دراسات كثيرة اهتمّت باضطراب «صرير الأسنان» أو الـ Bruxism الذي يُصنّف، حسب الأكاديميّة الأميركيّة لطبّ النوم (American Academy of Sleep Medicine) AASM، واحداً من الاضطرابات الحركيّة المتعلّقة مباشرةً بالنوم. ومَنْ مِنّا، لم يمرّ بهذا الاضطراب الذي يتميّز بحركات مضغيّة، لا إرادية للفكّ الأسفل، يتخلّلها انقباضٌ متكرّر لعضلات الوجه أثناء النوم. يتميّز عادةً هذا الاضطراب بإصدار صوت يسمّى «الصرير» وهو ناتج عن عمليّة احتكاك الأسنان ببعضها البعض وحفّها على بعضها. إجمالاً، يَحدث صرير الأسنان أثناء النوم، ولكن يمكن أن يحصل أيضاً بشكل إرادي أثناء النهار، خصوصاً عندما يَشعر الإنسان بقلق معيّن أو خوف حقيقي.صرير الأسنان هو عملية إطباق الأسنان على بعضها البعض، حيث يُصدر حفّها صوتَ الصرير. ينتشر صرير الأسنان عند 8 في المئة من عدد سكان العالم، ويمكن أن تصل هذه النسبة الى ما بين 14 و20 المئة، عند الأطفال الّذين تتراوح أعمارهم ما بين 8 و11 سنة، في حين تتدنّى بشكل ملحوظ مع ازدياد العمر، وقد تصل الى نسبة 3 في المئة عند مَن تعدّوا الستّين سنة.
المسبِّبات
تُفسّر الدكتورة هبة يونس حطيط، طبيبة الأسنان، المتخصّصة بطب الأسنان عند الأطفال بأنّ «مسبّبات صرير الأسنان لا تزال غير مثبته من الناحية العلميّة. ولكن أجمعَت الدراسات بأنّ المسبّبات تختلف ما بين الضغوطات النفسية والعوامل الاجتماعيّة والوراثية».
وتؤكد الدكتوره حطيط أنّ «بعض الإحصاءات تشير إلى وجود ارتباط بين صرير الأسنان وتناوُل الكافيين والتبغ والكحول، في حين تكشف دراسات أخرى وجود علاقة ما بين صرير الأسنان وأمراض النوم (الأرق وانقطاع التنفّس الانسدادي خلال النوم…)».
وتضيف: «يمكن لصرير الأسنان أن يتزامن مع العديد من الأمراض الجسدية، ومنها أمراض الجهاز التنفّسي، بينما لم يتمّ التأكّد من وجود علاقة سببيّة بين الصرير وهذه الحالات المرَضية».
كيف يُشخَّص صرير الأسنان؟
توضح الدكتوره هبة يونس حطيط، أنه «استناداً إلى المنظمة العالمية لأمراض النوم، يتمّ تشخيص صرير الأسنان بناءً على شهادة المريض أو أحد أقاربه الذين يَسمعون «صريراً» وانقباضاً ليلياً متكرّراً للأسنان، مع حدوث تآكلٍ للأسنان كإحدى المؤشّرات الظاهرة».
أمّا التشخيص الجذري فيكمن في إحالة المريض لدراسة نوعيةِ نومِه وخصوصاً في حال الاشتباه بوجود اضطرابات أخرى متزامنة كحالات الشخير وانقطاع التنفّس أثناء النوم، وغيرها من الاضطرابات.
الآثار الجانبية
صرير الأسنان ليس مرضاً، أو خطراً بحدّ ذاته، بل يكون مسبّباً لأمراض يمكن أن يعاني منها المريض. فبسببِ التآكل في الأسنان يمكن أن تظهر مشكلات في اللُثة وصداع وصولاً إلى ألمٍ في مفصلِ الفك. ويختلف ظهور هذه العوارض بين مريض وآخر وبين فترة زمنية وأخرى تبعاً لوجود عوامل إضافية مؤثّرة مِثل العوامل الوراثية والنفّسية – الجسدية.
وتلفت د. حطيط إلى أنّ علماء متخصصين أدرجوا صرير الأسنان ضمن الحالات النفسية – الجسدية. فقد لاحظ العلماء أنّ هذه الحالة المرضية تَظهر عند الإنسان الذي يعاني من قلق مزمن واكتئاب، ومن أحداث مؤلمة حادة مِثل (المرض والموت…).
كما من الممكن أن يرتبط صرير الأسنان بشخصية المريض، حيث لوحِظ وجوده عند الأشخاص الذين يميلون إلى الانطوائية وعدم الاستقرار العاطفي أو الأشخاص المندفعين والمتقنين لأعمالهم.
هذا واعتبَر الباحثون أنّ صرير الأسنان يمثّل حالةً فيزيولوجية يلجأ إليها الإنسان بشكل غير إرادي، من أجل التخفيف من المشكلات أو الاضطرابات النفسية التي يتعرّض لها.
العلاج من الناحية النفسية
هناك العديد من الطرق لعلاج صرير الأسنان، وتكون بالتعاون ما بين أخصّائيين في طبّ الأسنان وعلم النفس. فبعد التأكّد من عدم وجود أمراض مصاحبة لصرير الأسنان مِثل أمراض النوم والأمراض العصبيّة، يبدأ العمل عادةً على العلاج النفسي للشخص الذي يعاني من هذا الاضطراب. تقنيات الاسترخاء المتعدّدة ومساعدة المريض على اكتساب عادات النوم السليمة تساعده كثيراً على التخفيف من «طحنِ» أسنانه.
أمّا بالنسبة لصرير الأسنان عند الأطفال، فتختلف طرُق العلاج وفقاً لأسبابه وعوارضه، وفي معظمِ الأحيان يتمّ التأكّد من سلامة النوم وعدمِ وجود مشكلات صحّية أو نفسية متزامنة، إضافةً إلى اتّباع الطفل عادات غذائية سليمة.
في العام 2015 أجرى الباحثان الدكتورة هبة يونس حطيط والدكتور أنطوان الشرتوني دراسةً في قسم الماستر «المتابعة النفس جسدية»، التابع لكلّية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية، شملت 278 طفلاً، راوَحت أعمارُهم بين 5 و9 سنوات، وتوصَّلا إلى النتائج التالية:
أوّلاً، إنّ معدّل صرير الأسنان الليلي عند الأطفال اللبنانيين يصل إلى نسبة 15.5 في المئة، فيما بلغت نسبة الأرق 72 في المئة. وتُعدّ النسبة الأخيرة مرتفعة، وقد تكون مرتبطة بالضغوطات النفسية والأوضاع الأمنية خلال الفترة التي أجريَت فيها الدراسة.
ثانياً، ثمَّة علاقة وثيقة بين صرير الأسنان والأرق، فالأطفال الذين يعانون من صرير الأسنان يرتفع لديهم احتمال المعاناة من أرقٍ ليلي ثلاث مرات، يتميّز بالتأخّرعن النوم لمدة تزيد عن 30 دقيقة، أو الاستيقاظ أثناء الليل وعدم القدرة على معاودة النوم سريعاً.
ثالثاً، ظهور عوارض متزامنة مع صرير الأسنان عند الأطفال، مثل أوجاع الرأس بنسبة 58.8 في المئة، والتعب عند الصباح بنسبة 29.4 في المئة، والتعب خلال النهار بنسبة 23.5 في المئة، والشخير الليلي بنسبة 27.9 في المئة،… الخ.
وتظهر العوارض النفسية والجسدية، كالتهاب اللوزتين، وآلام المعدة، والتبوّل غير الإرادي، وفقدان الشهية…، بشكل ملفِت عند الأطفال الذين يعانون من أرق ليلي سلوكي مرتبط بعدم استقلالية الطفل وبحاجته الدائمة لأهله أو لشيء معيّن كي ينام، أو بعدم قدرة الأهل على وضع ضوابط تحدّ من مقاومة الطفل للنوم.
رابعاً، وجود علاقة وطيدة بين صرير الأسنان والعادات الغذائية غير السليمة، مِثل كثرة تناوُل السكاكر، فالأطفال الذين يتناولون السكاكر، لأكثر من 3 مرّات في اليوم الواحد، يتضاعف عندهم احتمال حدوث صرير الأسنان. و يُشكّل اكتساب العادات الغذائية السليمة وتنظيم عادات النوم محورَين رئيسيَين في معالجة الاضطرابات المتعلقة بالنوم لدى الأطفال.
