
أكدت مصادر فلسطينية بارزة ان كل القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية في لبنان بدأت تعيد حساباتها، لترتيب مواقفها مجدداً في أعقاب الإشتباكات العنيفة التي وقعت في مخيم “عين الحلوة” (صيدا) على مدى ثلاثة ايام متتالية وحصدت قتيلاً وستة جرحى، والتي طاولت شظاياها مدينة صيدا وكادت تُحدِث شرخاً في احتضان قواها السياسية وأبنائها للقضية الفلسطينية وهو ما تُرجم في إضراب عام وإقفال تام، هو الأول من نوعه منذ عقود طويلة.
في معادلة الحسابات ومراجعة المواقف، هدأ الإشتباك العسكري في “عين الحلوة” وصمتت أصوات القذائف والرصاص بعد (سريان وقف إطلاق النار ابتداء من مساء الثلاثاء)، لكن صداها السياسي بدأ يثير ضجيجاً حول حقيقة ما جرى، وهل ما حصل هو فعلاً مجرد معركة داخلية لتثبيت نفوذ القوى داخل المخيم الذي يُعتبر عاصمة الشتات الفلسطيني ومركز الثقل والقرار، أم انها “حرب مصغرة” بالوكالة، بعض جوانبها يتصل بالرقة السورية والقضاء على الإرهاب، وبعضه الآخر يتعلق بموازين القوى بين “فتح” ومعها فصائل “منظمة التحرير الفلسطينية”، وبين “حماس” ومعها “تحالف القوى الفلسطيني” وبين “التيار الإصلاحي” الذي يقوده في لبنان العميد محمود عيسى “اللينو” المدعوم من العقيد محمد دحلان العدو اللدود للرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن”.
على ان المفارفة الأبرز ان ما يشهده “عين الحلوة” لم يتأخّر البعض في ربْطه بالضغوط الأمنية اللبنانية والفلسطينية على الفصائل الإسلامية، لا سيما “عصبة الأنصار”، لتسليم مطلوبين في عمليات إرهابية أو حضّهم على مغادرة المخيم او لبنان، وبين هؤلاء شادي المولوي الإرهابي المتهَم في قضية التفجير الإنتحاري المزدوج الذي وقع في منطقة جبل محسن (طرابلس) في العاشر من كانون الثاني 2015، وآخرين تم التداول بتقارير عن تحضيرات لهم لتنفيذ عمليات في مناطق لبنانية.
وتؤكد مصادر فلسطينية لصحيفة “الراي” الكويتية، ان جميع هذه الحسابات كانت حاضرة في اشتباكات “عين الحلوة” الأخيرة لجهة الربح والخسارة، فحركة “فتح” حاربت “المجموعات الإسلامية المتشددة” التي تصفها بالإرهاب والتي تتّهمها بتنفيذ الاغتيالات ضد كوادرها ومسؤوليها من دون اقتصاص ومحاسبة، بينما تيار “اللينو” خاضها على قاعدة إثبات الوجود وأنه رأس حربة في مواجهة هؤلاء، بينما الأخيرة ارتباطها بقرار خارجي او بالوكالة في معادلة فلسطينية لبنانية معقّدة ومتداخلة.
وثمة مَن يقول، ان معركة “عين الحلوة” جاءت رداً على زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” للبنان وطلب فريقه الأمني تحجيم تيار “اللينو”، وثمة مَن يقول انها معركة موازين قوى فلسطينية على قاعدة من يسيطر على قرار المخيم بعد تعليق “فتح” عمل “اللجنة الأمنية العليا” وحل “القوة الأمنية” لمنعها من العمل المنفرد في حال فكرت فيه، فجاء الاشتباك ليعيدها الى مربّع العمل المشترك الذي يحتاج الى تضامن فلسطيني وتوحيد الموقف وتنسيقه وبدعم لبناني.
غير ان مصادر مطلعة، تعتبر ان “الخطير” في معركة عين الحلوة الأخيرة، غياب “المرجعية الموحدة” والقرار الحازم للحسم، فما زال المخيم محكوماً بمعادلة الأمن بالتراضي و«المونة»، وقد ترجم ذلك بوضوح في مساعي وقف اطلاق النار وتثبيته، اذ تطلب ذلك توزيع “اللجنة المشتركة” الى ثلاث مجموعات لضمان التزام الاطراف المتقاتلة بوقف إطلاق النار.
هذا ناهيك عن شظاياه السياسية والشعبية الى الجانب اللبناني، من حيث امتداد الاستياء السياسي الى الشعبي الذي ضاق ذرعاً بتصرفات القوى المتصارعة في المخيم وتعكير صفو أمنهم واستقرارهم، وهو ما تُرجم عبر المؤسسات والهيئات المدنية التربوية والاقتصادية وبدعم من النائب بهية الحريري بإضراب عام، اعتبره البعض في غير محلّه، لأنه نقل الخلاف من المخيم و”فلسطينيته” الى صيدا ولبنانيتها، رغم كل التوضيح انه ضدّ “التصرفات الشاذة وغير المقبولة” وليس ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني.
