Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص “المسيرة” ــ واشنطن ــ المونسنيور سيمون قصاص: مع سيادة الدولة في لبنان ومع أنظمة عربية ديمقراطية تعددية

خاص “المسيرة” ــ واشنطن – العدد 1599:

ولد المونسنيور سيمون قصاص في قرية بمريم في منطقة المتن الأعلى في لبنان في العام 1975، ولم تشأ سنوات الحرب أن تؤثر في إيمانه بلبنان، وبدعوته الكهنوتية، بل صمّم منذ شبابه على متابعة دراسته الأكاديمية واللاهوتية، فسيم كاهناً للأبرشية البطريركية المارونية في صربا يوم الثامن من حزيران من العام 2003. وبعد خدمته الرعوية أرسله أسقف الأبرشية إلى روما حيث تابع دراساته العليا في القانون الكنسي والدولي كما التحق بالمدرسة الديبلوماسية التابعة للفاتيكان وحاز على شهادة الدكتوراه في القانون الكنسي والقانون الدولي (2005 ـ 2009).

دخل السلك الدبلوماسي للكرسي الرسولي في الأول من تموز من العام 2009؛ حيث عين في السفارة البابوية في السودان (2009-2015)، ثمّ عينه البابا فرنسيس في البعثة البابوية لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

هي محطات مهمة وبارزة في سيرة المونسنيور قصاص الذي حقق خطوات في تمثيله الفاتيكان، وهو يتولى حالياً منصب السكرتير الأول في البعثة البابوية في نيويورك حيث التقته “المسيرة” في مقابلة خاصة تناول فيها سلسلة من الموضوعات، أبرزها دور الفاتيكان في الأمم المتحدة وفي المحافل الدولية، ومدى ما يمكن القيام به للدفاع عن القضايا المحقة في العالم، وإبعاد شبح الإضطهاد عن أي جماعة، ولا سيما المجموعة المسيحية في الشرق الأوسط.

الأمم المتحدة منبر عالمي يجمع دول العالم، (الجمعية العامة، مجلس الأمن) فيه تطرح كل القضايا الدولية، ما هي طبيعة عمل بعثة المراقبة لحاضرة الفاتيكان في المنظمة الدولية؟

الكرسي الرسولي هو دولة غير عضو بصفة مراقب دائم في الأمم المتحدة، الأمر الذي يعني أنها لا تصوت (وهو خيار الكرسي الرسولي) ولكنها صوت من لا صوت لهم داخل أروقة الأمم المتحدة

يلعب الكرسي الرسولي دورا محوريا على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي من خلال بناء جسور التواصل بين الشعوب. وهي على تعاون وثيق مع مختلف وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المعتمدة للمشاركة في صنع السلام وحفظه. ويشكل حضورها الفاعل في الأمم المتحدة حافزا للدفاع عن القانون الدولي الإنساني في ما يتعلق بموضع الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال والنساء وجرائم التطهير العرقي والتعصب والاضطهاد الديني، والإبادة الجماعية وقضية اللاجئين.

وتشكل عمليات اضطهاد المسيحيين مصدر قلق رئيسي لدى الكرسي الرسولي خصوصًا ما يجري في “مهد المسيحية” في الشرق الأوسط، حيث يتم التضييق على الأقليات المسيحية وبطرق مختلفة، بالإضافة إلى الصراع القائم في سوريا والعنف الطائفي في العراق وليبيا واليمن وفي بعض الأماكن الأخرى مما أدى إلى تدمير مواقع مقدسة وكنائس وأديرة وآثار ومنقوشات قديمة يعود تاريخها الى الفي سنة.

ويبقى الكرسي الرسولي صوت الحوار في هذا العالم؛ صوت يناهض العنف كأداة لحل النزاعات؛ صوت للتنمية المستدامة وليس لتجارة الأسلحة الخفيفة منها كما الثقيلة والنووية. وفي هذا الإطار ينشط بهدف خلق عالم منزوع من الأسلحة النووية.

كيف يؤثر الكرسي الرسولي في القرار الدولي؟

بهدف تعزيز السلام بين الشعوب يستخدم الكرسي الرسولي صوته في الجمعية العامة ومجلس الأمن واللجان الست في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك لإيصال موقفه علنا ضد أسلحة الدمار الشامل، وتصنيع وبيع الأسلحة بشكل مشروع وغير مشروع، وكذلك بالنسبة الى دور الجريمة المنظمة في تجارة الأسلحة غير المشروعة وضد المخدرات والاتجار بالبشر، فضلا عن استخدام الحكومات والقوات المتمردة العنف ضد المدنيين في النزاعات.

أضف الى ذلك الاجتماعات الثنائية التي نعقدها مع العديد من البعثات الديبلوماسية في نيويورك والتي لديها تأثير كبير في سياسات المنطقة والعالم بالإضفة الى مداخلاتنا الشهرية في الكثير من النقاشات داخل الأمم المتحدة لا سيما في مجلس الأمن الدولي. والجديرذكره انه منذ تاريخ بدء مهمتي في نيويورك قبل عامين، قرر الكرسي الرسولي اعتماد اللغة العربية بقرار من الفالتيكان في مداخلاتنا في مجلس الأمن لا سيما تلك المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط، وهذه المرة الأولي في تاريخ الأمم المتحدة يلقي فيها الكرسي الرسولي خطابه في مجلس الأمن بالعربية.

نزاعات كثيرة تسود عالم اليوم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، ما هي رؤية الفاتيكان لاستقرار المنطقة؟

البارز في اهتمامات الكرسي الرسولي في الأمم المتحدة هو عذابات المسيحيين في الشرق الاوسط. وللصراعات المأساوية في المنطقة، تأثيرها المدمر على المجتمعات المسيحية، كما على الأقليات العرقية والدينية الأخرى، إذ إن هذه النزاعات بنت أهدافها من خلال استخدام الأيديولوجيات والنظريات الدينية المغلوطة بهدف تدمير الفسيفساء الدينية القديمة لبلاد ما بين النهرين.

إن الكرسي الرسولي يؤكد مرة أخرى أن إحياء الأمل في منطقة يمزقها التعصب والقسوة يبقى عبر الحل القائم على إنشاء دولة فلسطين جنبا إلى دولة إسرائيل حيث تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن ضمن حدود متفق عليها ومعترف بها دوليا. عكس ذلك، سيبقى السلام حلمًا صعب المنال والأمن وهمًا. والقضية الفلسطينية لا يمكن النظر إليها إلا من خلال اعتبارها جزءا لا يتجزأ من النزاع في الشرق الوسط والذي يؤثر على المنطقة بأسرها وما وراء الحدود.

أثر هذه النزاعات واضح على المسيحيين في المنطقة تهجيراً وهجرة، ما العمل لوقف نزيف رحيل المسيحيين من الشرق؟

ليس تهجير وهجرة المسيحيين ظاهرة حديثة، انه واقع عرفه الشرق منذ القديم وعلى مدى قرون. وليس التهجير والهجرة الذي يعانيه شعبنا منحصران في المسيحيين وحدهم، بل هو واقع لدى كثير من الشعوب التي تعاني. غير أن تهجير المسيحيين كما ان الرغبة في الهجرة لدى مسيحيي الشرق هي أقوى مما لدى غيرهم من الشعوب بسبب شعورهم كأنهم غرباء وهم في أوطانهم. وهذا الشعور هو نتيجة إحساس المسيحيين بانتقاص في انتمائهم الوطني في عرف بعض الدول العربية، وأيضاً بسبب نظرة دونية لهم من بعض المتزمتين، ومعاملتهم كأهل ذمة، وبسبب التشكيك في انتمائهم العربي. زد على ذلك الاعتداءات المتكررة والمبرمجة على المسيحيين وكنائسهم ومصالحهم، وافتعال الفتن لاستدراجهم الى المواجهة القسرية مع اخوانهم المسلمين او لدفعهم الى الهجرة. ويتلاقى هذا الشعور بالغربة في الوطن مع التسهيلات للهجرة من قبل الدول الغربية. هذه الاسباب وتفاقمها في الآونة الاخيرة تدفعنا، ككنائس وحكومات، الى العمل الجدي لوقف هذا النزف البشري لأن استمراره يعني توجيه ضربة إلى صميم مستقبلنا ومستقبل المنطقة القائمة على التنوّع.

من هنا فإن مهمتنا تتمثل في منع هذه الهجرة، وترسيخ بقاء هذه الفئة العربية في شرقنا الواحد، والتطلع إلى هجرة معاكسة إذا أمكن.وهذا الدور منوط بالكنيسة المحلية لا سيما منها المارونية لوضع استراتيجية قوامها العودة إلى الجذور كما دعا البابا يوحنا بولس الثاني وما يكرره دوما البابا فرنسيس للحد من الهوة الكبيرة بين الإكليروس والمؤمنين…

وجود المسيحيين في لبنان أمل لمسيحيي الشرق، كيف يمكن تثبيت ودعم ركائز لبنان دولة الديمقراطية والتعددية؟

لا يمكن تثبيت ودعم ركائز لبنان دولة الديموقراطية والتعددية إلا عبر وجود دولة القانون وممارسة دورها وصلاحياتها وعلاقاتها بمواطنيها وبغيرها من الدول. وتتجلى مظاهر السيادة في الدولة بعاملين:

المظهر الخارجي: ويقوم على تنظيم العلاقات الخارجية للدولة مع غيرها من الدول ضمن إطار المبادئ العامة للتشريعات والمعايير الدولية والوطنية، ووفقاً للمعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة. والمظهر الداخلي: ويتجلى ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتطبيق القوانين والتشريعات على جميع المواطنين وبشكل عادل ومتساوٍ ومن دون تفرقة أو تمييز. فلا يمكن لأي سلطة أو مجموعة ضمن الدولة أن تدعي السيادة وتمارسها. والمؤسف انه منذ العام 1945 يعيش لبنان خارج مفهوم الدولة الحديثة وهو أقرب الى مفهوم الدولة “الفاشلة” التي تعجز عن ممارسة سيادتها على كامل أراضيها وعلى حماية مواطنيها ورعاية مصالحهم، وتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لهم، وعجزها عن احترام الاتفاقيات والمعاهدات وقرارات الشرعية الدولية. فهل هكذا تثبت وتدعم ركائز لبنان الدولة!

ومن هذه المؤشرات السلبية التي تناقض مفهوم الدولة القوية:

*مؤشرات اجتماعية واقتصادية: الفقر ـ الفساد ـ غياب فرص العمل ـ غياب التنمية الاقتصادية ـ لا قيمة للعملة الوطنية – الديون ـ الهجرة المستمرة ـ هيمنة أصحاب النفوذ ـ غياب الاستقرار والأمن والأمان ـ القضاء المسيس ـ الحدود المفتوحة وغياب الرقابة…

*مؤشرات سياسية: غياب القضاء العادل وحكم القانون والمؤسسات – الميليشيات المسلحة – ارتباط مجموعة مسلحة بالحروب في المنطقة – غياب الشفافية والمحاسبة السياسية…

واول خطوة نحو دولة لبنان الديموقراطية والتعددية هي من خلال التمسك بوجود الدولة القوية والعادلة، التي تستطيع ممارسة سيادتها على كامل أراضيها من خلال الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية وحدها، وتحمي حدودها ومواطنيها وتوفر لهم الأمن والأمان ضمن حدودها المعترف بها دولياً، الدولة القادرة على سن تشريعاتها وقوانيها إستناداً إلى مبادئ الحق والعدالة والمساواة وعلى تطبيق هذه التشريعات والقوانين على جميع مواطنيها وعلى كامل إقليمها، الدولة التي يسود فيها حكم القانون والمؤسسات، الدولة التي تعيد بناء نظامها على أسس صلبة وسليمة من الديمقراطية والشفافية والمواطنة الحقيقية.إن دولة غير قادرة على تجديد نخبها السياسية والاقتصادية وتداول السلطة معطل فيها بسبب هيمنة مجموعة مسلحة على قراراتها، هي دولة عاجزة عن الانتقال إلى الدولة – الوطن.

 تحديات الإرهاب، والنزاع بين الإيديولوجيات، تسود العالم في الألفية الحالية، إلى أي مدى ستكون الدول والمجتمعات قادرة على إيجاد حلول جذرية لهذه المسائل؟

يشكل الإرهاب مصدر قلق للمجتمع الدولي منذ العام 1937، عندما وضعت عصبة الأمم اتفاقية منع الإرهاب وقمعه. وقد تمكّنت جميع الدول الأعضاء في الستينات من أن تشارك في التفاوض حول الاتفاقيات المتعلّقة بمكافحة الإرهاب والبروتوكولات ذات الصلة، التي تمّ وضعها تحت إشراف الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصّصة.

أفضت نتائج مؤتمر القمة العالمي لمكافحة الإرهاب في العام 2005، إلى إقرار الجمعية العامة، للمرة الأولى، في 8 أيلول 2006، استراتيجية الأمم المتحدة العالمية المشتركة لمكافحة الإرهاب. وتتضمّن الاستراتيجية خطة عمل تهدف إلى معالجة الظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب، ومنعه ومكافحته، واتخاذ تدابير لبناء قدرات الدول، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وضمان احترام حقوق الإنسان في أثناء مكافحة الإرهاب.

وتساهم الأمم المتحدة في معالجة الظروف المؤدية إلى انتشار الإرهاب، من خلال تعزيز الحوار والتسامح والتفاهم بين الحضارات والثقافات والشعوب والأديان، وتعزيز الاحترام المتبادل للأديان والقيم والمعتقدات الدينية والثقافات ومنع التشهير بها.كما تعمل على ترويج ثقافة السلام والعدالة والتنمية البشرية، والتسامح العرقي والوطني والديني، واحترام جميع الأديان أو القيم الدينية أو المعتقدات أو الثقافات، عن طريق القيام، عند الاقتضاء، بوضع برامج للتثقيف والتوعية العامة وتشجيعها، تشمل جميع قطاعات المجتمع.

أما في سوريا ومنذ آذار 2011، فالصراع القائم بين النظام والمعارضة السلمية التي تحولت مكرهة إلى معارضة مسلّحة، والتي تبعتها من ثم مجموعات إرهابية تكفيرية أدّت إلى تشويه صورة هذه المعارضة في تحقيق أهدافها ولا سيّما إقامة الدولة على أسس الديمقراطية، طرح تساؤلات عديدة حول دور الدول الإقليمية والدول الكبرى في مكافحة ظاهرة الإرهاب بعد 6 سنوات من الأزمة التي ذهب ضحيتها مئات ألاف القتلى والجرحى والمعتقلين وملايين النازحين والمهجرين إلى دول الجوار وسائر أقطار العالم.

من هنا عوامل داخلية عديدة مهّدت الطريق أمام تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة في كثير من الدول العربية، مثل ارتفاع معدلات الفقر وتفاقم مستويات البطالة وتبني سياسات إقصائية على أساس عرقي وطائفي وغيرها من العوامل، كما أنّ السياسات الخاطئة التي تبناها العديد من القوى الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط دعمت بدورها انتشار تلك التنظيمات وأنتجت الإرهاب وتصاعدت أيديولوجيات متطرفة.

فالإصلاح السياسي والديمقراطية هما المخرجَ الوحيد من الأزمة الممتدة والشاملة، بما يضمن التطور السلمي للمجتمع والدولة في أكثرية الأقطار العربية، بعد أن عاشت المجتمعات العربية أكثر من نصف قرن في ظل أنظمةِ طوارئ حرمتها من الحقوق والحريات، وأضعفت هياكل المشاركة، وعانى المجتمع السياسي من تشوّهات جوهرية وافتقار لآليات العمل الحزبي المنظم والسلمي.

شكر خاص

أشكر هذا المنبر الإعلامي الحر – “المسيرة” – الذي خصني بهذه المقابلة مثمّنا الدور الوطني الكبير الذي تقوم به “القوات اللبنانية” منذ قيامها من خلال التضحيات الغالية التي قدمتها وما زالت في الدفاع عن لبنان الدولة، دولة التعايش والرسالة، دولة القانون حيث لا يعلو سلاح إلا سلاح الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية. والرب يبارككم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version