شكل دور “اليونيفل” وتحديدا بعد صدور القرار ١٧٠١ على أثر حرب تموز مصدر إطمئنان لـ”حزب الله” الذي حافظ على ترسانته العسكرية خلافا لمضمون هذا القرار من جهة، واستفاد من وجود قوة عازلة بينه وبين إسرائيل تضمن إلى حد كبير الحفاظ على استقرار الجبهة الجنوبية من جهة أخرى.
فالمجتمع الدولي وفّر بهذا المعنى لـ”حزب الله” أقصى طموحه بل كل ما يريده: التغاضي عن تسلحه وضمان دولي باستبعاد اي مغامرة إسرائيلية، الأمر الذي جمّد مفاعيل القرار ١٧٠١ الذي يخدم مشروع الدولة وسمح للحزب بتوظيف هذا القرار لمصلحته وأهدافه.
وقد جاء التسريب المتعمد لمحضر اجتماع سفراء مجموعة الدعم الدولية للبنان على شكل رسالة غير مباشرة للدولة اللبنانية في الداخل ومحور الممانعة في الخارج، وفحواها ان قواعد اللعبة الدولية بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية قد تبدلت، والرسالة غير المباشرة اليوم قد تتحول إلى مباشرة في مرحلة لاحقة.
وذكّر الموقف الدولي بالموقف السعودي عندما قرر تجميد أو إلغاء الهبة السعودية على رغم انه ووجه بتحفظ دولي من منطلق انه يقوي “حزب الله” على حساب الجيش اللبناني ويترك الساحة اللبنانية للنفوذ الإيراني، إلا ان التباين على ما يبدو كان في التوقيت لجهة ان المجتمع الدولي لم يكن حينذاك في وارد مواجهة هذا النفوذ، الأمر الذي تبدل اليوم مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض.
وعلى رغم انه لا يجوز تحميل تعميم أجواء غير رسمية أكثر من قدرتها على الاحتمال، إلا انه لا يجب التقليل من حجم ردود الفعل المعلنة والمضمرة على موقف الرئيس ميشال عون من سلاح “حزب الله”، هذا الموقف الذي يعرف القاصي والداني انه مجرد موقف عابر بعد سلسلة مواقف تؤكد عكسه وفي سياق تطمين الحزب داخليا لتجنيب البلد مغامرة لحسابات إيرانية ترتد سلبا على الجميع، غير ان ما يجب التوقف عنده يكمن في ردة الفعل الدولية الحازمة التي تختلف عن ردود الفعل السابقة وتذكِّر بالمواقف نفسها بعد أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١.
فمن الثابت ان المنطقة دخلت في مرحلة جديدة، وفي مراحل من هذا النوع من الأجدى اعتماد سياسة الترقب بانتظار ان ينضج التوجه الدولي حيال المنطقة ولبنان، وذلك من اجل إبقاء لبنان ساحة استقرار خلافا لبعض ساحات المنطقة المتفجرة.
والسياسة الوحيدة القادرة مبدئيا على تجنيب لبنان ويلات الحروب تكمن في تحييده دولتيا عن محاور الصراعات الخارجية إلا في حال قرر “حزب الله” إقحامه من ضمن توجه إيراني وعندذاك لا حول ولا قوة، ولكن في الوقائع يعمل الرئيس ميشال عون على تحييد لبنان، وقد ظهر ذلك بمعظم مواقفه وزياراته، خصوصا ان عهده سيكون المتضرر الأكبر من اي انتكاسة، سيما ان رهانه هو على الاستقرار من أجل ان يتمكن من تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات وليس إدارة أزمة مفتوحة على شتى الاحتمالات.
ويبقى ان التفسير الوحيد للتلويح بسحب اليونيفل هو التلويح بإعطاء الضوء الأخضر الدولي لإسرائيل بمواجهة “حزب الله” في لحظة تحول في السياسة الأميركية الخارجية حيال طهران، ودخول الأزمة السورية منعطفا جديدا، والكلام عن ضرورة خروج “حزب الله” من سوريا وتحجيم الدور الإيراني في المنطقة.