وتحوّل “مارشيه أدونيس” لملتقى لأبناء الجالية اللبنانية وساحة لقاءات وتعارف وتبادل ثقافات مع ابناء الجالية العربية والشعب الكندي. وما بخفي عليك إنو غالبية اللقاءات اللي كانت تتم بين شباب وصبايا لبنانيي على صوت فيروز ووديع الصافي وصباح انتهت بالزواج. أما  الموظفين والعمال فالغالبية من الجنسية اللبنانيي بالإضافة لجنسيات عربية وأوروبية وآسيوية”.

بعد مرور نحو خمسة اعوام على انطلاقة “أدونيس” في مونتريال – كندا وازدياد الطلب على المنتجات اللبنانية بدأت عملية تصنيع المنتوجات محليا بعد استيراد المواد الأولية من لبنان و الشرق الأوسط والمغرب العربي وشملت إلى المعلبات كل أنواع الحبوب واصناف المازة اللبنانية والأجبان والألبان وبدأت تُصنّع تحت إسم “سيدرز”. وتزامنا تم تأسيس شركة “فينيسيا” للإستيراد والتصدير لجميع المواد الغذائية ليصار إلى توزيعها في جميع أنحاء كندا.

حياة الغربة التي حولها إيلي إلى مشوار تحدٍّ لرسم خارطة مستقبل شهد على انهياره مع رحلة التهجير من الدامور استكملها في بناء عائلة. ويروي: “عام 1979 تعرفت الى زوجتي غيتا الطبّاخ في أول محل تجاري افتتحناه وكانت هاجرت مع عائلتها إلى كندا في حقبة الستينات، وفي العام 1982 كانت النعم الأبدية ورزقنا بثلاثة أولاد: كارين (28 عاما) وبولا (25 عاما) وجوليان (22عاما)”.

العودة إلى الجذور

على رغم كل النجاحات التي حاكها مع افراد عائلته لم ينس إيلي شعيب جذوره فكان المشوار الأول إلى لبنان بعد عشرة أعوام على هجرته إلى كندا: “أول ما وصلت ع المطار قررت روح ع المطرح اللي خلقت فيه، وفتحت عيوني ع ريحة الليمون. بس الأوضاع الأمنية ما كانت تسمح بهييديك الفترة. بعد 5 سنين نزلت ع لبنان للمرة التانيي ورحت فوراع ضيعتي”…

يصمت إيلي لثوانٍ، يتنهد ويضيف: “أول ما وصلت ع الدامور كرج شريط ذكريات التهجير والوقفة على شاطئ السعديات براسي. حاولت فتش عن المطارح اللي كنت إلعب فيا. كان كل شي مدمّر والبيوت أنقاض. حتى بيتنا كان كومة حجارة. كل المعالم تغيّرت، تشوّهت.. ما كان في إلا صورة الحرب والدمار وريحة الدم… دم الشهدا… مع ذلك قررت إبقا. قعدت على حجر كبير وصرت إتذكر إيامنا والمطارح اللي صارت صفحة ذكريات. بقيت ساعات طويلة وفليت بعد ما أخذت معي كمشة تراب وحنين من أرضنا”.

بعد أعوام قرر الإخوة إعادة إعمار المنزل العائلي: “صرنا معمرين الجزء الأكبر وراح نكملو بس نرتاح شوي من أشغالنا هون لأنو المسألة بتتطلب وجودنا بأوقات أكتر بلبنان”.

نسأل: “هل سيجد من شق طريق النجاح والشهرة وزرع إسم لبنان والأرزة في أصقاع العالم الوقت الكافي للإهتمام بإعادة إعمار البيت العائلي في الدامور؟ يجيب إيلي: “راح يكون عنا الوقت الكافي”. وللجواب تفسير قائم على خطة مستقبلية  مدروسة. ويوضح إيلي: “قبل 5 أعوام ونصف العام قررنا جميل وجورج وأنا بيع نسبة 50 في المئة من أسهم “أدونيس وفينيسيا” لصالح متاجر”ميترو” الكندية التي تعنى ببيع المأكولات وفق مواصفات عالمية، بهدف توسيع أطر انتشار منتوجاتنا وفي مدة زمنية قليلة خصوصا ان عدد فروع متاجر ال”ميترو” يصل إلى 600. ومن المقرر إنجاز صفقة بيع نسبة ال50 في المئة الباقية بعد سنة… “وهيك منتفرغ للبنان والولاد ومنحصد تعب الإيام”.

بثلاثة أشخاص هم جميل وإيلي شعيب وجورج غريب انطلقت “أدونيس” ليصل عدد موظفيها في فروعها التسعة في مونتريال وفرعين في تورونتو إلى 2400غالبيتهم من اللبنانيين والعرب.

قبل 12 عاما أغمض جورج شعيب عينيه في أرض وطأتها أقدام ولديه جميل وإيلي بعد رحلة التهجير من الدامور. يومها قرر ابناؤه التسعة أن يدفن في ثرى الأرض التي حضنتهم واستوعبت أحلامهم، وأحلام الأب التي حلم بها في أرض اجداده حتى يبقى على مسافة قريبة منهم . أما ميليا الأم (92 عاما) فلا تزال تعيش وتشهد على مأساة وطن حولها إيلي وجميل إلى أسطورة أدونيس وتترضى على أولادها.

“القوات” تكرّم شعيب

تكريما لرحلة النجاح والتحدي التي شقّها إيلي شعيب قرر مركز مونتريال في منسقية كندا – مقاطعة أميركا الشمالية في حزب “القوات اللبنانية” في مونتريال تكريمه في حفل عشاء ضخم يقام  بتاريخ 25 شباط الجاري بحضور وزير الإعلام ملحم الرياشي ورئيس قطاع الإنتشار الدكتور أنطوان بارد وحشد من أبناء الجالية اللبنانية ومسؤولين ورفاق.

وفي هذا السياق أثنى إيلي شعيب على الدور الذي يلعبه قواتيو الإنتشار في مونتريال لافتا إلى الدور القيادي والتاريخي الذي لعبه رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع ويقول: “لم ألتق بالدكتور جعجع لكن من خلال سيرة نضاله وتضحياته لا سيما خلال فترة اعتقاله وسجنه 11 عاما تحت سابع أرض أثبت أنه الرجل السياسي الذي لا تهمه المصالح المادية والمتمسك بكل إصرار وشغف بأرضه. حتى بعد خروجه من الإعتقال لم يساوم ولم يغير من مبادئه. على العكس أثبت أكثر وأكثر انه رجل تاريخي ووطني بامتياز ولا شيء يعنيه سوى الأرزة وكرامة الإنسان وحريته. وقديش بينقصنا رجالات سياسة من هالنوع بلبنان”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل