.jpg)
كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1600
ليست المرة الأولى التي تتصدى فيها “القوات اللبنانية” لمسائل الهدر والفساد في الدولة. وليست المرة الأولى التي يتطرق فيها رئيس “القوات” سمير جعجع إلى موضوع الكهرباء والشراكة بين القطاعين العام والخاص. معركة “القوات” ضد الهدر والفساد قائمة ومستمرة. على الأقل لم يرتبط اسم “القوات” بأي قضية فساد مالي أو سياسي منذ بدأت تتعاطى الشأن العام. لقد دفعت خلال عهد الوصاية ثمن رفضها لسياسة الأمر الواقع التي فتحت مزاريب الهدر والفساد وجعلت منهما قاعدة للحكم والوصول إلى السلطة. وبعد عهد الوصاية لم تترك “القوات” فرصة إلا للتذكير بأن المطلوب بداية جديدة للدولة ولذلك من الواجب أن تكون هذه البداية مع انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ومع تشكيل هذه الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري.
في برنامجه الذي ترشح على أساسه إلى رئاسة الجمهورية قال رئيس “القوات” سمير جعجع: “إن التحدي الأول أمامنا اليوم يكمن في إطلاق دورة النمو وخلق فرص العمل لاستيعاب طاقات الشباب اللبنانيين ووقف نزيف الهجرة… بهدف إطلاق دورة النمو وتعزيز الإنتاج وخلق فرص عمل نوعية وبأعداد كبيرة لا بد أولا من الإستثمار في البنى التحتية من خلال آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. إن أول تطبيقات الشراكة المذكورة هو في قطاع الكهرباء الذي طال انتظار إصلاحه. إن قطاع الكهرباء يثقل كاهل الدولة ويتسبب بنسبة 40 إلى 60 في المئة من عجز الخزينة”.
لم يكن تطرق الدكتور جعجع إلى موضوع الكهرباء والشراكة بين القطاعين العام والخاص جديدًا. ذلك كان هدفه وهدف “القوات اللبنانية” في إطار خطة شاملة للحكم وإصلاح الدولة. في ذلك الخطاب كان سمير جعجع حازما: “إن ضبط الإنفاق الحكومي وتقليص العجز… بات مسألة حياة أو موت. لن أرضى مطلقاً بالواقع القائم. لن أبقي على رزق سائب في الجمهورية، الذين تعلموا الحرام، إما يتعلمون الحلال من جديد، إما يرحلون.”
تجاه هذا الواقع لم يعد من الجائز أن تمر الموازنة العامة من دون خطة للإنقاذ. لم يعد من المقبول أن تتم إدارة الدولة على قاعدة أن لا قدرة على التغيير نحو الأفضل وأنه من الأفضل ترك الأمور كما هي وبات من الواجب أن تكون هناك نقلة نوعية في التصدي للفساد والهدر وأن تكون هناك نقطة بداية.
ليس موضوع الكهرباء وحده موضوعًا على جدول البحث. ربما هو الأخطر اليوم وربما المطلوب أولاً أن يكون منطلقاً لعملية التغيير في التعاطي مع جدول الأزمات. لا يجوز أن يستمر الهدر في هذا القطاع من خلال الخسائر التي تتكبدها الدولة ومن خلال الهدر في أسعار المحروقات التي تتطلبها عملية الإنتاج ومن خلال استمرار تشغيل معامل شاخت وهرمت ولم تنفع عمليات تحديثها ولا من خلال الإتكال على البواخر التركية. هذه الخسائر يتحملها اللبنانيون بعدما تتحول عجزًا في الخزينة العامة ويتحملون معها كلفة المولدات الخاصة. بماذا تختلف مثلاً الإستعانة بالبواخر التركية عن الإستعانة بالقطاع الخاص لإنتاج الكهرباء؟ هل يجوز أن تستمر الدولة في هدر ملياري دولار سنويًا تقريبًا في قطاع الكهرباء بينما مثل هذا المبلغ يكفي لإنشاء معامل قادرة على إنتاج ألفي ميغاواط تكفي لسد العجز. إن إشراك القطاع الخاص في عملية إنتاج الكهرباء يوفر على الخزينة بعد عام أو عامين المليارين ويحول الخسارة إلى ربح.
لذلك كان موقف الدكتور سمير جعجع من هذا الموضوع لأنه لم يعد من المقبول تأجيله ولا يجب أن تمر الموازنة العامة من دون أخذ هذا الأمر في الإعتبار وإطلاق عملية الخروج من نفق الكهرباء على قاعدة إضاءة الشمعة الأولى فيه. وإذا كانت “القوات” تدعو إلى هذه الشراكة فلأن المسألة مبنية على دراسات ووقائع ولأن هناك مجلسًا أعلى للخصخصة في لبنان يدعو إلى اعتمادها كحل جذري في قطاعات كثيرة ينخرها الفساد. المسألة أيضًا ليست تفضيلاً بين قطاع عام وقطاع خاص إنما هي اعتماد الخيار الأفضل حيث تكون الإدارة الرسمية عاجزة ومهترئة وغير قادرة على العمل. بالإضافة إلى ذلك فإن الشراكة تبقي قطاع الكهرباء تحت إدارة الدولة التي تظل هي المشرفة على عمليات التوزيع والنقل وتحديد الأسعار.
ولكن معركة “القوات” ضد الفساد والهدر لا تقتصر على الكهرباء وحدها. تريد “القوات” أن يكون مشروع هذه الموازنة بداية الطريق لمعالجة علمية ومسؤولة للأوضاع التي تعاني منها الخزينة وهي لا تريد أن تكون بداية العهد مع هذه الموازنة وكأنه عاجز عن اتخاذ خطوة في الإتجاه الصحيح ولا تريد أن تكون مشاركتها في هذه الحكومة عابرة وغير ذات قيمة وألا تكون هذه الحكومة في حد ذاتها نسخة طبق الأصل عن الحكومات السابقة التي لم تستطع إلا أن تساهم في زيادة العجز.
حرب “القوات” على الفساد تبدأ من قانون الإنتخابات من أجل أن يكون هناك ترميم للنظام السياسي ككل ومن أجل أن تكون هناك بداية جديدة سياسية بعد هذه الإنتخابات. بعد انتخاب رئيس للجمهورية هو العماد ميشال عون وبعد تفاهم معراب بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” وبعد تشكيل هذه الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري لا بد من أن يكتمل عقد إعادة بناء المؤسسات من خلال تكوين مجلس نيابي جديد يكون نقطة بداية حقيقة للإصلاح.
و”القوات” تريد أيضًا إصلاحًا عامًا في الإدارة وهي لم تطرح مشروع الحكومة الإلكترونية عن عبث ولكن على أساس دراسات تقول إن اعتماده يوفر على الخزينة نحو مليار دولار قيمة هدر الوقت والرشى وعدم استيفاء الرسوم المستحقة كما يجب.
و”القوات” لن تسكت عن التلزيمات بالتراضي ومن دون مراعاة الأصول خصوصًا في النفايات وغيرها. وهذه ليست سياسة جديدة تنتهجها “القوات”. ما يطالب به سمير جعجع اليوم كان أعلنه بشير الجميل عنواناً كبيرًا للحكم من خلال التركيز على دفن دولة المزرعة واستعادة الدولة القوية العادلة القادرة المنتجة.
قبل تشكيل الحكومة وبعدها كان سمير جعجع يعلن خطته للتصدي لدولة المزرعة بعدما حولها إلى استراتيجية للحكم. في لقاءات كثيرة ركز على هذا الموضوع وفي خطابات كثيرة جعله في المرتبة الأولى. أكثر من مرة قال إن وجود “القوات” في الحكومة وفي الحكم سيكون رادعًا لمحاولات الإستمرار في تطبيق موروثات عهد الفساد وعهد الوصاية مستندًا إلى تاريخ “القوات” النظيف. عندما كانت “القوات” تخضع لأقسى التحقيقات والملاحقات حاول عهد الوصاية أن يتهم “القوات” بالفساد ولكنه لم يفلح، وبعد عهد الوصاية كانت تجارب مشاركة “القوات” في السلطة في بعض الحقائب الوزارية مثالاً على الإلتزام بقواعد الشفافية والنظافة. ولذلك اعتبر رئيس “القوات” أن وجود “القوات” في الحكومة يكفي لكي يشكل حاجزًا أمام أي محاولة جديدة لاستمرار الدولة المزرعة. وهو يدرك أن العملية ليست “كبسة زر” ولكن لا بد من أن يطلق عملية التحدي للسير في طريق الخروج من الإنهيار. ولا بد من أن تكون هناك بداية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]