#adsense

رفيق الحريري قربان العشق المطلق

حجم الخط

في أواخر ربيع العام 1996، هتف لي وزير النقل آنذاك الاستاذ عمر مسقاوي، وقال لي إن الرئيس رفيق الحريري يرغب بلقائك اليوم مساء، بعد جلسة مجلس الوزراء في دارته في قريطم، ولم تكن هناك سابق معرفة به. ذهبت في الموعد المحدد والتقيت به بحضور الإخوة عمر مسقاوي وتوفيق سلطان وأحمد كرامي ، وكان اليوم هو آخر مهلة لتقديم الترشيح للانتخابات النيابية، وقال لماذا لم تقدم أوراق ترشيحك حتى الساعة، فأجبته إنني عازف لأسباب عديدة، منها أن تكويني الفكري والثقافي غير مرغوب فيه في زمان غلبت عليه المغالاة الدينية، فقال : هذا هو السبب الذي يجعلني أتمسك بترشيحك .. وأخذني حياء، وكان توفيق سلطان قد حضّر أوراقي بغير علم مني، وقدم الترشيح ورغم هذا لم يتمكن الرئيس الحريري من إدخالي إلى القائمة التي ضمت المرحوم الشيخ فيصل مولوي وعمر مسقاوي و أحمد كرامي وسمير الجسر، للسبب الذي قلته له، رغم أنه هدد بفرط الائتلاف في حال استُبْعِدْتُ، فاتصلت به من بيت الأخ جان عبيد في تربل، قائلاً: لقد خسرت مقعداً نيابياً افتراضياً، ولكنني كسبت صداقة حقيقية.

وقبل نهاية العام 2000 بقليل، شكّل حكومته وعيّن فيها النقيب السابق للمحامين في طرابلس سمير الجسر وزيراً للعدل، فألَّفت وفداً من النقباء السابقين ومجلس النقابة، إذ كنت يومها نقيباً، وذهبنا لشكره على تعيين زميلنا، فسألني مداعباً، متى ستصبح نقيباً سابقاً، أجبته بعد أسبوعين، فضحك قائلاً، “استعد فأنا كما رأيت أُعَيِّنُ السابقين وزراء في حكومتي”.

ولما تشكلت حكومة الرئيس سلام، وتمنّى الرئيس سعد الحريري على دولته أن أكون من ضمن التشكيلة، قلت له: “أنت بهذا لا تأتي بشيء من عندك، بل تنفّذ وصية الشهيد رفيق الحريري”.

وأذكر، أنه عندما همّ بتوديعي سألته عن السبب الذي استبعد جان عبيد عن حكومته الجديدة، أشار إشارة أسف، وأردف: كن على ثقة بأنه الرئيس القادم.. فقبّلته من رأسه وذهبت.

استذكرت هاتين الواقعتين في عيد العشاق، الذي سقط فيه عاشق لبنان شهيداً لعشقه، وهذا ردني إلى ما قبل انتخابات العام 2000 بقليل، حين لم يرشح الوزير الجسر، ورد على سؤالي عن سبب ذلك “أنا لا أريد أن أصطدم بالنظام الجديد في سوريا، وهو لا يريد أن يكون لي مرشح خارج بيروت”، وأضاف: “الرئيس السوري الجديد لا يعرفني وعليّ التزام الحذر”.

وردَّني أيضاً إلى يوم من كانون الأول من العام 2004، إذ زرته لأدعوه إلى مناسبة اجتماعية، وبعد هذا تطرقنا إلى الانتخابات القادمة، فقال لي بحزم ومرارة:

“أنا لا أريد أن أصبح رئيس وزراء، أقسم على هذا برأس ابنتي، ولكنني سأرد لهم ودائعهم، وسأخوض الانتخابات في لبنان كله.. شو بيقدروا يعملوا معي غير “يقتلوني.. بيكون خلص عمري..”، ثم أطرق قليلاً، وتفَّرس في وجهي سائلاً: “بيعملوها شي يا رشيد؟.. لا أظن أنهم بيعملوها..”.

بعدها بأيام جاء لحضور العشاء في الفندق الكبير، وبعد قليل انقطع التيار الكهربائي في المطعم، فقرر المغادرة و شجعته أنا على ذلك..”.

لماذا أنبش الذاكرة في عيد العشاق، وأخرج منها ما يحرّك الجرح؟ الجواب هو أنني أردت أن أؤكد أن العشق المطلق قتال، وأن هذا اللبناني العصامي الكادح، أراد ألا يقتصر نجاجه على وضعه الشخصي، وراح يتصور لبنان المزدهر من خلال ركامه، ويحلم بانبعاث أنواره وهو غارق في ظلامه، ويسعى لأن ينتشل الوطن من تنازع الساحات العبثي، إلى رصانة الدولة الملموسة، بما تعنيه من خير لأهلها وأشقائها وللاعتدال، وللصيغة الإسلامية ـ المسيحية، فحقَّ عليه، لما ارتكبه خياله وشغفه، طنّان من الديناميت، ما زال دوِيُّهما يرجُّ الآذان والأفئدة والوجدان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل