اذكر يا لبنان شهداء الكنيسة…

يرتسم الصليب بلون الرماد، اذكر يا انسان، يا الهي كم لهذه الذاكرة ان تذكر اشياء وتعيش اشياء واشياء وتتألم بهذا القدر المفجع! اذكر يا انسان ان جسدك من التراب واليه تعود وروحك من روح الله واليه تعود، هذه نحن، حفنة تراب، حفنة قلب، يبقى القلب الى ابد الابدين وتروح التراب سماداً لمواسم الارض.

ثمة تزامن غريب هذه السنة، هو تزامن الالم في لقاء واحد. في المسيحية هو الالم السعيد، هذا مزيج استثنائي نكهته الرئيسة الرجاء بالقيامة. اشعر احياناً أن يسوع يرصد الوقت ليرسل لنا تلك الاشارات المضيئة التي تنتشلنا من سابع يأس وتردنا الى ضوء طريقه. اريد ان اقتنع انها ليست الصدفة وحدها التي جعلت اول يوم في زمن الصوم هو الذكرى الثالثة والعشرين لتفجير كنيسة سيدة النجاة. ادخل الكنيسة، هنا عبق غريب، اراهم يتجولون في المكان، يضيؤن الشموع، يمسحون جبين العذراء، يحملون قربان يسوع الى المذبح، يروون الورود التي تحاصر العذراء، كيف لا فهم من رووها من قبل بدمائهم، هم ما غيرهم شهداء الكنيسة في ذاك الاحد من 27 شباط 1994، عند اقدامها تماماً تحولوا الى شهداء، عشرة شهداء في زمن استشهاد الكرامة، زمن الاحتلال السوري، زمن الوجوه السود والعملاء والنظام الامني وتعرفون تماماً اسماء “ابطال” ذاك الزمن الذين جعلوا من الاحتلال رمزاً لوجودهم، اولئك الصغار المتوّجين بالحقارة…

قد يمضي دهر وننسى الكثير، وتبقى تلك اللحظة مدوية ليس فقط في دمع الاهالي، انما في وجدان وطن حتى اللحظة ما زال يهرب من اللحظة كي لا يواجَه بوجوه الشهداء والجرحى، كي لا يواجه بضمير المقاومة.

كان أحد النازفة ونزف المذبح حتى انقضاء الدم، كنا في بيوتنا، وكانوا في القداس في كنيسة سيدة النجاة الزوق، والاباتي انطوان صفير يعطي البركة لقارىء الرسالة، كنا نمضي احداً صعباً في منازلنا بعدما تناهت الينا اخبار اعتقالات لشباب “القوات” وما كنا لنعرف ما ينتظرنا من اسود اكثر سواداً بعد، التاسعة وعشر دقائق دوت الكنيسة، تطاير الشهداء، صارت الكنيسة مذبح الشهادة، انفجرت عبوة من بين خمسة كانت مزروعة عند اقدام العذراء، وكان بامنياتهم ان يتحول كل الموجودين الى اشلاء، لكن خيبت العناية الالهية آمالهم، انفجرت عبوة واحدة وصارت الدماء خمراً من خمر يسوع على مذبحه.

سمعنا بالخبر عبر الـ lbc يوم كانت مؤسسة المقاومين الحقيقيين، ساد الصمت الرهيب في الشارع، فجأة خلت الطرقات من السيارات والمارة، جلس لبنان مذعوراً يترقب الآتي الاعظم، قالوا إن “القوات اللبنانية” فجرت كنيسة سيدة النجاة، دوى الخبر وبدأت شبكة العنكبوت تحيك الحكاية لتصل الى من شاءت بالاساس أن تصل اليه، سمير جعجع والشباب، سقط الشهداء الابرياء، سقط لبنان، اعتقل جعجع، حُلت “القوات اللبنانية”، دخل المسيحيون في الاضطهاد و… وهدأ النظام الامني السوري اللبناني، ضحك اللواء، قهقه المدعي العام، شمت القاضي، نالوا جميعاً ترقية الاسد، صاروا هم السلطة في لبنان، صاروا هم الذل ورمزه وعنوانه وتاريخه.

ثلاثة وعشرون عمراً عبروا واهل الشهداء يربضون فوق حزنهم الدفين غير المعلن، في انتظار أن تدوي تلك اللحظة، اعلان اسم القاتل ومحاكمته، وهم ونحن والكنيسة والله يعرف اسمه، اسماءهم، نشير اليهم بالاصبع، لكن يبدو ان عدد الشهداء لا يرضي “غرور” الدولة النائمة على ضيمها، ربما كان يجب أن تنفجر العبوات الخمس ليكون عدد الشهداء اكثر من مئة، وحينها نطلق عليها اسم المجزرة ونحيلها الى المحكمة الدولية؟!!

27 شباط 1994 دوى الحب في كنيسة سيدة النجاة، اي حب اكبر من ان تبذل ذاتك فداء عمن تحب، يقول يسوع، لا لم يشأ يسوع ان يموت هؤلاء بهذه الطريقة، شاء المجرمون ذلك ويسوع استقبل احباءه في احضانه ومعاً يرسمون درب الدموع بالرجاء، لكن، لن ننسى، لن يمر وقت على جريمة مماثلة، لن يعيش المجرم الى ابده في الحرية، لن يتباهى علينا بالحياة والوقاحة كما يفعل الان ويفعل رفاقه، ستدخلون السجن، وانتم اساساً في سجن الذل والازدراء، قلتم يوماً ان الاتي على “القوات” هو الاعظم، وتبين ان الاتي عليكم هو الاعظم و”القوات اللبنانية” انتصرت لان الحق دائماً منتصر، اما لشهداء كنيسة سيدة النجاة، فلكم غار العمر والزمن، لكم حب الايام والدمع والزهر، لكم رشة الارض من عطر القداسة، لكم ذاك اللبنان الحلو الرابض في حلم النقاء، والعدالة آتية لا محال… اؤمن…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل