
…إنتهرها وقال لها: “ما لي ولك يا امرأة، إليك عني، لم تأت ساعتي بعد”.
لم تُجب بأي كلمة، بل ابتعدت عنه وتركته لأمره، وكانت تبتسم في سرها لأنها كانت تعرف!
هي مريم، أمه.. وهو طفلها، ومن يعرفه أكثر؟! كانت تعرف أنه يريد أن يتمرد عليها، أن يقول لها: لم أعد طفلك الصغير، صرتُ رجلا ولدي شخصيتي المستقلة، فإعتادي على الأمر…
وتعود إلى ابتسامتها النورانية.. لكنها هذه المرة لم تتمكن من إخفائها، فظهرت على محياها وسط استغراب الحاضرين ودهشتهم…
كانت تعرف أنها مريم، أمه، وأنه، ولو كان سيد الأكوان، فلن يرضى لها إلا أن تكون سلطانة السماوات والأرض، تسأل فتُجاب، تطلب فتُطاع، ويكون ما تريد…
دقائق قليلة مرت.. نادى على الخدم وقال لهم: “إملأوا الجرار ماء”.. فإرتبكوا وأسقط الأمر في يدهم، ووقفوا حائرين لا يدرون ماذا يفعلون!
نظروا إليها مستنجدين، علها تنقذهم من هذه الورطة، فهي أمه، ولا بد أن يكون لها دالة عليه. أما هي- ويا لإبتسامتها – فقالت لهم بتواضع ودعة: “إفعلوا ما يقول”.
كانت أياديهم ترتجف، ولكن لم يكن في الأمر حيلة، فمن إستنجدوا بها لتكون ملاذهم لم تكن خير منقذ.. ولكن، ما أن فعلوا حتى تغير وجه العالم وأصبح عرس في الأرض…
إفرحي وهللي يا قانا ، تخايلي على كل الشعوب، “تشاوفي” على كل الأمم، ففيك أعلن إبن الإنسان أنه الإله، ومنك بدأت الحكاية الباقية إلى الأبد.
إرفع جبينك يا وطني.. أشمخ يا أرز.. أزهو يا لبنان.. أنت قد أعطيت مجدا لم ينله وطن، فسيد الأكوان جعلك شريكا له في مجده السماوي، وإختارك من بين الأوطان لتكون منك بداية المسيرة.
إرفع جبينك يا لبنان.. أنت وقف أبيه. أرضك مباركة لن تعرف الزوال. صرت أبديا كما هو، باق معه إلى الأبد، شاهدا على الحكاية ليتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد جيلا بعد جيل، و”أجيال تسلم أجيال”…
أما أنت يا مريم، يا أمه، يا أمي، يا أمنا.. إبتسمي بعد، في سرك أو أمام الملأ، لا يهم، ولكن إبتسمي.. ولا تنسي أنك ذات قانا، أنت أيضا أعلنت سلطانك من هنا، من بلاد الأرز المباركة، فلا تشيحي بنظرك عنها..
ذكريه يا مريم، فهو قد يسهو قليلا وسط إنشغالاته. ذكريه أن ها هنا عرف العالم أنه الآتي بإسم الرب… أن ها هنا أعلن أنه الإله، وأنه الطريق والحق والحياة، وأن رحلة الآلام والعذاب طالت وآن لها أن تنتهي.. هلّا فعلت يا أمي؟
