#adsense

الفصائل العسكرية المعارضة في سوريا: فوضى وانقسامات وتقاتل داخلي فكيف لها “إسقاط النظام”؟

حجم الخط

 

كتب الدكتور فادي الأحمر في مجلة “المسيرة” – العدد 1600:

إذا كانت المعارضة السياسية السورية تنقسم اليوم الى أربع منصّات او خمس، فإن الفصائل العسكرية المقاتلة تعدّ بالمئات. على مدى سنوات الصراع الست في سوريا حكي الكثير عن توحّد فصائل ضمن تشكيل واحد، او انضمام خرى الى فصيل كبير. ولكن سرعان ما كانت تعود هذه الفصائل الى الاقتتال او الى العمل منفصلة. والسبب هو ان اتحادها لا يعني تشكيل فصيل عسكري واحد له قيادة واحدة وهيئة أركان واحدة تدير غرفة عمليات واحدة ومعسكرات تدريب واحدة وتراتبية عسكرية محترمة وانضباط عسكري… فساحة المعارضة السورية المتبقية بعد الخسارات المتكرّرة، تشبه الى حد بعيد الساحة اللبنانية في بدايات الحرب اللبنانية، حيث كان لكل حيّ او قرية “زعيم” يتقاتل مع من يقترب من “مملكته”.

 

على الرغم من هذا الانقسام بين فصائل المعارضة المسلّحة تبرز بعض الفصائل التي لها حضور على مساحة الجغرافيا السورية. باستثناء “قوات سوريا الديموقراطية”، من الصعوبة بمكان تحديد عدد مقاتلي كل فصيل. والسبب الفوضى في انضمام الكتائب والألوية في كل من هذه الفصائل وفي الانفصال عنها (كما هي حال “الجيش الحر”) والسرّية التي تتميّز بها بعض الفصائل (مثل “جبهة فتح الشام”). أما أنواع الأسلحة فهي تقتصر على الفردية والمتوسطة وبعض المدرعات والمدفعية التي غنمتها من جيش النظام وحلفائه. والتسليح الضعيف هو بسبب وقوف واشنطن بوجه كل محاولات الدول الإقليمية الداعمة إرسال أسلحة نوعية لفصائل المعارضة. ما هي أبرز هذه الفصائل؟

 

الجيش السوري الحر

بحسب مصادر في المعارضة، “ان كل فصيل اليوم لا يجد من يرعاه او يدعمه او لا مرجعية كبرى له يُعتبر جزءًا من الجيش الحر”. لذلك يُحكى عن فصائل من هذا “الجيش” في الشمال تقاتل مع الأتراك مثل “لواء السلطان مراد”، وفصائل أخرى يدعمها الأميركيون مثل “جيش المجاهدين”، وفصائل، أشبه بعشائر مسلّحة، تواجه “داعش” في الجنوب السوري بدعم من المخابرات الأردنية. ولكن في الواقع ان “الجيش السوري الحر” هو أحد اضعف الفصائل العسكرية التي تقاتل على الساحة السورية، بعد ان كان أوّل تلك الفصائل وأقواها في بداية الأزمة.

تأسّس “الجيش السوري الحر” في تموز 2011 من مجموعة صغيرة من الجنود المنشقين. نظّمت نفسها لمواجهة قوات النظام التي كانت تقمع المظاهرات السلمية بوحشية. حصل الجيش الحر منذ تأسيسه على احتضان جزء من مجتمع المعارضة السورية. وراح يجنّد مدنيين. وقد ساعده في ذلك وجود خبرة عسكرية لدى الشباب السوري لكونهم خضعوا للخدمة العسكرية الإلزامية. في البداية تمركزت قيادة الجيش الحر في خليج الاسكندرون. ما يعكس احتضان تركيا ودعمها له.

صحيح ان “الجيش الحر” وجد بيئة حاضنة له في مجتمع المعارضة السورية، إلا ان العديد من أطراف هذه المعارضة رفضه انطلاقاً من رفضه عسكرة الثورة. هؤلاء كانوا مقتنعين بالمعارضة السلمية ويعتبرون ان الذهاب الى المواجهة العسكرية هو انجرار مع النظام الى مواجهة هو اقوى فيها. على رغم ذلك استطاع “الجيش الحر” فرض نفسه كجناح عسكري للمعارضة السورية التي أصبحت ممثّلة منذ أيلول 2011 بـ”المجلس الوطني السوري”. وفي كانون الثاني 2012 أنشأ “مكتب ارتباط” مهمّته التنسيق بين “المجلس” و”الجيش الحر”. إلا ان الانقسامات سرعان ما أصابت هذا الأخير.

تعدّد الدول الداعمة للمعارضة السورية والاختلاف في مصالح وأولويات هذه الدول أدى الى انقسامات داخل “الجيش الحرّ”. أولى الانقسامات كانت بإعلان “حركة الضباط الأحرار”. سرعان ما تمّ تجاوزها بانضمام ضباط “الحركة” و”الجيش” تحت قيادة عسكرية موحّدة. في شباط 2012 أعلن العميد الركن مصطفى الشيخ عن تأسيس “المجلس العسكري الثوري الأعلى”. اجتماع هذا الأخير برياض الأسعد (قائد “الجيش الحر”) انقذ الموقف حيث اتفق الرجلان على ان يتولى المجلس العسكري مهمّة التنسيق بين فصيلهما.

تمركز قيادة “الجيش الحر” خارج سوريا (في تركيا) خلق مشكلة تطوّرت لتصبح انقساماً. فبرزت قيادة في الداخل في مواجهة قيادة الخارج. في أواخر آب 2012 أعلن عن تأسيس “الجيش الوطني السوري” بقيادة اللواء المنشق محمد حسين الحاج علي”. بعد شهر تم الإعلان عن تشكيل “القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية”. لاقى هذا الاعلان ترحيب المجلس الوطني السوري وجماعة الإخوان المسلمين. في هذا الوقت تم تأسيس “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” الذي خلف “المجلس الوطني السوري” كهيئة سياسية تمثّل المعارضة السورية. بعد ذلك انتخبت المعارضة العميد سليم ادريس رئيساً لـ “القيادة العسكرية العليا المشتركة”. لم يدعَ العقيد الأسعد والعميد الشيخ الى اجتماع تأسيس هذه القيادة. الاعتراف الدولي بالائتلاف السوري أعطى شرعية أكبر لقيادة ادريس. وهكذا أصبح هناك قيادة “الجيش الحر” برئاسة رياض الأسعد وهيئة أركانه بقيادة سليم ادريس. ولكن لا تنسيق بين الاثنين!

في البداية حصل “الجيش الحر” على دعم تركيا والسعودية وقطر وفرنسا. ولكن مع بروز فصائل عسكرية اسلامية ضعف الدعم الخليجي له واستمر بدعم من أنقرة. حتى أصبح اليوم يعمل بحسب الأجندة التركية. الخلافات داخل المعارضة المسلّحة والمعارك بينها أبعدت “الجيش الحر” عن الجبهات الأساسية للصراع ضد النظام وحلفائه. فهو اليوم يقاتل الأكراد في شمال سوريا، و”داعش” في مدينة الباب كجزء من عملية “درع الفرات” التركية. كما يقاتل في الجبهة الجنوبية في القنيطرة ودرعا. أما في إدلب فقد تراجع نفوذه لصالح “حركة أحرار الشام” و “جبهة فتح الشام” (النصرة سابقاً) وغيرها من الفصائل الإسلامية.

 

جيش الإسلام

ترأس قائده وفد المعارضة في مفاوضات الآستانة في 20 كانون الثاني الفائت. ولكن أطرافا كثيرة في المعارضة السياسية تعترض على مشاركته في المفاوضات لممارسته العنف ضد المعارضة مثلما يفعل النظام. كما تتهمّه بخطف رزان زيتونة، إحدى “أيقونات” المعارضة السورية، وسميرة خليل زوجة ياسين الحاج صالح (ضمير الثورة السورية)، في الغوطة الشرقية العام 2013.

“جيش الإسلام” “هو عبارة عن اندماج أكثر من 50 لواء وفصيلاً مسلحًا”، بحسب ما جاء على الموقع الإلكتروني الرسمي له. أعلن عن تشكيله في 29 أيلول 2013 وكان قائده زهران علوش. البداية كان بتشكيل “سرية الإسلام” في أيلول 2011 في مدينة دوما. بعد ان ازداد عدد عناصرها تحوّلت الى “لواء الإسلام” في حزيران 2012. منذ البداية برزت القدرة التنظيمية والانضباط في هذا الفصيل. فكان مؤلفاً من ستين كتيبة وعشرين مكتباً إداريا. مع تزايد عدد الكتائب تحوّل “لواء الإسلام” الى “جيش الإسلام”. لا شك ان تطوّر دوره وحسن تنظيمه وانضباط عناصره وعدم وجود انشقاقات كبيرة داخله كلها تعود الى شخصية زهران علوش الكاريزمية. لذلك اغتالته موسكو في غارة جوّية استهدفت أحد مقراته السريّة. منطقة عمليات “جيش الإسلام” الأساسية اليوم هي دوما والغوطة الشرقية في ضاحية الشام. وأبرز الداعمين له هي المملكة العربية السعودية. في العام 2014 شكّل “جيش الإسلام” أحد أبرز الفصائل العسكرية التي تألفت منها “الجبهة الإسلامية” الى جانب “حركة أحرار الشام”. من هي هذه الأخيرة؟

حركة أحرار الشام

تفيد مصادر في المعارضة السورية ان “حركة أحرار الشام” هي “تقاطع إسلاميين من الإخوان المسلمين وسلفيين جهاديين”. سيرة القائد الجديد للحركة “أبو عمار” تختصر هذا الواقع. فهو ابن إحدى العائلات “الإخوانية” التي هاجرت الى العراق بعد حرب النظام ضد الإخوان المسلمين في الثمانينات من القرن الماضي. هناك انخرط في المقاومة ضد الاحتلال الأميركي بعد سقوط نظام صدام حسين. من ثم انتقل الى اليمن حيث انضمّ الى تنظيم “القاعدة” قبل العودة الى سوريا.

تأسّست “الحركة” في تشرين الثاني 2011، أي مع بدء النضال العسكري للمعارضة ضد النظام السوري. ومنذ البدء برز التوجّه الإسلامي لها. فهي تصف نفسها بأنها “حركة إسلامية إصلاحية تجديدية شاملة”. هدفها إسقاط نظام بشار الأسد وإقامة دولة إسلامية. إلى جانب تنظيمها العسكري ظهر للحركة نشاط اجتماعي ودعَوي من خلال مؤسسات إغاثية وطبية ودينية. منذ تأسيسها تركّز العمل العسكري للحركة في محافظتي إدلب وحلب. وكانت أول فصيل عسكري معارض يطرد الجيش النظامي من مدينة سورية هي الرقة، ويسيطر عليها، وذلك قبل دخول “داعش” على خط الصراع السوري واتخاذه من الرقّة مركزاً له.

في أيلول 2014 تلقت “الحركة” صفعة قوية باغتيال قائدها حسّان عبود (الملقب بأبي عبدالله الحموي) وعدد من قيادييها في انفجار استهدفهم خلال اجتماع في ريف إدلب. ولكن سرعان ما تم اختيار قائد جديد هو هاشم الشيخ (أبو جابر). في كانون الأول من العام ذاته أصبح اسمها “حركة أحرار الشام الإسلامية” بعد اندماج “لواء الحق” و”الجبهة الإسلامية الكردية”. بعد ذلك استلم زمام قيادة الحركة مهنّد المصري الذي عمل على التقارب مع الإخوان المسلمين وفصائلها العسكرية وأبرزها “فيلق الشام”. تشكّل هذا الأخير في آذار 2014 باتحاد 19 لواء من الفصائل الإسلامية العاملة في كل من محافظات حلب، وإدلب، وحمص، وحماة، إضافة إلى ريف دمشق. إن الحضور العسكري القوي لـ “حركة أحرار الشام” في الشمال السوري دفع بروسيا الى محاولة تصنيفها ضمن الفصائل الإرهابية الى جانب “داعش” و “جبهة فتح الشام” (“النصرة” سابقاً). من هي هذه الأخيرة؟ ولماذا تصنّف إرهابية؟

 

جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً)

على رغم الحرب الروسية ضدّها لا تزال قويّة وحاضرة بقوّة في محافظة إدلب وتسيطر على جيوب في ريف حلب وريف حماه وريف حمص. كما أنها حاضرة في الجنوب في محافظاتي القنيطرة ودرعا. كما خاضت المعارك ضد النظام و”حزب الله” في القلمون وعلى تخوم الحدود اللبنانية – السورية المحاذية لبلدة عرسال. هناك اختطفت عدداً من الجنود اللبنانيين. صدر أول بيان لـ”النصرة” في كانون الثاني 2012 دعت فيه السوريين الى “الجهاد وحمل السلاح”. وصنّفت إرهابية من قبل واشنطن في نهاية العام. وفي أيار 2013 قرّر مجلس الأمن الدولي إضافة “الجبهة” الى قائمة العقوبات للكيانات والأفراد التابعة لتنظيم “القاعدة” لأن زعيم “الجبهة” أبو محمد الجولاني، بايع أيمن الظواهري زعيم تنظيم “القاعدة”. ولأن “الجبهة” إيديولوجياً تتبنى توجّها سلفياً جهادياً على غرار “القاعدة” و”داعش”. يعكس ذلك بياناتها المقتضبة ورايتها السوداء المشابهة لراية التنظيمين المذكورين. فعلم الثورة السورية (باللون الأخضر والأبيض والأسود) لا يظهر أبداً في المشاهد التي تبثها “الجبهة” على اليوتيوب. ما يطرح السؤال حول حصر “جهاد” “الجبهة” بالجغرافيا السورية!

عمل العديد من اطراف المعارضة السورية السياسية والعسكرية على ثني “الجبهة” وتراجعها عن مبايعة “القاعدة”. ولكن ذلك لم يحصل إلا في تموز 2016 “تلبية لرغبة أهل الشام في دفع ذرائع المجتمع الدولي”، كما جاء في تصريح مصوّر لزعيمها أبو محمد الجولاني. وتبدّل الاسم ليصبح “جبهة فتح الشام”. هذا الموقف اتى متأخراً، لم يؤد المطلوب منه. لم يغيّر المجتمع الدولي موقفه من “الجبهة”. واستثناها وقف إطلاق النار الأخير في سوريا (كما استثنى “داعش”). واستمرت روسيا في اتخاذ الحرب ضدّها ذريعة لقصف كل مناطق المعارضة السورية، في حلب وإدلب وغيرها، حيث تختلط مواقع “الجبهة” مع باقي فصائل المعارضة.

 

قوات سوريا الديموقراطية

ربما هي الفصيل الأكثر تنظيماً وفعالية على الأرض. ليس بسبب دعم الأميركيين له فقط. إنما بسبب حصر تواجده في جغرافيا محدّدة في الشمال والشمال – الشرقي لسوريا وحصر حربه ضد تنظيم “داعش”. فهو لم يخض حروباً ضد فصائل عسكرية أخرى. كما أنه لم يخض مواجهات ضد النظام. ما يطرح الأسئلة حول معارضته لهذا الأخير وسعيه لإسقاطه على غرار باقي فصائل المعارضة.

تأسست “قوات سوريا الديموقراطية” في تشرين الأول 2015 في محافظة الحسكة بطلب من واشنطن. وهي تتلقى الدعم منها تسليحاً (عبر الجو) وتدريباً. وكانت لافتة زيارة الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط لمواقعها منذ أيام، من ضمن جولة قام بها في المنطقة شملت عددًا من الدول ومن بينها لبنان، يتراوح عدد هذه القوات بين 30 ألف و40 ألف مقاتل. غالبيتهم من الأكراد. ولكنها تضم أيضاً عربا وسرياناً وأرمناً وتركماناً. وتتميّز بانضمام نساء الى صفوف المقاتلين فيها. حتى ان المتحدثة باسم حملة “غضب الفرات” ضد “داعش” هي جيهان شيخ أحمد. نظرياً يقود “قوات سوريا الديموقراطية” مجلس قيادة. ولكن الكردي شاهين جيلو هو القائد الفعلي لها. يعاونه قهرمان. والاثنان ينتميان الى “حزب العمال الكردستاني”.

لقد حقّقت “قوات سوريا الديموقراطية” إنجازات عسكرية في محافظة الرقّة. وهي تتحضّر اليوم لدخول المدينة. ولكنها تواجه في الوقت ذاته رفض تركيا لها، إذ تعتبرها الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً من قبل أنقرة. كما تواجه حذر المعارضة السورية، بكافة أطيافها السياسية والعسكرية، بسبب ارتباطها بالأميركيين ولأن مشروعها السياسي قائم على الفدرالية.

هذا العرض للفصائل العسكرية في سوريا ليس نهائياً. فالحرب هناك مستمرّة. والانقسامات داخل هذه الفصائل ستستمر. ما يسهّل على روسيا فرض سيطرتها أكثر فأكثر على الجغرافيا السورية. لتصبح “المايسترو” الأول لـ”أوركسترا” الحرب الدائرة هناك كما تفعل اليوم في الشمال بتنسيقها الحرب بين النظام وتركيا في مدينتي “تادف” و”الباب”. فهل عودة “المايسترو” الأميركي الى الساحة السورية ستغيّر مشهد الحرب وتركيبة الفصائل العسكرية المقاتلة، خصوصًا مع استمرار الحرب ضد تنظيم “داعش” الذي شكل علامة فارقة بين الفصائل المعارضة المسلحة؟ لا تبدو الصورة واضحة حتى الساعة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
"الراي" - الكويتية + "الوطن" - القطرية, المسيرة

خبر عاجل