#adsense

زمن الصوم حين يطنطن جرس يسوع…

حجم الخط

 

كتبت فيرا بو منصف في العدد 1599 من مجلة المسيرة:

تبدأ الحكاية بكأس وتنتهي بكؤوس، ما أن تتسلل شمس ربيع منتظر من قلب عواصف شباط، قل جاء غير زمن، زمن الشجن المشوب بفرح كبير آتٍ لا محال، تجلس الصبية الى حافة قريتها وتراقب الأرض كيف تتلهّف مواسمها، غريب كيف يرسم زمن الصوم صوره ابتداء من تلك الليلة التي نسمّيها خميس “السكارى”، إرفعوا الكأس يا جماعة بدأ الدرب يُحفر بكأس الدم، هنا صليب ما، وهنا دم يسوع خمرة الأيام…

أنبدأ بلبطة المرفع؟ لن نحكي عن تلك اللبطة القاسية، لبّخ جسم الصبية من اللبطات وتخدّر وما عاد يفرق كثيرا لبطة بالزايد، ولا لبطة هنا بالناقص، لأن إذا نقصت يعني تطلّقت الصبية من العزوبية وراحت الى حبس الالتزام، في الضيعة من لبطها المرفع بعد الخامسة والثلاثين صارت إذن واحدة من نواطير الثلج وهن كثيرات كثيرات في وطن الأرز والثلوج.

حين يبدأ أسبوع المرفع نحشو البراد باللحوم ومشتقات الزفر تلك، وحده النباتي الهوى يجلس مراقبا مكتفيا بسلطات الأعشاب والحبوب وتلك الأسماك الطيبة المقلية على نار الصوبيا. في الضيعة لما كانت السيارات أعجوبة العصر، كان اللحام يأتينا من القرية المجاورة كل نهار سبت محمّلا بالطلبيات، وفي أسبوع المرفع يأتي استثنائيا صباح خميس “السكارى”، أو الأصح الذكارى أي تذكار الموتى، لكن شئنا أن نحوّله الى اسم يتناسب ومزاجنا الشعبي، أي خميس السكارى لنذهب مع يسوع في تلك الليلة بسكرة النبيذ، نسكب منه الكؤوس ثم نسكب ولا نرتوي، نجتمع والعيلة والأصدقاء  وفي بالنا أن نشرب كأس من نحب قبل أي كأس آخر، والمفارقة أن كأس من نحبه دائما نرفعه وكأنه في الغياب وهو الحاضر الأول وبقوة غريبة تضاهي الضوء على رأس المائدة، وفي النبيذ المعتّق وفي خمرة القلوب، ولا تذهبوا بعيدا في الخيال أحكي عن يسوع…

يأتي أحد المرفع، يجلس الأهل والأصدقاء الى المناقل الملتهبة بالأطايب، لحمة دجاج عصافير وما شابه، العد العكسي صار في مراحله الأخيرة ولبطة المرفع آتية آتية لا محال، إذ ما الذي سيتغيّر في أيام قليلة، في ساعات؟ “ما حدن بيعرف شو ناطرو” تقول جارتي نعيمة لتطيّب خاطري “معقول يا نعيمة وأنا مش على بال حدن ولا حدن على بالي؟” أستعير جملة فيروز من فيلم “بياع الخواتم” ونغرق بالضحك حتى الدمع “لو ستك بعدها عايشة كانت قالتلك قومي انضبي ولي” قالت نعيمة قبل أن تذهب لتحتفل ويسوع بكل خميس سكارى وأحد مرفع وفصح مجيد سيعبر بزمننا…

أذكر يا إنسان أنك من التراب والى التراب تعود، ويرسم الأبونا بالرماد إشارة الصليب فوق جباهنا، اثنين الرماد، هو الاثنين الوحيد في العام كله الذي لا يجعلنا نعيش يأس أول أيام الأسبوع بعد عطلة الاسترخاء، “ما في دَبرَسة اليوم، اليوم اتنين الرماد” نقول ونحن نعرف ان ثمة ما هو جديد متجدد سيغيّر نمطية أيامنا على مدى أربعين يوما. يقرع جرس الكنيسة باكرا، وأحيانا عند المساء، تهرع النساء بالطرحات المخرّمة والرجال بانحناء الرأس ونقف جميعا أمام المذبح كمن يقف أمام قدره الحتمي مباشرة، نحن لا شيء، من تراب جُبلنا والى التراب نعود، أجسادنا لا شيء، نحن روح من قلب يسوع، من شريانه، من نبض الرب فيه ونبض الحب والأعجوبة، نرسم الصليب الرماد كمن يتقلّد ذهبا من شعاع شمس هدية سماء، والمفارقة أننا نعرف انه قدر الرماد لأجساد منهكة بالحياة لكن طريق النهاية ليست هنا، ولا في المقبرة المظلمة، قدرنا فوق حيث أطيب الكؤوس من يد يسوع…

12 ظهرا يطنطن جرس الكنيسة، زمن الصوم يقرع فينا كمن يصرخ ليعلن حبّه على الملأ، بدأ زمن الصوم، أحلا الأزمان على الإطلاق، كل  12 ظهرا يقرع جرس مار يوسف في ضيعتي الصغيرة، تتناهى من مكبر الصوت تلك الترتيلة المارونية العتيقة، أقف تحت القبة مباشرة أراقب الجرس الذي يتمايل يمينا شمالا ويد رجل عتعيت تقرعه بكل حماسة، يتناوب الشباب والرجال على قرع الجرس، تلك عادة قديمة لا يمحوها أي زمن مهما تطور أو تبدّل، تترافق النغمات المارونية وطنين الجرس، دقائق قليلة تبدو وكأنها مشوار حقيقي على درب الجلجلة مع الصليب، الطقس ربيع، دائما زمن الصوم ربيع حتى ولو أمطرت، زمن يفرض إيقاع دفء ما حتى في قلب الصقيع، الضيعة في القطاعة المطلقة، خصوصا يومي الأربعاء والجمعة، مساء كل جمعة رتبة درب الصليب “واحبيبي أي حال أنت فيه” يا الله على الطقس الماروني حين يترجم عذابات يسوع وتتماهى الرعية فيه مع وجع العذراء مريم، وتخشع النساء والرجال لذاك الصليب المغمّس بالمنديل الأسود وسط المذبح الخالي من الزهور، وثمة ما هو جميل هذه السنة، إذ يجتمع الموارنة والروم الأورثوذكس ليعيّدوا معا الفصح المجيد، حسن أننا لن نصلبه مرتين، ولن تتحقق القيامة مرتين في زمننا الأرضي البائس، لا نعرف كيف زبطت هذه السنة وتوحّد العيد، حسبنا انه فعل، وحسب روما أن تجعلها ثابتة في الكنيسة.

بدأ زمن الصوم، أعتبره زمني الشخصي، كل مسيحي يعتبره كذلك ويذهب برحلته الخاصة مع آلام المصلوب، لا أتصور زمنا مماثلا بعيدا عن ضيعتي، فوق الأرض قريبة للدماء التي سيروي بها يسوع تراب الإنسانية، فوق السماء أقرب حيث يرتقي يسوع بنا من تراب الرماد الى رجاء القيامة، هناك في ضيعتي تعبر عادات الصوم وتقاليده من باب الكنيسة العتيق والجرس المعتّق بطنين الأيام والناس لتغمر البيوت المليانة من خير الأرض وعبق الحب، في ضيعتي أراكَ يسوع تتمشى بين البيوت، تتسلل في الليل تراقب نوافذنا، تجلس معنا الى مائدة الصوم، تذهب برفقتنا الى الحقول لنقطف السليقة ونجعلها موائد الصوم المفضلة، فوق ربي أستطيع أن ألمس تاج الشوك الذي غُرز عارا فوق رأسك وحولته الى غار الحب، أتعرف؟ أريد أن أتدمم قليلا، أن أجرح أناملي ولن نحكي عن القلب المجروح فينا، كلنا مجرّحو القلوب يوم ابتعدنا عن جروحاتك، يا الله زمن الصوم في ضيعتي كمن يعانق أرضا وسماء، كمن يدنو من جرح يسوع اليمين يشرب بعضا من خلّه ويرتوي، ما زلت لا أفهم كل هذا الحب لأجلنا، ولكن حسبي أن أعيش الدمع والدم وكأس الخمر وجنون القيامة، حسبي أني في زمن الصوم أنفصل عن أي زمن آخر لأعيش في زمن يسوع وألاحقه في دروب الجلجلة وأحاول أن أردع  ذاك الجندي الروماني الذي يجلده، وينظر هو إليّ من بين الجموع بعيون الحنان ليخبرني أنه صلب ومات وقام بإرادته لأجلنا… وأنا أصر أن ألاحقه لأبقى في زمن الصوم أربعين يوما معلّقة على نغمة واحدة “مات ابن الله معذبا عنا فوق الصليب”….

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل