“تحالف القوات ـ التيار”: يھتز ولا يسقط

التحالف الذي نشأ إبان معركة رئاسة الجمھورية بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” كان من أبرز وأھم مفاجآت ھذه المعركة محدثا تحولا في مسارھا باتجاه ترجيح كفة العماد ميشال عون وضرب فرص وحظوظ النائب سليمان فرنجية… ھذا التحالف على أساس ورقة إعلان النوايا شكل مع رئاسة الجمھورية وبعدھا نقطة تحول أيضا في المسار الداخلي، إذا إنه تسبب في خلط الأوراق السياسية وتعديل قواعد اللعبة. فالمسيحيون نجحوا للمرة الأولى بعد الطائف في إيصال “رئيس قوي” الى قصر بعبدا، وفي أن يكونوا مركز الثقل والتأثير الأساسي في الحكومة التي للثنائي المسيحي فيھا وجود كمي (١٣ مقعدا) ونوعي (وزارات سيادية وأساسية). وباختصار فإنه بعد ظھور الثنائية المسيحية لم تعد الثنائية الشيعية ـ السنية (حزب الله + بري / المستقبل) متحكمة بالقرارات ومجريات الأمور، ولم تعد اللعبة محصورة باللاعبين السني والشيعي وإنما أضيف “اللاعب المسيحي” الذي كان جالسا في المقاعد الخلفية وموزعا بين اللاعبين الأساسيين وتابعا لھما، وبات يجلس على الطاولة المثلثة الأضلاع.

كثيرون فوجئوا بتحقيق مصالحة سياسية شاملة ونھائية بين أكبر حزبين مسيحيين “لدودين” وحصول ما حصل في معركة رئاسة الجمھورية… وكثيرون فوجئوا بعد الرئاسة بأن مفاعيل “اتفاق معراب” لا تقف عند ھذا الحد وإنما تمتد الى ما بعد الرئاسة والحكومة، وستنسحب على استحقاق الانتخابات النيابية في ظل التقاء الطرفين واتفاقھما على:

– عدم العودة بالعلاقة الى الوراء… لأن ذلك يعني حكما عودة الوضع المسيحي الى الوراء، الى مرحلة الإحباط والضعف. وھذا ما يفسر التأييد المسيحي العارم لاتفاق معراب لأنه فتح الوضع المسيحي على أفق جديد وواعد… ولكنه تأييد مشروط بعدم تحول ھذه الثنائية الى قوة احتكار وإلغاء للتعددية السياسية والقوى الأخرى.

– ضرورة وأھمية التوصل الى قانون جديد للانتخاب لتحسين التمثيل المسيحي، بما يؤدي الى تحقيق التوازن الوطني بشقيه السياسي والطائفي… إذ من دون ھذا التصحيح في قانون الانتخاب لا سبيل الى تصحيح التوازن ووقف الخلل المتمادي… والفرصة المتاحة الآن ھي فرصة ذھبية ونادرة في ظل ميزان القوى الراھن، وإذا ضاعت من الصعب أن تتكرر.

– ضرورة وأھمية خوض الانتخابات النيابية من موقع التحالف الثنائي وفي لوائح مشتركة لتحصيل كتلة نيابية مسيحية كبيرة من دونھا لا مجال لتحقيق مشاركة فعلية في الحكم وللتأثير في القرارات الوطنية وفي الاستحقاقات الكبرى.

ھذا التحالف المسيحي المستجد وغير المألوف أثار حفيظة وتوجس كل القوى السياسية الأخرى المتضررة منه بنسب متفاوتة بدءا من حزب الكتائب وتيار المردة والمسيحيين “المستقلين” الذين يخشون ھيمنة في السياسة وفي الدولة و”تسونامي انتخابي” يطيح بھم… مرورا بجنبلاط الذي فقد دور وصفة “بيضة القبان”، وبري الذي لم يعد الحلقة الأقوى في الحكم، وصولا الى اللاعبين الكبار، تيار المستقبل وحزب الله، اللذين يواجھا من الجھة المسيحية حركة مطلبية واستقلالية قرار وحركة، وبالتالي فإن كل القوى السياسية تقريبا لھا مصلحة في عدم استمرار ھذا التحالف المسيحي وفي بقائه تحالفا ظرفيا وعابرا.

وھذا ما يفسر حملة التشكيك الواسعة بثبات وديمومة “اتفاق القوات ـ التيار” والمسارعة الى إبراز واستغلال تباينات وتناقضات ظھرت بين الحزبين في الفترة الأخيرة بشكل واضح وبوتيرة متسارعة، وكان أبرزھا:

– عدم الاتفاق على قانون انتخاب بديل عن قانون الستين المرفوض. فالقوات متمسكة بـ”المختلط” والتيار متأرجح بين المختلط والنسبية.

– الخلاف في الموضوع الإقليمي نتيجة المواقف الصادرة عن الرئيس ميشال عون والداعمة لحزب الله في مسألتي الصراع مع إسرائيل (المقاومة) والتدخل في سوريا (الإرھاب). ورغم تفادي القوات الدخول في سجال مع رئيس الجمھورية، إلا أنه حصل رد غير مباشر عبر مواقف أو عبر إشارات سياسية كان أبرزھا احتفال البيال في ذكرى ١٤ شباط ودخول الحريري وجعجع معا يدا بيد الى القاعة في مشھد أوحى بنشوء “١٤ آذار بنسخة جديدة” وبتحريك وتفعيل تحالف سياسي كان نائما وأيقظته المتغيرات الإقليمية بعد وصول ترامب الى البيت الأبيض.

– الاحتكاك الكھربائي بعد إقدام القوات على تسجيل موقف اعتراضي في مشروع الموازنة يربط بين تصويت وزرائھا على الموازنة وبين إشراك القطاع الخاص في كلفة إنتاج الكھرباء، مع العلم أن وزارة الطاقة في يد التيار الوطني الحر منذ سنوات.

– الخلاف الناشب حول التعيينات الإدارية والتي تشمل مراكز أساسية في الدولة ومجالس إدارتھا ومؤسساتھا. فالقوات اللبنانية التي تعود الى الدولة بعد طول انقطاع تطمح الى عودة واثقة وراسخة وتتصرف على أساس أنھا شريكة في العھد الجديد…

ھذه الخلافات التي يمكن أن تحدث في أي وقت مع أي تحالف كشفت عن خلل في آلية التنسيق بين قيادتي الحزبين ووزرائھما، وأيضا كشفت عن “تربص” سياسي بھذا التحالف وتحيّن الفرص لضربه وإضعافه أو إسقاطه… ولكن التحالف برأي طرفيه، ثابت ومستمر والقيادتان مدركتان لحجم المحاولات الجارية لفكفكته وتعملان على وضع التباينات الحاصلة في إطار تقني بحت… ويمكن لھذا التحالف أن يھتز ولكن من المؤكد أنه لا يسقط وأن لا عودة الى الوراء…

المصدر:
وكالة النشرة

خبر عاجل