.jpg)
شكلت زيارة كل من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السناتور بوب كوركر، وقائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزف فوتل إلى لبنان مدخلاً لسلسلة من التحليلات والتوقعات حول هدف هاتين الزيارتين ومدى ما يمكن أن تعكسانه من اهتمام أميركي بلبنان في ظل الإدارة الأميركية الجديدة.
يمكن القول إن هاتين الزيارتين تتشابهان في المضمون والشكل، أولاً لجهة إطلاع المسؤولين الأميركيين على الأوضاع في لبنان ولا سيما الأمنية منها، خصوصاً في ضوء الجولة التي قام بها السناتور كوركر على الجبهة المتقدمة للجيش اللبناني في عرسال، وبطبيعة الحال المحادثات العسكرية التي أجراها الجنرال فوتل مع المسؤولين السياسيين والعسكريين اللبنانيين، كما أن زيارة المسؤوليَن الأول السياسي والآخر العسكري جاءت من ضمن جولة لهما في عدد من دول المنطقة وبالتالي لم تقتصر فقط على بيروت.
بناء على ذلك يمكن تلخيص الموقف في واشنطن على خط العلاقة مع لبنان ولا سيما العسكرية منها وفق العناوين والمحاور التالية:
أولاً: تؤكد المصادر المطلعة في واشنطن، أن الزيارتين لا ترتبطان بأي توجهات طارئة ومستجدة للإدارة الأميركية الجديدة بالنسبة للبنان، أو أنها تحمل أي تغيير على هذا الصعيد من قبل واشنطن، حيث لم تضع الإدارة الجديدة قضية لبنان كقضية أولوية بل إن كل ما يهمها في المرحلة الحالية من أوضاع المنطقة، هو محاربة الإرهاب وهزيمة تنظيم “داعش” وهذه المسألة الإستراتيجية العسكرية تتقدّم على ما عداها من قضايا ومسائل ترتبط بملفات أخرى تشغل المنطقة، كما أن هذه الزيارات مقررة سلفاً حتى قبل تسلم الرئيس دونالد ترامب سلطاته الدستورية رسمياً، وبالتالي لا يمكن إعتبارها زيارات رسمية لمسؤولين من قبل الإدارة الحالية، فالسناتور كوركر وهو عضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة، لا يمثل بأي شكل من الأشكال السلطة التنفيذية، بل يمثل نفسه ومرجعيته التشريعية، ويعود له شخصيًا إتخاذ أي خطوة وتحديد برامج زياراته الخارجية، أما الجنرال فوتل فهو يقوم بزيارات التعاون من ضمن مهامه كقائد للقيادة المركزية الأميركية التي تشمل في ما تشمل دول الشرق الأوسط، وبما أن العسكر الأميركي يتابع مباشرة مجريات الحرب ضدّ تنظيم “داعش” والتنظيمات الإرهابية الأخرى، فمن الطبيعي أن يزور فوتل لبنان بعدما عرّج على عدد من دول المنطقة ومنها مصر والأردن، إضافة إلى قيامه بزيارة لافتة هي الأولى من نوعها لمسؤول عسكري بهذه الرتبة إلى شمال سوريا والوقوف على أوضاع قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها واشنطن.
ثانياً: إذا كان كل من السناتور والجنرال يمثلان السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن زيارتهما للبنان تتكامل من دون أن يتلقيا كمرجعية واحدة داخل السلطة الأميركية، فالسناتور رئيس لجنة الشؤون الخارجية وهي المعنية بمتابعة كل ما يتصل بعلاقات الولايات المتحدة مع الدول الخارجية، أما الجنرال فهو المعني برفع التقارير إلى سلطاته العليا العسكرية عن مجريات التعاون العسكري مع البلدان التي زارها ومنها لبنان، وبالتالي تكون نقطة التلاقي الرئيسية بين خطي مجلس الشيوخ ووزارة الدفاع التنسيق المباشر بينهما عند إقرار الموازنة الدفاعية للولايات المتحدة، والبنود الخاصة بالمساعدات الخارجية.
ثالثاً: في ما يتصل بموضوع المساعدات الأميركية تنفي المصادر المتابعة في واشنطن أن يكون قد اتخذ أي قرار سياسي على مستوى الإدارة الأميركية بخصوص برنامج المساعدات للعام الحالي أو العام المقبل، وفي حين أعلن الرئيس الأميركي بنفسه زيادة في الميزانية الخاصة بوزارة الدفاع الأميركية إلا أن ذلك لا يشمل برامج المساعدات العسكرية للبلدان الصديقة والحليفة، لا بل على العكس فإن هناك توجهاً لتخفيض واضح في صرف أي مساعدات أو مبالغ لدول خارجية، وبحسب المعلومات الرسمية فإن لبنان تلقى في خلال العام 2016 ما بين 221 مليون دولار ، و300 مليون دولار وهذه المبالغ صرفت في المعدات وتدريب عناصر وضباط الجيش اللبناني ويشمل هذا المبلغ المساعدات المقدمة لقوى الأمن الداخلي، ولكن بحسب مراقبين في واشنطن فإنه مقارنة مع صغر حجم لبنان، وعدد قواته المسلحة فإن المبلغ الذي تمّ صرفه من قبل الولايات المتحدة هو مبلغ ضخم. وهنا تكشف المعلومات أنه نظراً للأهمية التي يوليها الكونغرس الأميركي والقيادة العسكرية الأميركية لمسألة ضمان الإستقرار والأمن في لبنان عبر دعم قواه الشرعية فإن الجهد سيتركز على بقاء حجم المساعدات عند مستوياتها الحالية، وبالتالي الحؤول دون إتخاذ أي قرار بتخفيضها، مع التأكيد أن أي قرار بهذا الخصوص لم يتخذ بعد لا سيما وأن المناقشات في ميزانية الولايات المتحدة لا تزال قائمة ولم يتم بعد تحديد الأرقام النهائية للمالية العامة.
وفي باب المساعدات أيضاَ تكشف المعلومات أن الولايات المتحدة دعمت مشروع الهبة السعودية للجيش قبل تعليقها وهي بذلت جهوداً في سياق السير بهذه الهبة من منطلق أن قسماً متنوعا من المساعدات العسكرية هو من منشأ أميركي، حيث برز في هذا السياق الكلام الأخير الذي صدر من بيروت عن قائد القيادة المركزية بالنسبة الى التعاون العسكري مع الجيش اللبناني والعديد من برامج المساعدات العسكرية الموضوعة في هذا المجال، حيث كشف أنه ينتظر أن يتسلم الجيش عدداً من طائرات نوع سوبر توكانو في المستقبل القريب، وأن هذه المساعدات ستساهم في تحسين قدراته العسكرية.
رابعاً: يثني المسؤولون الأميركيون هنا في واشنطن، أو عبر السفارة في بيروت على ما يقوم به الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبنانية من جهود لتأمين الأمن والإستقرار والقضاء على الجماعات الإرهابية وكبح جماحها عبر الحدود على الرغم من إشتعال الأرض السورية، وهو الحافز الأساسي الذي ترتكز عليه حجة مواصلة تقديم المساعدات العسكرية للبنان، إلا أنه بحسب مراقبين في واشنطن فإن قلقاً أبلغته الولايات المتحدة إلى من يعنيهم الأمر في لبنان حول دور “حزب الله” المتعاظم على المستويات كافة في البلد وليس فقط على المستوى العسكري، وهذا الحزب مصنّف حتى إشعار آخر من قبل الولايات المتحدة على أنه منظمة إرهابية، من هنا يأتي القلق من هيمنة هذا الحزب على الحياة السياسية والعسكرية، أو من خلال التشكيك بقدرات الجيش اللبناني، مما سهل تحكم “حزب الله” بقرار الحرب والسلم مع إسرائيل وهو قرار يعود أصلاً وفي الأساس للدولة اللبنانية، إضافة إلى تنفيذه أوامر ولي الفقيه في إيران ودخوله الحرب السورية من بابها الواسع غير آبه بسياسة النأي بالنفس التي أقرها لبنان الرسمي وطاولة الحوار التي أنتجت “إعلان بعبدا” والذي أصبح معتمداً كوثيقة رسمية من قبل الأمم المتحدة. وهنا كان لافتاً ما كتبه الدبلوماسي السابق إليوت أبرامز الذي عمل في إدارة الرئيس ريغان وإدارة الرئيس بوش الإبن، في مجلة السياسة الخارجية من “أن لا شيء يحدث في لبنان من دون موافقة “حزب الله”، بغض النظر عن النتيجة التي تأتي بها أي انتخابات”. وتشير المصادر إلى أن تأثير أبرامز ورأيه يؤخذ به من قبل المسؤولين في واشنطن لا سيما وأنه كان مرشحاً لتولي منصب نائب وزير الخارجية في إدارة ترامب.
خامساً: ومن هذا المنطلق تكشف المعلومات أن واشنطن لن تتخلى بالتأكيد عن دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، إنطلاقاً من إدراكها وفهمها لما يمكن وصفه ب” الفسيفساء ” اللبنانية وبالتوازنات القائمة حفاظاً لعوامل الإستقرار فيه وعدم دخوله مجدداً في صراعات داخلية قاسية، ولكنه بحسب هذه المعلومات فإن الولايات المتحدة تنقل دائماً إلى المسؤولين في لبنان عبر القنوات الدبلوماسية وليس بالضرورة من خلال الزيارات الرسمية المعلنة، القلق الواضح من احتمال زيادة تدخل “حزب الله” في شؤون المؤسسة العسكرية، أو حتى لجهة إمكانية توسيع أي شكل من أشكال التعاون بين الجيش اللبناني و”حزب الله” بما يؤدي شيئاً فشيئاً إلى تقويض ثقة المجتمع الدولي بالمؤسسات الرسمية وفي مقدمها المؤسسة العسكرية، وإلى تصوير لبنان كونه البلد المعني بالقرارات الدولية التي صدرت لصالحه ولا سيما القراران 1559 و 1701 وكأنه يخرق هذه القرارات تحت ضغط مصالح هذه الجماعة التي تدين بالولاء لأنظمة خارجية لا تهمها مصلحة لبنان العليا. وعلى هذا الأساس يعتبر المراقبون أن أي دور لـ”حزب الله” في السياق العسكري للبنان سيؤدي إلى نتائج عكسية لواقع علاقة التعاون مع الولايات المتحدة التي ستجد نفسها أمام مطالبة السلطات اللبنانية رسميا بوقف أو التراجع عن أي تعاون عسكري مع حزب الله، وإلا فإن هذه المسألة ستعرض المساعدات العسكرية للخطر ليس من منطلق وقفها بل ربما قد يؤدي إلى تراجعها في المستقبل.
سادساً: تتوقف المصادر هنا في واشنطن عند تصرف المراجع اللبنانية بنقل أجواء الاجتماعات مع المسؤولين الأميركيين في حين أن أي موقف رسمي لم يصدر من الجانب الأميركي عن حصيلة زيارة السناتور بوب كوركر، أو قائد القيادة المركزية الجنرال جوزف فوتل، بإستثناء الموقف العام والقصير الذي سجله الجنرال فوتل بعد لقائه قائد الجيش العماد جان قهوجي حيث وصف نقاشاته بالممتازة، مقدرا العمل الممتاز الذي تقوم به وحدات الجيش اللبناني في مواجهة تنظيم “داعش” الارهابي على الحدود الشرقية.ولفت فوغل، إلى أن هذا العمل نوعي، لا تقتصر أهدافه على حفظ أمن لبنان وحسب، بل يساهم في العمليات التي يقوم بها التحالف. لدينا علاقات طويلة وممتازة مع القوات المسلحة اللبنانية، خصوصًا الوحدات الخاصة، ونحن نتطلع قدماً للحفاظ على هذه العلاقات.أما في ما يتعلق بالشراكة مع الجيش اللبناني، فأعلن فوغل، أن هناك العديد من الامور التي نقوم بها، خصوصاً لجهة تطوير قدرات الوحدات الخاصة، والمساهمة في تحسين مستوى التنسيق بين وحدات المناورة وأنظمة الاستطلاع. كذلك نحن نعمل معها بشكل فعال في ميدان التنسيق بين منظومات الدعم الناري وغرفة العمليات.
وفي هذا السياق أيضاً، هناك إستغراب لنقل أجواء تفيد بأن الأميركيين قلقون من حصول أي تعيينات او تغييرات على مستوى القيادة وقادة الألوية في الجيش اللبناني، وتوضح المصادر المطلعة في واشنطن، أن الإدارة الأميركية أو القيادة العسكرية الأميركية لا يسعها إظهار أي قلق في ما يتعلق بتسيير شؤون المؤسسة العسكرية في لبنان، بقدر ما هي تتابع عن كثب أي حركة تغييرات أو تعيينات جديدة قد تطرأ وبالتالي ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة تفضل التعامل مع هذه القيادة أو تلك، بل هي تحترم بالتأكيد أي قرار تصدره السلطة السياسية في لبنان على صعيد المؤسسة العسكرية، وأن لا شأن لها في تحديد موقفها إزاء أي آلية داخلية، من منطلق قاعدة أساسية وهي عدم التدخل في شؤون الدول، وبالتالي يبقى التعاون قائماً من منطلق مؤسساتي رفيع، وفق مرتكزات ثابتة بدعم الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى الرسمية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]