تقوم مجموعة من المقاتلين النخبة من جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق بتدريب عناصر جهادية في سوريا. ويشكل أسلوب أعمالهم نموذجاً للأعمال التجارية العالمية.
مدججون بالسلاح ومجهّزون بدروع وخوذ بالستية، يمكن رؤية الرجال يدافعون عن الملاجئ المحصنة، ويقتحمون المباني ويقدمون حتى دروسا تكتيكية. على الرغم من أن عناوين أشرطة الفيديو التي ينشرونها على “يوتيوب” تظهر باللغة “الروسية السيريلية”، فالموسيقى التي ترافقها هي أناشيد إسلامية غالباً ما تستخدمها الجماعات المتطرفة في أفلامها الدعائية. لكن الرجال ليسوا جهاديين عاديين. إنهم أعضاء في منظمة “مالهاما تاكتيكال”، أول شركة جهادية عسكرية واستشارية خاصة في العالم.
ليست “مالهاما تاكتيكال” تكتلاً عسكرياً هائلاً مثل “بلاك ووتر” السيئة السمعة (تسمى الآن أكاديمية)، بل تتألف من عشرة مقاتلين مدربين تدريباً جيداً من أوزبكستان وجمهوريات “القوقاز الروسية” ذات الأغلبية المسلمة. لكن العدد ليس مهماً جداً في الاستشارات العسكرية، لا سيما في عصر وسائل التواصل الاجتماعية. فـ”مالهاما تاكتيكال”، تسوّق معاركها عبر منصات شبكة الإنترنت، والحملة الدعائية تؤتي ثمارها: فبراعة المجموعات في القتال وبرامج التدريب شهيرة بين الجهاديين في سوريا والمعجبين بهم في أماكن أخرى. يساعد هذا المنظمة حتى الآن على تخصيص خدماتها، مع التركيز على الإطاحة بنظام بشار الأسد واستبداله بحكومة إسلامية متشددة.

زعيم المنظمة هو شاب في الرابعة والعشرين من العمر من أوزبكستان يُلقب بـ”أبو رفيق”. لا تتوفر معلومات كثيرة عنه سوى أنه يتنقل سريعاً في مواقع التواصل الاجتماعي من خلال حسابات شخصية مستخدماً أسماء وهمية ومعلومات خاطئة ليتجنب عمليات التعقب والمراقبة. ففي جميع أشرطة الفيديو والصور التي ينشرها على الإنترنت، يظهر وهو يرتدي وشاحاً أو قناعاً يغطي به القسم السفلي من وجهه، ولا يظهر سوى عينيه الضيقتين وشعره الطويل الأشعث. يتحدث الروسية بطلاقة لكن مع لكنة أوزبكية طفيفة.
منذ إطلاقها في أيار من العام 2016، تطورت منظمة “مالهاما تاكتيكال” وتم التعاقد معها لتنفيذ عمليات قتالية في سوريا، وتوفير التدريب والخدمات الاستشارية الأخرى في ساحة المعركة، لمجموعات تابعة للقاعدة مثل “فتح الشام” وحزب “تركستان الإسلامي”، وهو مجموعة متطرفة إيغورية من مقاطعة شينجيانغ الصينية. على الرغم من النكسات الأخيرة التي مُني بها المتطرفون في سوريا، بما في ذلك الخسائر في حلب، لا يزال الطلب على خدمات “مالهاما تاكتيكال” في البلد قوياً أكثر من أي وقت مضى، وفق ما أعلن “أبو رفيق” في مقابلة أجرتها معه مجلة “فورين بوليسي” عبر تطبيق “تلغرام”.
بدأ “أبو رفيق” التفكير في توسيع أعماله في أماكن أخرى أيضاً، وأعلن أن مجموعته على استعداد للعمل في أي بقعة يتواجد فيها “مظلومون سنّة”. ويعدد الصين وميانمار من بين الأماكن التي قد تستفيد من الجهاد. ويشير أيضاً إلى أن “مالهاما تاكتيكال” قد تعود إلى جذورها للقتال في منطقة القوقاز الشمالية ضد الحكومة الروسية.
في تشرين الثاني الماضي وضعت المنظمة إعلانات وظائف على فيسبوك تبحث فيها عن مدربين ذوي خبرة قتالية للانضمام إلى المنظمة. يصف الإعلان المنظمة بأنها “فريق مرح وودي” يبحث عن مجندين على استعداد دائم لـ”المشاركة والتطور والتعلم” والعمل مع جبهة فتح الشام. حتى أنه يحدد بأنه يحق للمدربين بأيام إجازات ويوم راحة واحد من الجهاد في الأسبوع. كانت صياغة الإعلان تليق بشركة كبيرة وعريقة أكثر منها بمجموعة من المتطرفين، يقاتلون في حرب وحشية ودموية. فقد نما الجهاد العالمي وتطور قبل وقت طويل من بروز “مالهاما تاكتيكال”، لكنه نادراً ما كان يتمتع بروح تجارية وتنظيمية كهذه.

على الرغم من أن “مالهاما تاكتيكال”، هي أول شركة جهادية عسكرية واستشارية خاصة في العالم، تعمل حصرياً لصالح الجماعات المتطرفة، فهي ليست أول شركة جهادية عسكرية واستشارية دخلت إلى ساحة المعركة السورية. فالحرب السورية مستمرة منذ ما يقرب الست سنوات وقد أودت بحياة أكثر من 400 ألف شخص من رجال، ونساء، وأطفال. ووسط فوضى المجموعات التي تتنافس للسيطرة على الأراضي والنفوذ مثل الدولة الإسلامية، ووحدات حماية الشعب الكردي اليساري وفتح الشام، وجد المتعاقدون العسكريون أن الجبهة السورية أيضاً هي نعمة لهم، حيث يقاتلون إلى جانب جميع الأطراف المنغمسين في الحرب.

أول تدخل لهذه الشركات في سوريا كان من قبل “الفيلق السلافي”، وهي شركة سيئة الحظ مسجلة في هونغ كونغ، وتتألف من عسكريين سابقين روس. عملت هذه الشركة لفترة قصيرة إلى جانب القوات الحكومية في العام 2013، وفقاً لتقرير نشرته مجلة “إنتربرتر”. لكن سرعان ما أدركت أنها لا تحظى بدعم الحكومة السورية الكامل. فقد سرق الجيش السوري آلياتهم، ولم يقبضوا رواتبهم، وأخيراً تحطمت طائرة تابعة للقوات الجوية السورية فوق قافلة للـ”فيلق السلافي”، بعد طيرانها على علو منخفض جداً واصطدامها بالخطوط الكهربائية، مما أدى إلى إصابة أحد المرتزقة. ووصل حظ “الفيلق السلافي” السيئ إلى نهايته عندما تم حلّ الفريق بعد أن هزمهم المتمردون في الصحراء بالقرب من مدينة السخنة في جنوب سوريا في تشرين الأول 2013. عاد المرتزقة إلى موسكو حيث ألقى جهاز الأمن الروسي الفدرالي القبض عليهم على الفور بتهمة التدخل في الحرب السورية من دون تفويض وإذن قانوني.
عقب تدخل الكرملين في سوريا في أيلول 2015، وصل حوالي ألف وخمسمائة مرتزقة روس من مجموعة “فاغنر”، وهي شركة عسكرية خاصة روسية سيئة السمعة وسرية، قاتلت في السابق إلى جانب اﻻنفصاليين الذين تدعمهم روسيا في شرق أوكرانيا، وفقاً لتحقيق أجرته شبكة “سكاي نيوز الإخبارية”. كانت مهمتهم مساعدة نظام الأسد، وخلافاً لـ”الفيلق السلافي”، كانت شركة “فاغنر” تتمتع بدعم واسع النطاق من جانب الحكومة الروسية. فقد أشيع أن قائد لواء الاستخبارات العسكرية الروسية السابق، ستشوه ديمتري، هو من يقود المجموعة. على الرغم من عدم توفر معلومات مفصلة عن مجموعة “فاغنر”، يُعتقد أنها نموذج أكاديمي مركّب يعمل كوحدة مشاة نخبة ويعتمد على دعم الحكومة الروسية، حتى أن أفرادها يستخدمون الطائرات العسكرية الروسية الرسمية للانتقال إلى سوريا، ويتدربون في قاعدة القوات الخاصة الروسية في مولكينو في جنوب غرب روسيا. لا تزال مجموعة “فاغنر” في سوريا إلى يومنا هذا.
في الوقت نفسه، قاتلت مجموعات عديدة من الناطقين باللغة الروسية إلى جانب جماعات جهادية في حربها ضد الحكومة السورية. ووفقا لمجموعة “صوفان” الأمنية، هناك على الأقل 4700 مقاتل أجنبي من الاتحاد السوفياتي السابق في سوريا، يأتي معظمهم من الشيشان وداغستان. عادة ما يصل هؤلاء المقاتلين إلى سوريا وهم أفضل تجهيزا وتدريبا من المسلحين المحليين، كما أنهم يتمتعون بسنوات من الخبرة في محاربة الحكومة الروسية في جبال الشيشان وداغستان خلال التسعينيات والقرن الحادي والعشرين.
يحوز هؤلاء المقاتلين العتاة على احترام المسلحين المحليين بسرعة. فقد جاؤوا لرصّ صفوف كل من الدولة الإسلامية وفتح الشام، فضلاً عن مختلف المجموعات الأصغر حجماً، حيث أن السكان المحليين يصفونهم بالانغماسيين، هو مصطلح يستخدم بين الجهاديين للإشارة إلى المقاتلين الذين يخترقون الخطوط الأمامية للعدو لإلحاق أكبر قدر ممكن من الإصابات من دون وضع أية خطة للعودة أحياء. فالانغماسي الأصلي يستمر بالقتال إلى تنفد ذخيرته قبل أن يفجر سترته الانتحارية عندما تتم مهاجمة موقعه.
لكن بينما العديد من مواطنيهم أصبحوا فرقاً تعمل مباشرة على اختراق الخطوط الأمامية على الجبهات، يعمل مقاتلو الاتحاد السوفياتي السابق المنضوين في منظمة “مالهاما تاكتيكال”، بطريقة مختلفة، فيبنون بيئتهم المتميزة بين عالمي الشركات العسكرية الخاصة المحترفة والجماعات الجهادية التي تعمل في سوريا. إنهم يعملون كخبراء استشاريين، وتجار الأسلحة، وأحيانا، محاربين نخبة.
يمكن فهم مكانة ” مالهاما” النخبوية عند الاطلاع على خلفية مسيرة “أبو رفيق” العسكرية. فقد أعلن “أبو رفيق” خلال مقابلة مع مجلة ” فورين بوليسي” الأميركية أنه انتقل عندما كان يافعا من أوزبكستان إلى روسيا، حيث، إضافة إلى رغبته في تكوين أسرة، انضم إلى إحدى الوحدات العسكرية النخبة الحكومية، وهي مجموعة من القوات المجوقلة المعروفة بـ”في دي في”. في العام 2013، غادر “أبو رفيق” روسيا إلى سوريا، وبدلا من الانضمام إلى فصيل واحد، كبقية المقاتلين الأجانب، بقي مستقلا وتنقل بين جميع المجموعات قبل أن يؤسس منظمة “مالهاما” في العام 2016.
طوال العام 2016، دربت وحدات “مالهاما تاكتيكال” المتمردين الإسلاميين المتشددين “أحرار الشام” و”فتح الشام” في القتال الحضري للمساعدة في حربهما ضد النظام السوري في مدينة حلب. شمل التدريب دورات إطلاق قذائف مضادة للدبابات، وتشكيل فرق لمهاجمة مبان، واقتحام غرف باستخدام قنابل يدوية وإطلاق النار، تحت الإشراف الكامل لمدربي “مالهاما”.
هذا النوع من التدريب ليس رخيصاً – فتكلفة كل قذيفة آر بي جي تستخدمها “مالهاما” في دوراتها تقدّر بحوالي 800 دولار في السوق السوداء – لهذا السبب يقتصر التدريب العسكري لمعظم المجموعات المتمردة والمجاهدين في سوريا على السير، والحيل البارعة، والرماية الأساسية. لكن بالنسبة إلى المجاهدين الذين يستطيعون تحمل التكلفة، فالتدريب الذي يوفره عناصر المشاة في “مالهاما تاكتيكال” يستحق هذا الثمن. ولقد اعترف أحد المقاولين العسكريين الأوروبيين بأن المهارات التكتيكية التي يمكن أن توفرها المنظمة، أيا كانت المجموعة التي تدربها، تترك بصمات مميزة واضحة في ميدان المعركة السوري.
عمل أفراد منظمة “مالهاما تاكتيكال” في بعض الأحيان، كقوات خاصة لدى جماعات جهادية مختلفة. في أيلول 2016، انضموا إلى حزب “تركستان الإسلامي” لمساعدته على صد هجوم قام به جيش نظام الأسد في جنوب حلب. مع ذلك، يقول “أبو رفيق” إن هدف منظمته الأساسي هو تدريب مجموعات متمردة أخرى ومجاهدين للقتال، وليس القتال في الخطوط الأمامية. كما أشار إلى أن “مالهاما” تنتج معدات للمجموعات الجهادية الأخرى حسب الحاجة. فهي على سبيل المثال، تصنع قطع غيار لرشاش “بيكا” الروسي الصنع من عيار 7.62 مم الشعبي جدا. أما السترات، فقد أصبحت تستخدم على نطاق واسع بين الجهاديين في حلب أثناء القتال.
من جهة أخرى، تولي “مالهاما تاكتيكال” وجودها على مواقع التواصل اهتماماً بالغاً. فهي تعرض خدماتها عبر فيسبوك، ويوتيوب، وتويتر، وموقع التواصل الاجتماعي الروسي VKontakte، على الرغم من أنه تم تعليق حسابها. وتعتبر إعلاناتها على إنستغرام بمستوى إعلانات شركات تصنيع الأسلحة الكبرى. فهي تنشر صوراً فنية مميزة للأسلحة والمقاتلين من زوايا متعددة، تتخللها تصاميم عالية الجودة لشعار “مالهاما”. كما يتجاوز عدد مشاهدات منشوراتها على يوتيوب المئتي ألف مشاهدة، وهو رقم كبير نسبة إلى حجمها، مقارنة مع “الجيش السوري الحر”، الذي يفوقها عددا بنسبة 50 مرة وأقدم منها بنصف سنة، ولا يزيد عدد مشاهداته عن 110 آلاف مشاهدة على يوتيوب. جميع المتمردين، بدءا من سوريا إلى الجنود الأوكرانيين والانفصاليين الروس في دونيتسك علقوا على منشورات المجموعة.
تقدم “مالهاما” أيضاً على صفحات يوتيوب وفيسبوك إرشادات مجانية للجهاديين، مثل كيفية صنع قنبلة يدوية، وتنظيف الأسلحة، واقتحام الغرف، والقتال المدني، وغيرها من المهارات. يعدّ معلمو المنظمة دورات تدريبية على الإنترنت تتضمن الإسعافات الأولية في ساحة المعركة، واستخدام الأسلحة، وأنظمة الإشارات اليدوية للقتال في المناطق المدنية، وكيفية إنشاء الكمائن.
على الرغم من “”مالهاما تاكتيكال” تتلقى أموالاً مقابل خدماتها، يصر “أبو رفيق” على القول بأنه ليس مرتزقة، وأن هدف منظمته يتجاوز المال. “هدفنا مختلف، إننا نناضل من أجل فكرة، ألا وهي الجهاد ضد الأسد”.
قال شون مكفاتي، الأستاذ المساعد في جامعة “الدفاع الوطني” ومؤلف كتاب “المرتزقة العصريون” الذي يعالج موضوع الجيوش الخاصة: “سنرى المزيد من هذا النشاط في العقود القادمة”. فبرأيه، إن نمو “مالهاما تاكتيكال” هو أمر طبيعي مرتبط بالحرب السورية التي طال أمدها، ولكن مزيج المجموعات ذات الأيديولوجية المتطرفة مع خصخصة الحرب هي نزعة فريدة من نوعها ومثيرة للقلق. فالـ”جماعة الجهادية التي تقوم بذلك هو مستوى جديد لأنه إن كنا نتحدث عن مثاليين متشددين يدفعون مالا مقابل التدريب العسكري، فهذا يُعتبر حدث هام وتاريخي في الحرب الحديثة”.
أثارت قيادة “أبو رفيق” أيضاً اهتمام الحكومة الروسية التي تنظر إليه كتهديد إرهابي رئيسي. ففي 7 شباط، دكت الغارات الجوية الروسية شقة “أبو رفيق” في إدلب، مما أسفر عن مقتل زوجته وابنه الرضيع، والعديد من المدنيين الآخرين. رغم تقارير أولية تشير إلى العكس، أكد مصدر محلي أن “أبو رفيق” نجا من الضربات الجوية، وأنه خرج من شقته قبل لحظات فقط من حصول الغارات لمساعدة ضحايا تفجير آخر مجاور.
في كل الأحوال، ترك نموذج “أبو رفيق” المجاهد أثراً كبيراً في معارك شمال سوريا ويمكن أن يلهم قريبا منظمات مقلّدة له خارج منطقة الشرق الأوسط. حتى ولو قُتل “أبو رفيق”، وتم تدمير “مالهاما تاكتيكال”، فهو قد غيّر قواعد الحرب ضد الأسد – وربما حتى مستقبل المجمع العسكري-الصناعي العالمي.
Rao Komar, Christian Borys, Eric Woods