
كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” – العدد 1599:
كان المفروض أن نبدأ من ذاك اليوم والشهر والسنة. من ذاك السبت 16 حزيران 1979 الساعة 11 و15 دقيقة. يومها كانت المعارك على اشدها في احياء منطقة فرن الشباك الداخلية بين حزبي الكتائب اللبنانية والوطنيين الأحرار. أنطوان عون كان هناك وليس صدفة. فالمقاتل في حزب الكتائب كان أوصل ربطة خبز لجيرانه في المبنى الذي يقطن فيه قبل أن يقرر العودة إلى الثكنة. لكن رصاصة من نوع كلاشينكوف انطلقت من الحي المقابل واخترقت ظهر أنطوان. وقبل أن يهوى على الأرض صرخ “شلّيتني…”.
كان المفروض أن نحكي سيرة مقاتل تحولت حياته في لحظة إلى معوّق إلى مشروع حياة على كرسي نقّال، أو قل إلى مصنع لتطريز اليأس والكفر ونكران الذات. لكن القصة تبدأ من حيث يقف اليوم محاضراً امام طلاب الجامعات ورجال الأعمال والموظفين عن الثقة بالنفس وضرورة تفجير القوة التي تكمن داخل كل إنسان شرط إعطائها الفرصة في كل مكان وزمان.
ومن تلك القوة التي استمدّها انطوان في فرنسا حيث يعيش نبدأ. من الدراجة الهوائية التي صنعها واجتاز عبرها حدود الكرة الأرضية ليسجل أرقاماً قياسية في سباقات لن تنتهي قبل أن يختمها بآخر جولة له حول العالم في أميركا اللاتينية والشرق الأدنى، ومن صفحات كتابه “Ma Vie en 3D Desir Discipline Determination” نقرأ في سطور سيرة أنطوان عون.

في “كايان” أحد أحياء النورماندي في فرنسا يعيش أنطوان عون ويتعايش واقع الإعاقة التي تحولت إلى معركة تحدٍّ مع الذات وإثبات أنها لن تكون يوماً بمثابة فرامل لعجلة الحياة التي لم تمهله فرصة للتفكير بدورتها العكسية على إيقاع الكرسي النقال. وعلى وقع صدى صمت البيت الفرنسي يبدأ أنطوان في سرد محطات من مسيرة عمر مثقل بالتحدي والنجاحات والطموح.
في أيار عام 1961 فتح أنطوان عون عينيه على هذه الحياة. كان الولد البكر لعائلة مؤلفة من 3 صبيان وفتاة. يومها كان والداه جوزف وجاكلين يقطنان في بلدة قرصون قرب العربانية في المتن الأعلى. لكن حكايات طفولة أنطوان لم تسجل في احياء تلك البلدة المتنية بعدما قررت العائلة الإنتقال للسكن في منطقة فرن الشباك. “تلقيت علومي الإبتدائية في مدرسة راهبات عبرين في فرن الشباك وكنت مجتهداً إلى درجة أن الراهبة الأم المسؤولة عن المدرسة قررت ترفيعي صفاً إضافياً في مرحلة الخامس إبتدائي. لكن أهلي رفضوا الفكرة من أساسها. في هذا الوقت حصلت على منحة دراسية من مدرسة داخلية في منطقة المروج فانتقلت إليها وتعلمت فيها من صف الثالث حتى الخامس إبتدائي. ومنها إلى تكميلية فرن الشباك”.
حرب السنتين كانت المفصل الأول في حياة أنطوان. “عندما تسجلت في تكميلية فرن الشباك كانت شرارة حرب السنتين اندلعت. أحدٌ لم يتصور أنني سأترك مقاعد الدراسة وألبس البزة الكاكية وأنزل إلى الجبهة خصوصاً أنني كنت من المتفوقين في الدراسة. وبطبيعة الحال واجهت معارضة شديدة من قبل والديّ اللذين رفضا فكرة اندماجي في حياة العسكر والقتال على الجبهات، لكنني أوهمتهما في البداية أنني تطوعت في قسم الدفاع المدني في ثكنة حزب الكتائب اللبنانية ومقرها في ثانوية فرن الشباك. ولحسن الصدف أنني عدت إلى الثانوية لكن هذه المرة بصفة طالب في مرحلة الثانوي الأول لكن لم احضر أياً من الحصص إذ كنت أخرج صباحاً مع الكتب وأتوجه مباشرة إلى الجبهة! وعندما أصبت كنت لا أزال تلميذاً في صف الأول ثانوي. وعلى رغم عدم التزامي بالحصص الدراسية وافق المدير على إعطائي إفادة مدرسية بأنني أنهيت صف الثانوي الأول بنجاح”.

16 حزيران 1979. تاريخ لا يزال مطرزاً في ذاكرة ذاك التلميذ الذي كان مندفعاً نحو حياة العسكر لكن ليس عن عبث إنما يقيناً منه بأن الوطن يستحق التضحيات. وهل لا يزال على قناعاته واندفاعه اليوم؟ يجيب انطوان: “الظروف تغيّرت لكن قناعاتي ثابتة”. ويعود إلى ذاك التاريخ الذي قلب موازين عمره وسجل تاريخ ميلاده الثاني.
16 حزيران 1979. كانت الساعة 11 وربع تماماً. ماذا حصل في تلك اللحظة؟ يروي أنطوان: “يومها كانت المعركة على أشدها في أحياء فرن الشباك بين مقاتلين من حزب الكتائب اللبنانية من جهة والوطنيين الأحرار من جهة ثانية، وبطبيعة الحال أمضيت تلك الليلة على الجبهة إلى جانب الرفاق في حزب الكتائب. مع ساعات الصباح الأولى قررت أن أذهب إلى البيت لتبديل ملابسي التي تلوثت بالدماء خلال عملية نقل أحد الرفاق إلى المستشفى إثر إصابته بالمعركة. انتظرت حتى تهدأ الجبهة قليلاً لأن المنزل يقع على خط النار. لكن عبثاً. مررت على أحد الأفران واشتريت منقوشة مع قنينة بيبسي وبعدما انتهيت من تناولها اشتريت ربطتي خبز للجيران وتوجهت نحو البيت ركضاً. أهلي كانوا في المنصورية عند بيت خالتي وناموا تلك الليلة هناك بسبب إقفال الطرق. أخذت حماماً بسرعة وبدلت ملابسي ونزلت على الدرج (المنزل في الطبقة الرابعة)… ولم أعرف أنها ستكون المرة الأخيرة التي أنزل فيها السلم على قدمي…”
عندما وصل أنطوان إلى مدخل البناية قرر ان يأخذ طريق “قادوميي” لاختصار المسافات. لكنها كانت المسافة الأقصر نحو الشهادة حياً. “كنت عم بركض بسرعة لأنو عارف إنو الطريق خطرة خصوصاً إنو المعارك كانت بين شارع وشارع. فجأة بسمع شي فقش على بحصة وبأقل من ثانية بوقع ع الأرض وصرخت… شلّيتني… بس ما فقدت الوعي صرت إزحف. ورجع قوّص عليي القناص رشق رصاص. فجأة بسمع صوت رصاص من جهتي. بعدين عرفت إنو الشباب سمعو صوتي بس صرخت وفتحوا النار حتى إقدر إزحف صوبن، بس ما قدرت مع إنو المسافة ما كانت بتبعد أكتر من 10 أمتار لأنو الرصاص كان متل الشتي. بهالوقت لطيت ورا حيط وصرخت للشباب تا حددلن موقعي. أول سيارة وصلت أكلت نصيبا من الرصاص. وبعد 20 دقيقة وصلوا الشباب بسيارة تانيي وحملوني تحت الرصاص. ما كنت عم بنزف أبداً لأنو الرصاصة اخترقت العمود الفقري وانفجرت بجسمي مما أدى لحصول نزيف داخلي”.
بين الحياة والموت نُقل أنطوان إلى مستشفى أوتيل ديو. “كنت نام وأوعا. والأصح ما كان بدي نام لأنو عارف إنو راح تكون النومة الأبدية. كنت عم بسمع رفقاتي هني وعم يقولوا إنو ما راح يوصل عا المستشفى. صار لوني أبيض بسبب النزيف الداخلي. وما وعيت بعدين إلا بالمستشفى هني وعم يحطولي الأوكسيجين ورجعت غبت عن الوعي”.
في التقرير الطبي سجل الأطباء إصابة الوريد الأجوف (veine cave) لجهة القلب بشكل بليغ مما أدى الى حصول نزيف داخلي كاد أن يودي بحياة أنطوان لولا تبرع رفاقه بعشر وحدات من الدم. بالإضافة إلى تضرر المصران والكبد والطحال الذي تم استئصاله خلال العملية التي استغرقت ساعات طويلة “صفّا الدم من عروقي بسبب النزيف الداخلي الحاد وما كانوا الأطباء متوقعين إنو راح عيش. وطلعت من غرفة العمليات حيًّا يُرزق بس مشلول”.
.jpg)
عملية فتح الطرقات سمحت لأهل أنطوان بالعودة سريعاً إلى البيت ومنه إلى مستشفى أوتيل ديو. “أهلي عرفوا بالصدفة من خلال أحد الأصحاب اللي صادف وجودو بالمنصورية وكان عم بيخبر أمام مجموعة من الشباب ومن بيناتن إبن خالتي إنو أنطوان عون انصاب وحالتو خطيرة. بيصرخ إبن خالتي وبيسألو متأكد من الإسم؟ قللو ما عم خبرك، أنطوان صاحبي. بيطلع إبن خالتي ركض ع البيت وبيخبر أهلي”.
عندما أصيب أنطوان كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والربع تماماً. الحادية عشرة والنصف أعلن عن وقف لإطلاق النار بعد دخول الجيش اللبناني إلى فرن الشباك وعين الرمانة وعودة المقاتلين الى مراكزهم قبل أن تتم إزالة كل المتاريس وفتح الطرقات.
ثمة من قال إن أنطوان عون كان الضحية الأخيرة في هذه المعارك. وثمة من قال إن الرصاصة التي اخترقت عموده الفقري والرشقات النارية التي استتبعت الحادث كانت آخر طلقات تُسمع في أحياء فرن الشباك. أنطوان عون يجزم: “آخر رصاصة بالمعركة فاتت بضهري وشلّتني”.

بعد مرور 24 ساعة على العملية الجراحية استيقظ أنطوان من تأثير البنج. بالكاد استطاع أن يحدد مكانه. حاول أن يتحرك لكنه اكتشف أنه مزنّر بأكثر من 20 نربيجًا. مرر أصابعه على قدميه. لم يشعر بشيء. سأل نفسه: “مين نايم حدي ع التخت؟”. للحظات فكر أن القدمين اللتين انفصلتا فيزيولوجياً عن روحه ومشاعره وأحاسيسه تعودان لمريض آخر ينام إلى جانبه في السرير. وعاد إلى غفوته تحت تأثير البنج. وما أن فتح عينيه حتى أعاد الكرّة مرة ثانية. لكن هذه المرة أدرك أن هاتين القدمين هما ملكه. مع ذلك رفض أن يصدق أنهما انفصلتا عنه بالإحساس وستتحولان إلى مجرد قدمين لأن وظيفتهما انتقلت قسراً إلى الكرسي النقال.
مساء الأحد استيقظ أنطوان بشكل كامل بعدما فرغ جسمه من مفاعيل التخدير. “قديش الساعة؟” سأل. فجأة وصله الجواب من صوت امرأة. ذاك الصوت هزّه من الداخل. كانت أمه. وساد صمت رهيب. كسرته أنفاس تلك الأم المصدومة والتي لم تصدق بعد أن أنطوان لا يزال على قيد الحياة. صمت هزمته إرادة حب البقاء عند انطوان الذي رفض أن يستسلم لشعور عدم الإحساس بقدميه وبقي مقتنعاً بأنه سيمشي بعدما يخرج من المستشفى أو بعد سنة أو سنتين على أبعد تقدير… ومشى وركض وتحدى لكن… على الكرسي النقال.
لم يتحمل أنطوان بقاءه على السرير في غرفة العناية الفائقة. حاول أن يقنع الأطباء بإخراجه إلى غرفة عادية بعد مرور 24 ساعة. لكن وضعه الصحي لم يكن يسمح بذلك إذ كان يخشى الأطباء أن يتعرض من جديد لنزيف داخلي أو حصول مضاعفات نتيجة فقدانه كمية كبيرة من الدم. حاول مراراً أن يستفسر عن حقيقة وضعه لكن الجواب كان واحداً: “بدا شوية وقت”. لكن الوقت كان يمر ثقيلاً على أنطوان.
بعد أربعة أيام تم نقله إلى غرفة عادية بإلحاح منه. حاول أن يقرأ في عيني أمه حقيقة وضعه، أو أن يسرق من عيني والده وإخوته جواباً ما لكن عبثاً: “كنت عارف إنو ما راح إطلع من المستشفى على إجريي لأنو ما عم بحس فيُن أبداً. بس كنت عم بقنع حالي إنو راح يجي اليوم اللي راح إرجع إمشي وأركض… إمي ما تركتني ولا دقيقة. حاولت تتفهم كل ردات فعلي. كنت بحالة تمرد دائم. بعد أسبوع بيدخل أحد الأطباء غرفتي تا يفحص الجرح. هون انصدمت. كانوا شاقيني من رقبتي لكعب بطني. سألتو إمي: “قديش بعد بدو أنطوان تا يمشي؟ بيجاوبا الطبيب بكل ثقة: “قبل ما تسألي قديش بعد بدو وقت تا يمشي قولي منيح اللي بعدو عايش واشكري ربك لأنو رجع عالحياة بأعجوبة”.

بعد مرور ثلاثة أسابيع على مكوثه في مستشفى أوتيل ديو خرج أنطوان عون لكن ليس إلى بيته في فرن الشباك، إنما إلى معهد بيت شباب وعلى كرسي نقّال. هناك خضع لتمارين إعادة تأهيل بالإضافة إلى التمارين الفيزيائية على يد إختصاصيين. لكن الشاب المتمرد رفض أن يخضع لواقعه: “حسيت حالي رجعت طفل صغير ما فيني إلبس أو إطلع ع التخت وحدي. كان كل همي إستعيد إستقلاليتي حتى أنا ومشلول”. لكن ماذا عن الشعور الذي انتابه في اللحظات الأولى على جلوسه إلى كرسي نقال؟ نسأل. وبكل تمرّد وعنفوان يجيب: “حسيت بوجع ضهر لأنو ما كنت متعوّد على هالقعدة الطويلة. كنت متل الزيبق إركض وإمشي. ما كنت أعرف معنى القعود مدة طويلة. لهيك قررت إتحدى حالي وإرجع لحياتي الطبيعية بالقدر الممكن وأول شي كان لازم إعملو إنو صير مستقل وإتحرر من حاجتي للآخرين”.
ومتى وكيف تلقيت خبر إصابتك بالشلل الدائم؟… صمت عميق يتبع السؤال. بعدك عالخط؟ إي معك. بعد شهرين من الإصابة دخل أحد المعالجين الفيزيائيين القاعة اللي كنت قاعد فيا بمعهد بيت شباب. كان إسمو زياد. طلب مني إلبس كلساتي من دون ما إطوي إجريي. قلتللو ما بقدر. بس أصر عليي. وبس سألتو عن سبب إصرارو قللي لازم تبلش تتعوّد حتى يبقى في ليونة بجسمك على المدى البعيد خصوصاً إنو راح تكمل عمرك ع الكرسي. بالبداية فكرتو عم بيحكي مع شخص تاني. بس تأكدت إنو الكلام موجه لإلي قلتللو بس أنا راح إرجع إمشي على إجريي بعد سنة أو سنتين. هيك فهمت من الأطبا… هون اطلع فيي وقللي “اتطلع بكل هالأشخاص، حدا منن فات عالمعهد وطلع عم بيمشي؟ فكرتك أذكى من هيك”.

ربما كان المطلوب إحداث صدمة ما، أو لعلها تلك الصدمة التي أدخلت أنطوان في نوبة عصبية، حيث بدأ يبكي كالأطفال ويصرخ في وجه المعالج، أدارت عجلة التحدي في حياته ودفعته إلى الإعتذار بعد سنتين خلال زيارته للمعهد: “بس وصلت لفوق تذكرت شو صار معي. طلبت مقابلة المعالج الفيزيائي. بس وصل اعتذرت منو وشكرتو لأنو قدملي أهم وأعظم خدمة. ولولا هالصدمة الإيجابية ما كنت قررت إرجع كمل دراستي. كنت عارف حالي إنو راح كمّل حياتي على كرسي نقال بس كنت عم بقنع حالي بالعكس. ولولا هالصدمة كنت راح ضل عايش ومصدق الكذبة”. أما والداه فرفضا التعايش مع الواقع الجديد وعاشا على أمل أن يستعيد كبير البيت قدرته على المشي من جديد “ويمكن ماتوا وبعدن متأملين إنو يرجعوا يشوفوا أنطوان عم يمشي من دون كرسي”. (توفي والده عام 1996 أما والدته جاكلين فرحلت إلى جوار القديسين في العام 2007).
أول خطوة تحدٍّ قام بها أنطوان تمثلت في العودة إلى مقاعد الدراسة حيث أكمل صف الثانوي الثاني في ثانوية بيت شباب وكان يعود منها الى المعهد. لكن أجواءه كانت تعيده إلى واقعه الذي تمرد عليه فحاول أكثر من مرة أن “يستقيل” من ذاك المكان والزمان لكنه أدرك أنه سيخسر الكثير لا سيما على مستوى السنة الدراسية. فاقتنع في النهاية وأكمل سنته الدراسية وحصل على شهادة البكالوريا القسم الثاني بجدارة.
في حزيران 1980 عاد أنطوان عون إلى بيته ومرتع طفولته في فرن الشباك. لكن كل الظروف عاكسته: “كان بيتنا بالطابق الرابع والبناية مش مجهزة بمصعد كهربائي فكان يتولى حدا من الشباب حملي وشخص آخر يطلع الكرسي النقال”. في هذه الفترة عاود أنطوان زياراته إلى الرفاق فكان يجالسهم في ثكناتهم ويستعيد معهم ذكريات المقاتل المتمرد وصاحب العنفوان الذي لا ينكسر. وحدها نظرات الشفقة المتمترسة في عيون المارة كانت تخربط مقاييس إرادة البقاء في هذا الوطن الذي ينظر إلى المعوق نظرة شفقة بالإضافة إلى عدم توافر أي من الشروط التي تساهم في دمج المعوق في المجتمع. وهذا ما لمسه لاحقاً بعد تخرجه من معهد “ELC” حيث تخصص في مجال إدارة الأعمال والمحاسبة. “أوقات كنت إنزل ع الشارع وإتمشى وهون بلشت حس بالغضب وبالإعاقة الحقيقية بالمجتمع لأنو البعض كان يفكرني شحاذ ويعطيني مصاري. بالنسبة للمجتمع بهيداك الوقت المعوق على كرسي نقال هوي شحاذ لأنو قبل الحرب ما كان هالمشهد مألوف بالشارع”.
حتى بعد تخرجه ونيله إجازة لم ينجح أنطوان في كسر موروثات العقد النفسية في المجتمع: “قدمت سيرتي الذاتية على أكتر من مؤسسة وبس روح قابلن يطلعوا فيي بتعجب ومنن بفوقية كنت شوف نظراتن المصوبة نحو الكرسي وأعرف الجواب قبل ما يقولوا: “نحنا منرجع نتصل”.
لم يوفر أنطوان باب مسؤول لمساعدته على إيجاد وظيفة بالكفايات العلمية التي يتمتع بها لكن من دون نتيجة. فكانت هذه المرحلة الأصعب في حياته. تمنى لو استشهد ذاك اليوم لو صار صورة في إطار. أكثر من مرة فكر أن يضع حداً لحياته لكن تلك اللحظات السوداوية المدمرة كانت عابرة. وفهم أن حياته لن تكمل في حدود هذا الوطن. لكن حتى قرار مغادرته الوطن الذي دفع ثمنه غالياً وغالياً جداً لم يكن صدفة. فاستشهاد الرئيس بشير الجميل في أيلول 1982 كان الإنذار الأول “كان الرئيس بشير الجميل بمثابة خشبة خلاص للوطن. وكنت متأمل كتير من وصولو لسدة الرئاسة خصوصاً إنو المشاريع الإجتماعية اللي كان راسما لمعوقي الحرب كبيرة. باستشهادو انكسر الحلم”. أما الضربة الثانية فتلقاها بوفاة شقيقه جاك (19 عاما)ً في آذار من العام 1983 نتيجة تعرضه لصدمة كهربائية أثناء عمله في إحدى الورش في بيروت. فكان القرار النهائي بمغادرة لبنان إلى فرنسا مع ممرضته الفرنسية فرنسواز التي تعرف إليها في مستشفى بحنس حيث كان يخضع لعملية جراحية عام 1981.
وفي 31 تموز عام 1983 صعد أنطوان عون إلى الطائرة المتوجهة نحو فرنسا. وما أن أقلعت اندلعت معارك الجبل وبات الوصول إلى مطار بيروت مستحيلاً بسبب كثافة النيران والقذائف التي كانت تتساقط على الطريق المؤدية إليه. “كانت رحلتي على فرنسا هيي الأخيرة بهيديك الفترة لأنو توقفت حركة الطيران بمطار بيروت. كان في غصة كتير كبيرة بقلبي. بس ما اطلعت ورايي. كنت عارف حالي لوين رايح والأهم كنت عارف إنو راح بلش حياتي الجديدة اللي خلقت فيا من جديد يوم 16 حزيران 1979 الساعة 11 وربع”.
(يتبع)
بدعوة من الجمعية الثقافية الفرنسية ـ اللبنانية يلقي أنطوان عون محاضرة بعنوان “اكتساب الثقة بالذات: هل ترغبون؟!” في قاعة مقاتلي إفريقيا الشمالية القدامى في فاسرلي في مدينة أنطوني الفرنسية. وللمناسبة يوقع عون كتابه Ma vie en 3D Desir Discipline Determination في حضور حشد من الشخصيات الاجتماعية والثقافية وأبناء الجالية اللبنانية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
