
هي بيروت العتيقة والعتيدة، حاضنة شموس الثقافة والحرية، تغفو على ضفاف البحر المتوسط، بجبالها العالية التي تتوج رؤوسها الثلوج، وبشواطئها وصخورها التي نحت التاريخ عليها سيرته، وموجها الذي يرتفع إلى الغيم، وكأن بوسيدون ما زال غاضباً على التائه أوديسيوس.
لبنان الصغير مزقته الحروب والطوائف، وتقاسم ثرواته وأراضيه الزعماء والفاشية الدينية، فهو مثل الكويت مستهدف في مشاريعه الديموقراطية والحضارية، محاصر بالحراب والنيران والأطماع، لكن جميع الأطياف والألوان تعشق ترابه وسماءه.
لا تجد اثنين يتفقان على شيء بالبلد سوى البلد، كل سائق تاكسي يتذمر من الزحام والفساد، لكن لا مفسدين في لبنان ولا محاسبة، والاتهام ضد مجهول، يُغتال الزعماء والمناضلون والمثقفون، ويسمون شهداء وضحايا، لكن لا أحد وراء القضبان.
قام سائق تاكسي بتحريم سماع الأخبار على نفسه وبيته، بقناعة وجيهة يقول إنه يريد أن يظل صادقاً، فالسياسة والتعصب علمتهم الكذب، ويؤكد أنه لا يوجد سياسي صادق، ولا توجد سياسة موثوقة ومفيدة للبنان، كل السياسات هي أجندات للخارج.
ويقول سائق آخر في طريق العودة، إنه ما زال ينظف سلاحه كل يوم، وينظر إلى الأبراج العالية ويردد بصوت عال: “غابة”، فما زال دخان العداوات يلوح في الأفق، بيد أن الرغبة في السلام والتعايش والأمان، مستقرة في العيون القلقة.
لكن ذلك لم يمنع اللبنانيين من الفرح والاستمتاع بمباهج الحياة، إذ لا الحروب ولا الدمار ولا الانفجارات، تمنعهم من العيش والاستمرار بالتنفس، فإرادة الحياة أقوى من الموت، وكأنهم طائر الفينيق ينهض وينتفض من تحت الرماد، مبشراً بالخلود للشعوب التي تحب الحياة.
فيعيش اللبناني متنشقاً هواء الحرية، وتزهو الفنون والآداب متحدية الخوف والحزن، في ظل حداثة فكرية، وأنغام يتردد صداها على سفوح الجبال، لتعلن أن جبال المتن وكسروان راسية ثابتة، وأن البحر الأسطوري الأزرق يحمل الأفلاك، وتحوم حولها النوارس في حرية توازي طعم الخبز.