.jpg)
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1600 ــ الحلقة الثانية والأخيرة
عندما وصل أنطوان عون إلى فرنسا لم يكن يخطط إلا لهدف واحد، أن يستعيد ثقته بالإنسان الذي كان عليه قبل أن يصاب برصاصة ذاك القناص ويتحول إلى معوق على كرسي نقال. هناك أراد أن يدفن نظرات الشفقة والتمايز التي كان يراها في عيون الواقفين وراء ابواب الحياة والمستقبل في لبنان، ونجح بفضل الإيمان الذي ساعده على أن يسامح من حوّله إلى إنسان معوق وبطل المغامرات الرياضية.
.jpg)
أنطوان تحدّى، لكن هذه المرة على دراجة هوائية صنعها بنفسه مع مجموعة من عناصر في فوج الكشافة، وانطلق يعدو في سباقات محلية وعالمية حتى اجتاز حدود الكرة الأرضية سيرا على الدراجة. ومن الأرض إلى السماء وصولا إلى البحر… تحدى متَكلا على إرادته وقدراته وعلى أهله والأشخاص الذين آمنوا بأنه يستطيع. تلك القدرات صارت نقطة ارتكاز في المحاضرات التي يلقيها وعصب اليدين اللتين دونتا كتابه: Ma Vie En 3D:Desir, Discipline, Determination والعقل المدوزن لخارطة عمره الذي يمضيه مع ولديه آن كلير وألكسيان.
أنطوان في الحلقة الثانية والأخيرة يروي عشقه لهذه الحياة التي سلبت منه الكثير لكنه عرف ماذا يختار منها. تحدى ووصل إلى أبعد ما كان يمكن أن يكون عليه قبل الإصابة، وأثبت لنفسه وللآخرين أن لا حدود لإرادة الإنسان. “في ناس بتتغير حياتا بس تصنع شي للآخر. أنا عم بزرع إيجابية وسعادة لنفسي تا إزرعا عند الآخر” قالها أنطوان عون… وصدَق!
بعد أشهر قليلة على وصول أنطوان إلى فرنسا تزوج من الممرضة الفرنسية فرنسواز التي كان تعرف إليها في مستشفى بحنس حيث كان يخضع لعملية جراحية عام 1981. عدم حضور أهله لم يكن دليل اعتراض على زواج كبير البيت من فتاة فرنسية إنما بسبب الأوضاع الأمنية. وحده ابن خالته الذي كان يعيش في فرنسا حضر حفل زفافه الكنسي وشهد على تلك “النعم” المفعمة بالحب والقناعة والتي أراد أنطوان من خلالها أن يبدأ مشوار العمر الجديد ولو على كرسي متحرك. لكن فرص العمل في النورماندي لم تكن على مستوى الفرصة التي منحته إياها الحياة من خلال شريكة العمر فرنسواز. “واجهت صعوبات كتيرة بالبداية خصوصا بس بلشت فوت على سوق العمل بفرنسا لأنو كانت فرص العمل قليلة لا بل نادرة بالريف النورماندي. حتى الحياة الإجتماعية كانت شبه معدومة ودخلت دوامة الوحدة بعد ما كنت محاط بالناس خصوصا بعد ما تفل فرنسواز ع الشغل”.
.jpg)
.jpg)
وتفاديا من الغرق في دوامة الوحدة قرر أنطوان أن يملأ أوقات فراغه بتعلم اللغة الإنكليزية فتسجل في إحدى جامعات النورماندي وبعد عامين انتقل إلى باريس وعمل في اختصاصه في مجال المحاسبة في إحدى الشركات الفرنسية واستقر في إحدى الشقق الصغيرة حيث كان يمضي طيلة إيام الأسبوع فيها ويعود إلى عائلته في الريف النورماندي في نهايته. وعلى رغم الإرهاق الجسدي والنفسي الذي عاشه أنطوان خلال تلك الفترة بسبب طول المسافة التي تفصل بين مكان عمله ومنزله في النورماندي إلا أنه سلمّ بالواقع بعدما اقتنع باستحالة إقناع زوجته بالإنتقال من الريف النورماندي الهادئ إلى ضجيج العاصمة الفرنسية.
نظام حياته الجديد ساعده على الإتكال أكثر على نفسه بعدما كان تعلم قواعد الإستقلالية في لبنان. وحده إنذار الأبوة قلب كل الموازين فقررانطوان أن يعود إلى الريف ليكون قريبا من زوجته الحامل. وعندما ولدت ابنتهما آن كلير عام 1986 تأكد من صوابية خياره خصوصا أن دوام فرنسواز الليلي في المستشفى اضطره إلى تحمل مسؤوليات الإهتمام بطفلتهما كاملة خلال فترة الليل والحنان والعطف الأبوي نهارا. وبقي العائق الوحيد. البحث عن فرصة عمل: “كنت إطلع الصبح وقضي النهار عم فتش ع شغل بس ما كان حدا يقبل يوظفني. بالنهاية أخذت القرار: إفتح شغل ع حسابي”.
.jpg)
لم يكن خيار أنطوان في تأسيس عمله الخاص نابع عن يأس أو إحباط، إنما نقطة تحول في مسيرة التحدي التي اختار أن يمشيها بعد التحول الذي اخترق حياته نتيجة الإصابة والشلل. فأسس شركة للطباعة الحريرية على كافة أنواع الألبسةعام 1988 في مدينة كايان عاصمة النورماندي: “اللي شجعني إنو المشروع ما كان بيحتاج لرأس مال لأنو كنت إتكل على الطلبيات. وبس يصير عندي كمية إبعتا على إحدى المؤسسات المتخصصة بمجال الطباعة.” واستمر الوضع على حاله إلى أن قرر بيعها بعد 18 عاما، كان ذلك في العام 2007 ليطلق العنان لترجمة تجربة التحدي والمثابرة من خلال إلقاء محاضرات في المدارس والجامعات والشركات. لكن أحداثا كثيرة تمخضت خلال هذه الفترة كان أبرزها طلاقه من زوجته فرنسوازعام 1993 ولم تكن ابنتهما آن كلير تجاوزت سن السابعة: “انفصلنا بعدما وصلنا لطريق مسدود بمحاولة إقناعها بمغادرة القرية اللي عايشين فيا واللي بتبعد مسافة 60 كلم عن موقع شركتي بمدينة كايان. فكان القرار النهائي بالإنفصال واستمرت علاقة الصداقة قائمة خصوصا إنو البنت بقيت بهالفترة معا وبعدين صارت تتنقل بحسب الإتفاق بيناتنا إلى أن تزوجت آن كلير (30 عاما) عام 2016”.
مسار التحدي انعكس على حياة الأبوة التي عاشها أنطوان مع ولديه آن كلير وألكسيان: “كنت إطلع إتمشى معن بالشوارع الريفية ، حطّن على حضني وإلعب معن متل أي إنسان طبيعي باستثناء إنو كل شي كان يتم وأنا ع الكرسي المتحرك”.
.jpg)
نسأل: “ألم يتحرك فضول الطفلين يوما لمعرفة أسباب تمايزك عنهما وعن كل آباء رفاقهما وزملاء المدرسة؟” يجيب أنطوان: “مرة واحدة سألتني آن كلير عن أسباب الحادث اللي حولني لمعوق. كان عمرا 5 سنين. خبرتا قصة الحرب باختصار وكيف انصبت. ما استطردت وما تغير شي بحياتا. بس ألكسيان عمل رد فعل سلبي وعاش مشاعر من الغضب والثورة، مع إنو كان بنفس عمر آن كلير بس طرحت عليي السؤال . وكنت إقرا بعيونو السؤال ليش بيي مش حدا تاني؟ بس قطعت المرحلة بسرعة”.
LE Champion
خلال فترة دراسته اللغة الإنكليزية في إحدى جامعات النورماندي بين العامين 1983 و1984 خاض أنطوان عون سباقا بدراجة هوائية مع مجموعة من فرقة الكشافة التي كان يرأسها فكانت المحطة الأولى في سباق الألف ميل نحو المغامرات. عن هذه التجربة يروي: “في العام 1984 قررت مجموعة من فرقة الكشافة التي كنت مسؤولا عنها المشاركة في سباق tour de france الذي تشارك فيه كل فرق الكشافة في فرنسا. فقررت أن أرافق مجموعتي بالسيارة خصوصا أن المسافة تصل الى 700 كلم في الجبال الفرنسية لكنها رفضت وبدأت العمل على مشروع تصنيع دراجة هوائية لشخصين “tandem” ومعها انطلقت عجلة المغامرات. وفي العام 1987 خضت سباقا على مسافة 3000 كلم على هذه الدراجة بعد إجراء بعض التعديلات عليها لجهة الوزن وأطلقت عليه إسم “سباق فرنسا” (tour de france) وكان برفقتي 3 أشخاص وسيارة من نوع فان. وفي العام 1989 اجتزت مسافة 1050 كلم على الكرسي النقال من بحر المانش حتى البحر المتوسط لمدة 16 يوما. وكان يرافقني شخص مع سيارة وكنا ننام في الخيمة”.
.jpg)
بعد كل سباق كان أنطوان يتحضر للتحدي الأكبر. كان يريد ان يثبت لنفسه وللآخرين أن الإعاقة ليست بمثابة فرامل لاستمرارية الحياة. ويمكن لمطلق أي معوق أن يعيش ويتحدى ويغامر ولو على كرسي نقال. أنطوان عون وضع هذه القناعة نصب عينيه وفعل ما لا يمكن لمطلق أي إنسان عادي أن يفعله. كيف؟ نتابع معه روزنامة المغامرات والتحدي.
عام 1990 قطع مسافة 5000 كلم على دراجته الهوائية من نيويورك حتى لوس أنجلوس وفي العام 1992 خاض سباق nord cap واجتاز مسافة 4000 كلم من النورماندي حتى جزيرة Nord cap فوق النروج، لكن السباق توقف في منتصف الطريق بعد تعرض الدراجة للكسر وفشل كل محاولات إصلاحها. فأكمل السباق مع مرافقيه بالسيارة.
في كل مرة كان يخطط أنطوان لخوض سباق ما بالدراجة الهوائية كان يتكل على قدراته وإرادته. تلك الإرادة حملته من الأرض إلى الفضاء. ويروي: “بعد عامين من بدء العمل مع القطاع الرسمي قررت أن أقفز بالمنطاد لكن الأمر كان شبه مستحيل لأنه لا يسمح لأي معوق بخوض مغامرة مماثلة باستثناء المعوقين التابعين للجيش الفرنسي. وبعد محاولات عديدة نجحت في تسجيل إسمي فكنت أول معوق يحلق في السماء ويقفز في المنطاد فوق جبال البيرينيه على علو 4000 متر. وعندما وصلت إلى الأرض سألني أحد الصحافيين عن الشعور أثناء تحليقي في الفضاء فأجبت: “حققت حلم الطفولة”. وكررت المغامرة بعدها لمرتين وبنفس الإرتفاع.
إلى لبنان وطنه الأم عاد أنطوان لكن هذه المرة في إطار مغامرة جديدة حيث كان يشارك في سباق لدعم أيتام الحرب في العام 1997 واجتاز مسافة 4200 كلم من النورماندي إلى نقطة النهاية في منطقة المنصورية بعد شهر.”يومها أهديت السيارة التي كانت ترافقني لأيتام دار البسمة في المنصورية الذي كان يتولى الأب منصور لبكي إداراته والدراجة الهوائية لمؤسسة arc en ciel للمعوقين.
.jpg)
التحول الأكبر كان في العام 2000 حيث خاض سباق Tour D Europe على دراجة هوائية بثلاث عجلات للمرة الأولى “حسيت بحرية أكبر لأنو منحتني شعور بالإستقلالية”. في تلك المغامرة التي نظمها مع مجموعة من المعوقين وصل أنطوان اليابسة بالبحر حيث انطلق من فرنسا إلى إسبانيا ثم بحرا إلى إيطاليا ومن هناك اجتاز جبال الألب وصولا إلى النمسا وألمانيا وهولندا وعاد بحرا إلى إنكلترا حيث اجتاز المسافة إلى جنوب البلاد على الدراجة الهوائية الجديدة واستقل الباخرة من جديد إلى بلجيكا. ومن هناك اجتاز المسافة من لوكسمبورغ إلى البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.
قبل أن يصل سندباد الأرض والبحر والجو إلى نقطة النهاية كان يبدأ التخطيط لمغامرة جديدة. وفي كل مرة كان يقول”سأتحدى وأصل”. ولا مرة خذلته إرادته. ولا مرة استسلم لتعبه. كان يقول أنا أقدر ويدخل غمار السباق. ومن العام 2000 حتى ال2009 اشترك في عدد من سباقات الماراتون وفي العام2009 خاض سباقا في أستراليا على مسافة 5000 كلم لكن الذروة سجلها في سباق العام 2012 عندما اجتاز البحر الأبيض المتوسط بواسطة مركب تجذيف ولمدة 40 ساعة متواصلة: “كنا مقررين نخرق الموج بس ما توفّقنا. ع كل حال الحياة قدامنا”.
وأخيرا وليس آخرا اجتاز على دراجته الهوائية الثلاثية العجلات مسافة 5000 كلم برا من بكين إلى النورماندي. كان ذلك في العام 2015. وهل ارتاح أنطوان واستسلم للإنتصارات التي حققها في مغامرات البر والبحر والجو؟ نسأل ويجيب من منزله الغارق في سكون الريف النورماندي: “إطلاقا. حاليا أحضّر لمغامرتين كبيرتين هذه السنة. الأولى على طرقات الجبال المكسيكية الضيقة (trail) على مسافة 180 كلم بين 20 نيسان المقبل وال30 منه. ولهذه الغاية اشتريت كرسيا نقالا مخصصا لهذه الطرقات. أما المغامرة الثانية فستكون على مسافة 850 كلم بين فرنسا وسويسرا بواسطة الدراجة الهوائية”. ماذا بعد؟ ” بعد عندي أميركا اللاتينية وشرق آسيا. وراح إقطعن على الدراجة الهوائية. وهيك بكون قطعت كل حدود الأرض وصار عندي مخزون كافي من الحكايات لأحفادي”.
في العام 2002 تزوج أنطوان للمرة الثانية من سيدة فرنسية تدعى أنييس ورزق منها بابنه ألكسيان (15 عاما) الذي يتنقل بين منزلي والديه بعد انفصالهما: “هالمرة هيي قررت تفل بس المهم إنو ولادي حدي”.
ثمة من يقول ويؤكد أن الإعاقة كانت الحافز وراء كل التحديات التي خاضها أنطوان عون. هو لا ينفي هذه الأرجحية لكنه لا يعتبرها الركيزة الوحيدة: “بعد كل المغامرات والتحديات أثبتت لنفسي إنو إرادة الإنسان ما إلا حدود. بس الإرادة وحدا ما بتكفي. لو كنت وحدي ما كنت راح أوصل. أنا الرأس المخطط بس في ناس آمنوا ومشيوا معي وكانوا متل خيالي. مع ذلك في أحلام مستحيل نحققا”.
وماذا عن مشيئة الله؟ هل لا يزال يتكل عليها بعدما وضعه أمام اختبار الموت؟ “طبعا الإتكال على الله والثقة ما بتجي إلا من الإيمان”.
وللإيمان قصة في حياة أنطوان. “قبل الإصابة كان إيماني ضعيف لأنو ما كنت فوت على كنيسة إلا لندفن شهداءنا. كنت قول لو الله موجود ما كان راح يسمح بإنو يموتوا ويستشهدوا كل هالشباب. بعد ما انصبت التقيت بمساعدة إجتماعية خلال مرحلة العلاج. يمكن ربنا حطا بطريقي تا يأكدلي إنو خلاصنا ما بيتم إلا بالإيمان وهيك صار. كنت عايش مع الكوابيس الليلية وكانت تقللي إذا ما بتسامح ما راح تتخلص منا. بإحدى المرات بتسألني: “لو كنت مطرح القناص وهوي صادف مرورو مطرحك شو كنت عملت؟ جاوبتا بسرعة: “أكيد كنت راح قوصو”. قالتلي وصللي الجواب. من يوما حسيت إنو بلشت إتحرر من الكوابيس وسامحت حتى اللي قوصني ورفضت إنو يتعاقب بعد ما سلم حالو خلال إحدى المعارك. وبس رجعت فتت ع الكنيسة ضويت شمعة وطلبت من ربنا إنو يسامحو ورجع يشتغل إيماني من جديد”.
تلك الليلة نام أنطوان من دون أن يستيقظ على كابوس. حصل ذلك بعد 10 أشهر على إصابته وامتلأ بالطاقة الإيجابية. “في ناس بتتغير حياتا بس تقدم عمل للآخر. أنا عم بزرع إيجابية وسعادة لنفسي تا قدما للآخرين”.
صحيح ان مسألة تعزيز ذاك الإيمان الذي استعاده أنطوان استغرق بعض الوقت وربما أكثر مما كان يتوقع، لكنه اكتشف لاحقا أنه لولا الإيمان لما تعززت إرادته وثقته بنفسه….
تلك التجربة والحكايات التي سيرويها لأحفاده ذات يوم قرر أن يدونها في كتاب بدأ في رسم أحرفه الأولى منذ عشرين عاما لكن المحاولة الجدية بدأت في العام 2009. وفي العام 2012 وقع كتابه: “ma vie en 3 D:Desir, Discipline, Determination”. وفيه يروي خبايا قدرة الإنسان وقوته من خلال إصابته وتحديه الإعاقة.
وقبل أن نقفل الخط يستطرد: “كل إنسان قادر يعطي أكثر المهم نطلق الحرية لطاقاتنا الإيجابية وما ننطر إنو نتعرض لحادث حتى يكون عنا حافز التحدي. المطلوب نتحدى سواء كنا عم نمشي على إجرينا أو على كرسي نقال”.
أنطوان عون معوَقا تحدى ومشى وطار وأبحر وما زال يخطط ليزرع الإيجابية لدى الآخرين.
للتواصل مع انطوان عون على العنوان التالي: www.antoineaoun.com
(انتهى)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
