
أجلس الى مقعدي العتيق في مدرسة الضيعة، من النافذة يتماوج السهل الاخضر بعز الوانه، من النافذة الثانية هي الضيعة بسطوحها والوان ناسها وعاداتها، كان كل شيء يوحي بالاجمل، في الربيع كان يأخذنا الاستاذ اديب الى البستان ليفسّر لنا درس العلوم الطبيعية وكيف يتلقّح الزهر من النحل، وبطريقنا نلملم القضابين المتناثرة في ارض البستان بعد عملية التشحيل التي قام بها الاستاذ قبل يوم، وفي الشتاء نقف الى حافة الملعب ويشرح لنا عن الرعد والبرق ومن اين يأتي المطر، نحن الذين كنا نعتقد ان المطر ينهمر لان العذراء تشطف ارض السماء!!
كان “الاستاذ” في القرية هو المدرّس ولا آخر يستحق هذه الكلمة حتى ولو كان محاميا مثلا، وقبل مدرسة الضيعة تلك لم يكن فيها محامون ولا أطباء ولا صحافيين وما شابه، في غالبيتها كانت من المزارعين الذين يتعبون لتبقى الارض ارضا خضراء تمطر مواسم الخير، وليتعلّم الاولاد الصبيان في القرية المجاورة التي يذهبون اليها سيرا بينما حسب الصبايا ان يتزوجن وبزيادة يفكّوا الحرف، في مدرسة الضيعة انقلبت المقاييس، حقق الاستاذ اديب ثورته الكبيرة وصارت صبايا الضيعة تلميذات مجتهدات وبنسبة توازي الشباب، “عجلي اجا استاذ اديب فتحي الكتاب قبل ما يشوفك عم تلعبي” وكان الاستاذ اديب الذي عمّر وانشأ اول مدرسة في الضيعة، بعبع التلامذة، يجول عليهم ليلا وبالسر، يراقبهم من نوافذهم ليعرف ما اذا كانوا يلعبون حتى ساعة متأخرة في ازقة الليل ويمارسون تلك الشيطنات الصغيرة والكبيرة المؤذية احيانا، ام انهم يدرسون كما يجب، وعقاب المتخلفين عن الدرس كان مباشرة في الملعب امام التلامذة كافة وسط ذهول هؤلاء “مين خبروه انت يا مخول؟ وحياة بيي مش انا يمكن هادا مسعود…ولم يكن يعرف التلامذة ان الاستاذ “القاسي” كان هو الحنان بعينه، وانه كان يريد ان ينجح تلامذته ليكونوا افضل الرجال وايضا احسن النساء وهذا ما حصل، صارت مدرسة الاستاذ اديب من افضل المدارس في زمنها وخرّجت أفضل الاجيال.
حتى اليوم لم تنس الضيعة مدرسة الضيعة مع انها اقفلت أبوابها منذ اكثر من أربعين عاما، الاستاذ اديب صار أيقونة التعليم، ومن رافقه من اساتذة في التدريس يسكنون ذاكرة الاحترام الفائق من أهل الضيعة كافة، يومها وبالراتب الشحيح الشحيح تمكن الاستاذ اديب من ان يربّي اجيالا مع عائلته الصغيرة، كانت تنهكه مصاريفه غالبا، العائلة والبيت والبساتين، نعم كان الاستاذ فلاحا ابن فلاح اولاد الارض والمواسم، لكنه كان مدرس فلاح مكفي اذن سلطان مخفي، اساتذة اليوم يتقاضون اضعاف اضعاف الاضعاف عما كان يتقاضاه الاستاذ اديب ويعيشون الشح والضيق، وها هم منذ سنوات يقفون الى شوارع المسؤولين يصرخون مطالبين بسلسلة الرتب والرواتب، والدولة تدفشهم الى الف حجة وحجة لتتخلّف عن الدفع، ها هم يقفون يطالبون بحق كمن يطلب الصدقة من الدولة وفي وطن صار الاستاذ كما الدكنجي والتاجر والمهندس، صاحب مهنة وليس صاحب رسالة، وينسى المسؤولون انه رسول الانسانية والحرف والعلم.
يصرخ الاساتذة في شوارع الوطن ويهددون بمقاطعة الدروس، يضربون عن التعليم، وفي غمرة كل ذاك الصراخ ولوهلة ننسى انهم اساتذة، انهم عماد الثقافة في الوطن، واننا نجعلهم بازدرائنا تجارا كما اكثرية السياسيين في لبنان.
وسط كل ذاك الضجيج نسينا مدرسة الضيعة، هناك تلك الجدران المتواضعة الرامشة على سهل البقاع، تعلّمنا الحياة، الحياة كلها وكان “الاستاذ” هو البعبع والاب والمعين ورسول الضيعة الى افق الحياة ولا استاذ او رسولا سواه، اليوم صار كل الناس اساتذة يا استاذ اديب، وما عاد احد يقبل ان يُنده عليه باسمه هيك حاف، حتى اللص والقاتل والسمسار والمتسكّع يريد ان نسبق اسمه بذاك اللقب “الاستاذ”، هزلت يقولون بلغة الشارع، لكن بلغة الامتنان وحرفية الاحترام تبقى يا سيدي انت الاستاذ، انت وجه من حضارة لبنان العريقة، انت الحرف والنور مع فائق الاحترام والان…اعود الصغيرة الى مقعدي قرب النافذة في مدرسة ضيعتي اراقب السهل من هناك من نافذة مدرسة الاستاذ اديب
