#adsense

الشغور في إدارات الدولة… هل يشكل أزمة أم فرصة لتصحيح التوازن؟

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1598

لم يتراجع الإهتمام بالتعيينات الإدارية على الرغم مما يستحوذه قانون الإنتخاب من نقاش وتجاذب. فهذه التعيينات هي الخطوة الضرورية المكمّلة لانطلاقة العهد واستعادة الدولة حضورها ودوران عجلاتها. فبعد انتخاب رئيس وتشكيل الحكومة، باتت الأولوية حكماً لإعادة بناء الهيكلية الإدارية الحلقة الأساس في بلورة توجهات العهد وتظهير النقلة النوعية المنتظرة بعد غياب وشلل وانحلال. عشرات المواقع الأساسية الشاغرة في الفئة الأولى بين عسكرية وأمنية وإدارية، وعشرات آلاف المراكز الشاغرة من الفئات الثانية حتى الخامسة. يقابل هؤلاء عدد مماثل من الموظفين بالتعاقد أو بالفاتورة، ما يُفقد العمل انسيابه والموظف استقراره، والأهم الإدارة العامة سلامة أدائها.

يبرز واضحاً التوجه المؤطّر بالإصرار على إجراء التعيينات المطلوبة في الإدارة العامة، سواء لملء الشواغر التي توسعت حتى باتت تهدد سلامة عمل الإدارة برمّته، أو لاستبدال بعض كبار الموظفين بما يتفق مع السياسة التي يخطط العهد الجديد لاعتمادها. وقد ركز الرئيس ميشال عون أكثر من مرّة بعد تبوّئه سدّة الرئاسة كما قبلها، على أهمية بناء هيكل إداري متكامل وملء الشواغر للتمكن من تحقيق خطط العهد الموعودة.

وقبل حماوة النقاش حول قانون إنتخابي جديد نظراً لضغط المهل التي باتت أكثر من ضيّقة، كانت التعيينات بدأت تشق طريقها إلى مجلس الوزراء ومنه إلى العديد من المواقع الأساسية في الدولة. وكان التداول مثلا بأسماء لتولّي مراكز عسكرية وأمنيّة قطع شوطاً بعيداً، ومنها قيادة الجيش والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وبالتوازي جرى التداول باحتمال تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان خلفاً للحاكم رياض سلامة. والأمر نفسه يسري على عشرات المواقع الحساسة وفي مختلف المجالات.

كما من المتوقّع أن تطال التعيينات بعض المناصب القضائية الشاغرة، كتعيين مفوّض جديد للحكومة لدى المحكمة العسكرية، والنواب العامين في المناطق. كذلك تعيين مدير عام جديد للتنظيم المدني، ورئيس لمجلس الانماء والإعمار، المدير العام للطيران المدني، المدير العام للمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات، المدير العام لوزارة المهجرين، الأمين العام لمجلس النواب، المفتش العام الصحي والاجتماعي والزراعي في التفتيش المركزي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، رئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء، ومديري ورؤساء مجالس إدارة مستشفيات حكومية.

اللافت في الأمر أن هذه التعيينات المفترض أن تحصل في فترة قصيرة لا تتعدى الأشهر المعدودة، قد تواجه بعض العقبات كغيرها من الملفات ما يعرضها لبعض التأجيل، بحيث ينصب الاهتمام عندها على التعيينات في مناصب محددة ريثما يتم الإتفاق على العالق منها على ألا يتعدّى ذلك الأشهر القليلة المقبلة تأمينا لانطلاقة سليمة وفاعلة للعهد الجديد.

وقائع في الميزان

هناك 32 وظيفة شاغرة حالياً بحسب “الدولية للمعلومات” يُضاف إليها 14 ستشغر حتى أواخر العام الحالي. أي أنّ العدد سيصبح 46 مركزاً من أصل 156 يشكلون وظائف الفئة الأولى في لبنان، ومن شأن ملئها تحسين الدورة الإقتصادية وتسيير أعمال المواطنين والإدارات.

ومعلوم أنه بموجب الدستور المنبثق من إتفاق الطائف، “توزّع وظائف الفئة الأولى فقط في الإدارات العامة والمؤسسات العامة والوظائف العسكرية والقضائية، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين وعلى أساس الكفاءة والإستحقاق”. أما سائر الوظائف في الفئات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وباقي الإدارات الرسمية فيتم التعيين فيها مبدئيا على أساس الكفاءة والإستحقاق، ومن دون مراعاة للتوزيع الطائفي.

هذا النص، معطوفاً عليه العديد من الظروف التي سادت بعد العام 1990 والتطبيق المشوّه لاتفاق الطائف، أبعدت كلّها المسيحيين عن الإدارة العامة سواء بميل ذاتي أو بقرار خارجي ترافق مع العمل على إبعادهم عن المشاركة السياسية الفعلية والدور المؤثّر في الحياة العامة ما ولّد على مدى أكثر من عقدين من الزمن خللا في المشاركة وفي أداء الإدارة العام، وتاليا في خلق فوضى في العمل وتراجع في الخدمة المؤداة للمواطنين.

فعلى صعيد ملاك الدولة العام هناك 24 ألف وظيفة، 7 آلاف منها فقط مؤمّنة، و17 ألف وظيفة شاغرة، فيما تصل نسبة البطالة في لبنان إلى نحو 35 في المئة. وإذا أدخلنا في الإعتبار تردّي الوضع الإقتصادي في السنوات الماضية، يتبيّن مدى وطأة الأزمة وتوسّعها وإلحاحيّة الإسراع في ملء الشواغر في الإدارة العامة، مع تصحيح الخلل القائم منذ التسعينات حتى اليوم. هذا الأمر بدأت العمل عليه مؤسسات وجمعيات منها مؤسسة “لابورا” ومصالح وقطاعات في الأحزاب المسيحية، لإعادة التوازن إلى الإدارة عبر عودة الحضور المسيحي المتوازن إليها، وللحد من نزف المتخرجين وهجرة الكفاءات على بلاد الله الواسعة.

فعند تطبيق إتفاق الطائف منذ عام 1990 نتج خلل فادح في التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الوظائف العامة لأسباب عديدة منها، التجنيس الذي رفع عدد المنتمين إلى الطوائف الإسلامية عن المنتمين إلى الطوائف المسيحية، الأمر الذي يفسّر تراجع عدد المرشحين المسيحيين لتولي الوظائف العامة مقارنة مع عدد المرشحين المسلمين. وقد ساعد في ذلك الإقصاء السياسي القسري للمسيحيين عن السلطة، ما أدى إلى انكفاء عام عن الدخول إلى الدولة.

وقبل الحملة التي تقوم بها قوى مسيحية لاستعادة الدور والمنهجية المعتمدة، كان هناك إنعدام كلي مثلاً في معرفة مسيحيي المناطق النائية بوجود مباريات للتوظيف لأن الإعلان عنها يتم أمام مبنى الإدارة المعنية (مجلس الخدمة المدنية) وعبر الإنترنت، الأمر الذي لا يصل إلى معرفة عدد كبير من المواطنين في المحافظات والأقضية والقرى النائية. وهذا ما تغير اليوم بفضل العمل القائم.

وفي هذا الإطار كانت تألفت في بكركي وبمسعى من مؤسسة “لابورا” لجنة متابعة ضمّت النواب: فؤاد السعد، إيلي عون، إيلي كيروز، سيمون أبي رميا، إميل رحمه، إيلي ماروني، وهادي حبيش. وقد عقدت اللجنة إجتماعات عدّة في الصرح البطريركي برئاسة غبطة البطريرك وبحضور عدد من المطارنة. وبالتوازي ولتثمير العمل أسست لابورا ما أسمته “مرصد أداء القطاع العام: للشراكة الوطنية والمساواة”، الذي يتابع بالتفاصيل أحوال القطاع العام والتغيرات القائمة فيه على أن ينشرها شهريا في مؤتمر صحافي.

جهود ووعود

رئيس مؤسسة “لابورا” الأب طوني خضره يعتبر “أن بلوغ نسبة 70 في المئة من وظائف الدولة بالتعاقد أو بالفاتورة يسبب عدم استقرار في عمل الإدارات والمؤسسات ويبعد بعض فئات اللبنانيين عنها وذلك لعدم استقرار هذه الوظيفة”. وعليه ناشد كل المسؤولين الروحيين والسياسيين أن يكون موضوع الإدارة العامّة وانخراط اللبنانيين جميعاً في وظائف الدولة أولوية في سياساتهم ومشاريعهم، لافتاً إلى أهمية التعاون معاً في فتح أبواب المؤسسات التربوية وغيرها لمساعدة الشباب وتوجيههم وتحفيزهم، والى أهميّة دور وسائل الإعلام في التوجيه والإعلان عن الوظائف لكل اللبنانيين، إذ ثمّة من لم يكن يعلم بالوظائف المطلوبة عند الإعلان عنها للتقدم إليها والإستفادة من فرصة التوظيف. وهذا ما تحاول “لابورا” معالجته.

الأب خضره لفت عبر “المسيرة” إلى ضرورة “اعتماد سياسة واضحة بموضوع الإدارة العامّة والإنخراط في الدولة وإلى توحيد الجهود والصوت اللبناني عموماً من قبل الجميع مؤسسات وأفراد للحفاظ على التوازن والمهنية والتنوّع، وخصوصاً توحيد العمل المسيحي في استراتيجية واحدة تنسجم مع استراتيجية وطنية جامعة لكي نتنافس في العمل الصالح وفي إيصال أفضل الكفاءات الى الوظيفة العامّة، إذ إن قوّة الموظّف هي في كفاءته ومهنيته وليست في قوّة داعمه وطائفته وواسطته”.

ودعا خضره الى “إدراج موضوع الوظيفة العامة وانخراط اللبنانيين فيها والتوازن في الإدارة العامة، على جدول أي حوار وطني، وكذلك على مجلس الوزراء والبيانات الوزارية، كون التوازن في وظائف الدولة وتعزيز سبل المشاركة للجميع يؤمن سدا منيعا للبنان في وجه التكفير واستبعاد الآخرين وعدم قبولهم”.

في المقابل، ثمّة من يعتبر أن مسألة ملء الشواغر في الوظائف العامة وتأمين التوازن فيها هي وجودية من جهة، واقتصادية تنموية من جهة ثانية. ويشير مختصون وخبراء إلى أن وجود هذا الحجم من الشواغر يشل عمل الدولة، والشلل يساهم في انتشار الفساد وسوء الخدمة. وهذا بدوره يُضعف الثقة ويدفع إلى الهجرة من الداخل وإحجام الإستثمارات من الخارج، فيزداد التراجع ويتباطأ النمو.

خلايا النحل

الأحزاب المسيحية تداركت هذا الأمر. وفور عودتها إلى العمل العام بشيء من الحرية بعد العام 2005 وانحلال قبضة النظام السوري عن لبنان أمنا وسياسة وإدارة، باشرت، الى جانب استعادة الدور السياسي، العمل على استعادة الحضور في الإدارات العامة. ويشير مصدر في “القوات اللبنانية” إلى أن هذا النشاط بالتعاون مع أحزاب ومؤسسات أخرى معنية، أعاد رفع الحضور المسيحي في الإدارة العامة من 12 في المئة في التسعينات إلى 2 في المئة بعد الـ2005 وصولا إلى 32 في المئة العام الماضي.

ويعتبر المصدر المذكور أنه بعد انطلاقة العهد الحالي بانتخاب رئيس وتشكيل حكومة، باتت التعيينات الإدارية أولوية لاستكمال حلقة عمل الإدارة السليم. ويلفت إلى خطوة يُنتظر أن تكون لها نتائج إيجابية كبيرة تتمثل في خلق أطر عملية للتعاون مع “التيار الوطني الحر” لدمج التصوّر الموجود لدى الطرفين واعتماد آلية عملية لتحقيق ما أمكن من التوازن داخل الإدارات. وتتمثّل هذه الآلية بالتنسيق الدائم وتكليف معنيين متابعة هذا الأمر ورفع النتائج دوريا لدرسها والعمل بموجبها، مشدداً على أن هذا الأمر لا يمكن أن يفهم منه أنه يحصل بمواجهة الشركاء الآخرين في الوطن بل بالتعاون معهم لقناعة منهم أنه يصب في النهاية لمصلحة حسن سير الإدارة ونهوض لبنان.

وفيما يعتبر إقتصاديون أن الإنخراط في الوظيفة العامة، لا سيما أن هناك العديد من الشواغر المطلوب تعبئتها، له مردود مادي هائل على المدى البعيد يساهم بقوة بتحسين وضع العديد من العائلات، تعتبر الأحزاب المسيحية أن المسألة ليست الحصول على وظيفة بالمعنى الضيّق بل هي أحد ركائز المشاركة والحضور في البلد كمواطنين فاعلين. فالتوظيف في القطاع العام نظرا إلى ثباته وديمومته، يحد من الهجرة. والحد من الهجرة يعيد تثبيت الناس بأرضهم ويحمي وجدوهم. وبهذا المعنى فالمسألة استراتيجية بالنسبة إلينا وليست تكتية عابرة. من هنا تشديد الأحزاب المسيحية على ضرورة إقلاع المسيحيين عن إحجامهم عن دخول الوظائف العامة، لأن استمرار الواقع القائم حاليا يحد من الجهود التي نقوم بها ومن النتائج المتوخاة.

الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين كشف لـ”المسيرة” أن هناك مراكز شاغرة ومشغولة بالتكليف منذ 10 سنوات. كما أن هناك مراكز متتالية ستشغر قبل نهاية شباط الحالي وخلال آذار المقبل، وتباعا بعد ذلك ليصل عددها إلى 14 مركزا شاغرا خلال العام الحالي فقط. يضاف إلى ذلك أن بعض المدراء يمكن إعادة النظر بوضعهم وتعيين بدلاء لهم. والأمر نفسه ينطبق على العديد من المراكز الشاغرة في سفارات لبنانية أساسية في الخارج. وعن الخلل في التوزيع الطائفي يوافق الرأي القائل أن التركيبة الديموغرافية اللبنانية أثرت على ذلك وكذلك إقصاء المسيحيين أو ابتعادهم في فترة سابقة. لكن الأساس برأيه هو ثقافة الخدمة لدى الموظف العام، بحيث عليه أن يكون في خدمة كل الواطنين بالتساوي وليس في خدمة طائفته. وعندها لن يكون هناك تأثير لانتمائه على أدائه العام.

واليوم وبالتوازي مع عودة سلطات الدولة إلى العمل وانطلاق عجلة التعيينات في الحكومة والتشريع في البرلمان، عادت إلى الضوء بقوة مسألة تثبيت المتعاقدين في إدارات الدولة لتطرح معضلة متشعبة الإتجاهات. فمن جهة يرفض بعض القوى إدخال أعداد كبيرة من المتعاقدين إلى الملاك الإداري لما فيه من خرق للقوانين وضرب للكفاءة والتوازن، ومن جهة أخرى يرى آخرون أن من حق من خدم الإدارة بإخلاص وكفاءة عشرات السنين أن يعطى حقه بالتساوي مع من هم في الملاك لناحية الحقوق الشخصية والعامة. أما شمس الدين فيعتبر أن مسألة التعاقد خطأ وأن تثبيت المتعاقدين خطأ أيضا، لافتا إلى ما يحصل في الجامعة اللبنانية مثالا حيث يتم إدخال المتعاقدين إلى الملاك ثم إنقاص ساعات التدريس ثم التعاقد من جديد، وإلى أن كلفة المتقاعدين على الخزينة ارتفعت من 2000 مليار ليرة إلى 4000 مليار، ولذلك يجب درس الموضوع قبل اتخاذ اي خطوة.

لكن على رغم كل التوضيحات يبقى هناك من يعتبر أن المسألة ليست بهذه البساطة، فما أفسده دهر من الحروب والفوضى الإدارية والممارسات الخاطئة، لن يصلحه قرار بل يحتاج إلى دهر آخر من جهة وتصميم سليم من جهة أخرى لاجتراح الحلول الممكنة وبروز النتتائج الإيجابية للخروج من هذه المعضلة المزمنة. أما السقوط دون ذلك فيولد عدم إستقرار لا تقدر عواقبه، على المواطنين وعلى اتزان وسلامة سير الدولة في شكل عام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل