Site icon Lebanese Forces Official Website

فداك يا لبنان… قالها الشهداء السريان

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1600

من أين أتوا؟ وكيف؟ ولماذا؟ وكل أسئلة مشابهة، نجد الإجابة عنها عبر غوغل، غوغلوا باللغة الشعبية، وتعرّفوا الى تاريخ الشعب السرياني، إذ لا نكتب هنا درسا في تاريخ الشعوب، نكتب بعضا مما يجب أن يقال عن شهداء المقاومة اللبنانية المتحدّرين من أصول سريانية، غريب الأمر؟ أبدا خصوصا إذا كان عددهم يقارب الـ 1132 شهيدا المدوّنة أسماؤهم في سجلات الكنائس، وأيضا في كتاب الشرف الموقّع بدم الشهيد. نقطة إذن على بداية سطور من حكايات كثيرة لا تختصر بكلمات، إنما يعبّر عنها نصب وإكليل غار، هنا نصب شهداء السريان في سدّ البوشرية فداء عن لبنان…

صليب يرتفع 12 مترا، ينظر المصلوب من عليائه الى الأرض المزروعة بالأخضر، لا يبحث عن أسماء، هو يعرفهم شهيدا شهيدا، ينظر الى الأحياء من رفاقهم وأهاليهم حين يتحلّقون حول المناسبة لاسترجاع ذكرى من غابوا. لا يكترث للخطابات الرنانة ولا لوعود السياسيين وما شابه، ولا هم الشهداء يفعلون، إنما يحب المصلوب أن يسمع الناس حين تروي حكايات أبنائه الشهداء، يحب أن لا ينسوا تلك الحكايات التي كُتبت فصولها من دمائهم، يحب يسوع الشهيد لأنه هو نفسه كان أعظم شهداء المسيحية، أول مقاوم لأجل الرب والكرامة والإنسان فوق الأرض.

المعتّقون بالمقاومة يخبرون أن السريان في لبنان كانوا غالبا “شمعونيي” الهوى، نسبة الى الرئيس كميل شمعون، وساندوه في ثورة العام 1958، بمعنى آخر انتمى لاحقا غالبية الشباب السريان الى حزب الأحرار، وأيضا في حزب الكتائب، وصاروا من ضمن المقاومة المسيحية آنذاك قبل أن ينضموا لاحقا الى “القوات اللبنانية”.

عندما يرتفع شهيد الى عرشه لا نسأل عن أصله وفصله، نذهب الى الكنيسة ونصلي لأجله، وحدها أوراق النعوة تخبرنا أنه سرياني مثلا، عندما جاء السريان لبنان منذ مئات الأعوام هربا من الاضطهاد في سوريا وتركيا وأيضا العراق، لم يأتوا ليكونوا غرباء عن هذه الأرض، بل ليكونوا حبة القمح في السهل الواسع، اعتبروا لبنان قلعة المشرقيين المسيحيين وسقوطها يعني سقوط هذا الشرق، فحملوا السلاح ووقفوا الى متاريس الكرامة ودافعوا عن الأرض التي حملوا اسمها وهويتها وصاروا هواء من هوائها، وترابا من ترابها، ذابوا في الحب من دون أن يخسروا خصوصيتهم وهويتهم الأصلية، فكانوا اللبنانيين السريان.

منذ اندلاع الحرب في العام 1975 حتى العام 1990 وسجّل المقاومة اللبنانية يدوّن: غابي دقّو أول شهيد للسريان في الأسواق التجارية… شمعون شمعون شهيد معركة تل الزعتر، ذاك المقاوم الذي غرز علم لبنان عند تلة المير حين استرجعت المقاومة الأرض من المسلحين الفلسطينيين… طوني حمزو ذاك المقاتل الشجاع في معركة زحلة مع الاحتلال السوري الذي فجّر جسر زحلة بالدبابات السورية… جو صليبا قائد ثكنة المدفعية في صربا الذي استشهد في حرب الجبل… أسماء وأسماء وشهداء ينهمرون مطر الكرامة فوق صفحات وطن، لم يبق إلا لأنهم هم قرروا الشهادة، ولا نقول قرروا الرحيل، لا يرحل شهيد عن أرضه، بل يبقى ليعرف إذا ما أثمرت قطرات الدماء أمطار الخير، وأثمرت شهادة المقاومة اللبنانية وطنا حرا قدر الإمكان، أثمرت على الأقل بقاء الوطن رغم كل الشوائب.

لن نجد ما هو مختلف لنكتب عن الشهداء السريان، هم مناضلون في المقاومة اللبنانية، لكن قد نجد الكثير مما نكتبه عن الجهاز الأمني السوري اللبناني حين منع على السريان تحديدا إحياء ذكرى شهدائهم، من العام 1992 حتى العام 2005، توقف الشباب عن الصلاة علنا للشهداء السريان، ووضعوا جميعا أسوة بشباب “القوات اللبنانية” تحت المراقبة الشديدة والملاحقات والاعتقالات، كنما ممنوعين من الصرف ومن يفعل العكس مصيره الخطف القتل الاعتقال التغييب هناك في جهنم سجون آل الأسد “الكرام”، ولم يتراجع الشباب، فعلوا ما كان يجب ان يفعلوه ليبقى الوجود المسيحي الحر، نزلوا سرا وعلنا الى قداديس شهداء المقاومة، حملوا سرا صور سمير جعجع المعتقل وطالبوا بحريته أمام بابا روما قديس الإنسانية يوحنا بولس الثاني، هربوا في ظلام الليالي لتمتلئ شوارع الصباح بالمناشير والمطالبات بجلاء الاحتلال السوري عن لبنان، ربضوا هناك في بكركي عند ذاك البطريرك التاريخي مار نصرالله بطرس صفير مطالبين بحرية الحكيم وجلاء المحتل. باختصار هي منظومة مقاومة ابتداء من الصراخ في الشارع وصولا الى أرقى النضالات المتراس بوج الاحتلال وتتوّج بالشهادة، هذه مسيرة الشباب السريان المقاومين في “القوات اللبنانية”.

العام 2005 وبعد جلاء الاحتلال السوري عن لبنان وانكفاء عملائه “المخلصين”، أعاد “حزب الاتحاد السرياني” برئاسة ابراهيم مراد، ذكرى إحياء شهدائه عبر القداديس في المناطق كافة، لكن كان لا بد أن يكون لهم نصب يكرّم مسيرتهم النضالية، فارتفع الصليب فوق النصب في ساحة سد البوشرية ونصب آخر في زحلة المقاومة، ومنذ العام 2012 تحولت ساحة السبتية الى واحة اللقاء مع الأهل والرفاق القواتيين وفي كل المناسبات، عيد الميلاد والفصح وعيد الصليب. “كانوا يعتبروا حالن منسيين بس من بعد هالاحتفالات وتقديم الدروع للأهل تكريما لأبنائهم الشهدا رجعتلن الروح النضالية” يقول مراد الذي يصر على مشاركة السياسيين والفاعليات كافة في ذكرى الاحتفال السنوي بالشهداء. “الهدف من الساحة تكون المطرح للقاء أولاد الشهدا وأقاربهم ورفاقنا بـ”القوات اللبنانية” والمجتمع السرياني ككل حتى يضلّوا يحسوا انهم جزء لا يتجزأ من المقاومة اللبنانية خصوصا انهم قدموا عدد كبير من الشهدا تـ يبقى بلدنا هيك حر ومستقل وكبير بشهداؤو، نحنا و”القوات” دم مشترك من دون ما نخسر خصوصيتنا القومية والثقافية وعلى تنسيق متواصل مع الدكتور جعجع”، يقول مراد الذي أمضى نحو أربع سنوات بحثا وتدقيقا عن أسماء الشهداء السريان. “لما حلفت يمين كون أمين ع الحزب حلفت كمان كون أمين ووفي لذكرى الشهدا والمهم يبقى لبنان قلعة المسيحيين بهالشرق وشركا أقوياء مع المسلمين تـ يبقى بلدنا ونحنا لأجل هالقيم ناضلنا بثورة الأرز وهيك رح منكفّي” يقول مراد.

25 تموز من كل عام، صار مكرّسا لهم، للشهداء السريان، عبر مهرجان خطابي وقداس يقام لأجلهم، احتفال كأنه استحضار لأرواحهم، لحكاياتهم الصغيرة والكبيرة، وأكبرها قصة ذاك الاستشهاد، لقاء لأجل شهداء رحلوا ولم يذهبوا، لأجل أهالٍ ما زالوا يسكنون قلوب شهدائهم، لأجل تراث شعب عاش ليناضل لبقاء هويته، لبقاء المسيحيين وبقاء وطنه.

1132 شهيد فداك لبنان، كلمات سطّروها بالدماء، فأي حب أكبر بعد من أن يبذل الإنسان ذاته فداء عمن يحب، فداء عن الأرض التي يحب؟ فعلتها المقاومة اللبنانية، فعلها شهداء السريان في لبنان…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version