“إفتتاحية المسيرة” – تفجير كنيسة سيدة النجاة: لن ننسى

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1599

في 27 شباط 1994 عندما تمت عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل كانت حرب القضاء على “القوات اللبنانية” مستمرة. وكانت تلك العملية حجة للإنقضاض على “القوات”. كادت المحاولة أن تنجح. تم حل “القوات”. اعتقل قائدها سمير جعجع. لم يجرؤ أحد على الإعتراض والكلام. البعض تواطأ. البعض بارك. آخرون خافوا. ولكن “القوات” بقيت وخرجت أقوى. اليوم في 27 شباط 2017 بعد 23 عامًا على ذاك الإنفجار تبقى “القوات” أكثر حضورًا وقوة في المشهد السياسي وكأن السحر قد انقلب على الساحر الذي كان في عهد الوصاية يعتقد أن وصايته أبدية فإذا به ينتهي مطاردًا في شوارع دمشق يبحث عن وسيلة للنجاة.

لم تكن تلك المحاولة الأولى لاتهام “القوات اللبنانية” وملاحقتها من أجل القضاء عليها عبر أجهزة عهد الوصاية السياسية والقضائية والأمنية. فمنذ انتهاء الحرب وبعد التوصل لاتفاق الطائف وانتخاب الرئيس رينيه معوض ثم اغتياله في عيد الإستقلال عام 1989 واختيار النائب الياس الهراوي خلفًا له بطلب من رئيس النظام السوري حافظ الأسد لم تتوقف محاولات القضاء على “القوات” لأنها وقفت ضد عملية الإنقلاب على الطائف وتحويله إلى طائف سوري.

بعد التفجير الذي استهدف بيت الكتائب المركزي في الصيفي في 20 كانون الأول 1993 وجهت أصابع الإتهام إلى “القوات” في محاولة لإلباسها الجريمة. فقبل عام ونصف فقط كان الدكتور سمير جعجع يخوض المواجهة السياسية في معركة رئاسة حزب الكتائب التي تكتل فيها كل الذين كانوا يخشون وصوله إلى هذا الموقع من أجل إسقاطه، وكان من السهل تلفيق تهمة من هذا النوع. ولكن العملية لم تكتمل على رغم أن الذين نفذوها تركوا في إحدى السيارات سلاحًا حربيًا إسرائيليًا وبطاقة هوية لشخص من آل رحمة لكي تذهب الشكوك في اتجاه “القوات”.

كان رئيس الجمهورية الياس الهراوي بعد حصول الإنفجار في دمشق في زيارة لنظيره السوري وسمع كلامًا مباشرًا حول النية باعتقال سمير جعجع. عاد قبل انتهاء موعد الزيارة إلى لبنان ونقل إليه رسالة يطلب منه فيها مغادرة لبنان لأن عواصف ستأتي وتأخذه. لم يعمل سمير جعجع بنصيحة الرئيس وفضَّل البقاء والمواجهة ولكن الرئيس في المقابل ومع إدراكه العميق والمباشر للنية السورية بالقضاء على سمير جعجع لم يتوان عن تغطية مفاعيل قضية تفجير الكنيسة واتهام “القوات” وحلِّها واعتقال سمير جعجع.

مدعي عام التمييز القاضي منيف عويدات اكتشف بحسِّه القضائي أن الملف مفبرك وأن المتهم الرئيسي جرجس توفيق الخوري الذي تم اعتقاله بعد أيام على وقوع الجريمة قد أدلى بمعلومات كاذبة تحت التهديد والتعذيب وأن الهدف من كل ذلك ضرب “القوات اللبنانية”. ولكن على رغم ذلك لم يتوان عن لعب دور النائب العام الذي عليه أن يثبت التهمة على “القوات” وعلى سمير جعجع وإن كان خلال هذا المسار القضائي زار البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لينقل إليه ما يعتقده وما لا يمكنه أن يفعله.

رئيس المجلس العدلي القاضي فيليب خيرالله لم يكن هو الممسك بإدارة اللعبة القضائية لأن الأجهزة الأمنية هي التي كانت تتحكم بكل شاردة وواردة من اعتقال الشهود إلى استجوابهم وسوقهم إلى قصر العدل وتهديدهم. وهو اعتبر أنه غير قادر على حمايتهم وأنه مسؤول فقط عما يحصل أمامه في القاعة خلال الإستجواب. القاضي خيرالله نفسه اعتبر لاحقًا أنه كان يعلم أن ما يقوله الدكتور سمير جعجع صحيح وهو أنه اعتقل بقرار سياسي ولن يخرج إلا بقرار سياسي ولذلك اعتبر أن أكثر ما يمكنه أن يقوم به هو عدم إصدار حكم بالإعدام مدركاً بطبيعة تجربته القضائية أن الحكم بالسجن المؤبد سيأتي يوم ويشمله إما عفو خاص وإما عفو عام. خيرالله نفسه كان في مقدوره أن يمنع استكمال المحاكمة عندما غاب وكلاء الدفاع عن الدكتور سمير جعجع وكل المتهمين وعندما تم رفض الوكلاء الذين عيّنتهم نقابة المحامين، وعلى رغم ذلك اختار تحت الضغط الأمني والقرار السياسي أن يمشي بالمحاكمة من دون تأمين حقوق الدفاع وأكثر من ذلك وبعدما تراجع جرجس الخوري عن إفاداته وانهار ملف تفجير الكنيسة نزل عند رغبة الأجهزة الأمنية وأجَّل ملف الكنيسة.

خلال كل تلك العملية كان عهد الوصاية يستكمل عملية القضاء على “القوات”. ولكن “القوات اللبنانية” بقيت في خط المقاومة والنضال مدركة تمامًا أنه لن يصح إلا الصحيح وأن سمير جعجع سينتصر على الذين اعتقلوه وحلوا حزب “القوات”، وأن زمن الحرية لن يتأخر. ولذلك وعلى رغم كل عمليات الإضطهاد والإعتقال التي طالت القواتيين وإجبارهم على توقيع أوراق يتعهدون فيها بعدم التعاطي في السياسة بقيت قضية “القوات” حية، وبدل أن يدخل عهد الوصاية لبنان كله إلى السجن بدأت الطريق إلى حرية جديدة ترتسم منذ العام 2000.

في 14 شباط 2005 لم يقل اغتيال الرئيس الحريري أهمية عن اعتقال الدكتور سمير جعجع. كان المطلوب أيضًا أن يرتعب الناس من الإغتيال كما خافوا من الإعتقال في 21 نيسان 1994 وأن يذهبوا في اليوم التالي بعد الدفن إلى أعمالهم كما ذهبوا في 22 نيسان. ولكن إرادة الناس هذه المرة كانت أقوى والظروف الدولية كانت بدأت تتغيّر والقرار 1559 كان قد صدر وكان جورج بوش في البيت الأبيض والجيش الأميركي على الحدود السورية بعد احتلال أفغانستان وإسقاط صدام حسين في العراق وتداعيات 11 أيلول 2000 في أميركا لم تنته. كل ذلك ساعد في انتفاضة الإستقلال التي أخرجت جيش عهد الوصاية من لبنان وأسقطت السجن الكبير وأخرجت سمير جعجع من السجن الصغير.

بعد 23 عامًا على تفجير كنيسة سيدة النجاة عادت “القوات اللبنانية” إلى ملعبها الواسع. قبل 1994 كانت تريد رئاسة جمهورية متحررة وتطبيقاً كاملاً لاتفاق الطائف وخروجًا للجيش السوري من لبنان وانتخابات نيابية حقيقية وحكومات لا تتلقى أوامرها من دمشق، وهي اليوم في قمة العمل السياسي تريد أن يكون لبنان متحررًا وموجودًا على ساحة القرار الدولي وأن تكون رئاسة الجمهورية قوية وأن تكون هناك انتخابات نيابية تؤمن التمثيل الصحيح وحكومة تهتم بحياة الناس كما بتحقيق السيادة الكاملة. سيادة متحررة من كل وصاية. من وصاية النظام السوري كما من وصاية الداخل التي يحاول “حزب الله” أن يمثلها كبديل عن ذلك النظام بعدما ربط مصيره بمصيره. سيادة لا تقوم إلا على الدور الذي يؤمنه الجيش اللبناني. وانطلاقا من هذه الخلفية تكمل “القوات اللبنانية” الطريق بعد تبني ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية مدركة أن تفاهم معراب مع “التيار الوطني الحر” يصب في اتجاه تصحيح الخلل الذي اعترى الصيغة اللبنانية والتوازن الوطني منذ العام 1994 وهي لذلك تتمسك بقانون انتخابات جديد يؤمِّن صحة التمثيل وتأمل أن تكون انتخابات حرَّة وديمقراطية وأن تقوم حكومة تعمل من أجل حياة اللبنانيين ومستقبلهم.

“القوات اللبنانية” التي تعلمت من تجربة النضال العسكري خلال الحرب على مدى 15 عامًا ومن مرحلة النضال السياسي خلال ما بعد الحرب على مدى 15 عامًا أيضًا لم تنجح محاولات عهد الوصاية في القضاء عليها من خلال تفجير كنيسة سيدة النجاة واتهامها بالعملية. وهي اليوم بعد 23 عامًا على تفجير الكنيسة و12 عامًا على خروج الدكتور جعجع من الإعتقال تجد نفسها في المكان الصحيح. وبعدما كان الإنطباع في العام 1994 أن “القوات” انتهت يتكوّن اليوم انطباع آخر أن “القوات” أقوى وبعدما كان السؤال: ماذا سيفعلون بـ”القوات”؟ بات اليوم: ماذا ستفعل “القوات”؟

بعد 23 عاما على تفجير الكنيسة تبقى الشهادة حية. نتعلم ولن ننسى.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل