كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1601:
هل أنا أفضل حالا لأني امرأة؟ كأني جسم بروحين، روح لامرأة كما خلقني الله وأخرى لرجل كما يجب أن أكون في مجتمع من جهة يكرّمني ومن أخرى يذلني، مجتمع عدو نفسه منقسم على ذاته فبأي خانة أجلس، عند الأزرق أم الزهري؟ وجدت لونا ثالثا يجمع أنقاضي، البنفسجي، فيه من كل شيء خيط، أنا لبنانية، إذن أنا امرأة في أنوثتي ورجل في شجاعتي ولنرى كيف تحتفل النساء النساء في لبنان بشهرهن العالمي، أليس آذار شهر المرأة؟ صحيح، وأنا تذكرت أني امرأة إذ لوهلة كنت بدأت أصدق أني رجل من لبنان!!…


أنا رجل حين اضطر لمصارعة القوانين البائدة بحق النساء، أصارع وأنا لا أملك لا عضلات مفتولة، ولا رجالا بعضلات مفتولة يقتحمون عني هيكل القوانين والأنظمة لقلب الطاولة والمقاييس. ربما لو كنت رجلا بجسدي لفعلت مثلهم، أقول ربما، إذ إن الرزق السايب بعلّم الناس الحرام، ونحن لسنوات طويلة تركنا “رزقنا” سايب ع الله فقضمته قوارض الزمن وصار العدل في القوانين طعما للذكوريين وهم كثر في بلادنا.
نساء كثيرات يستحقن ذاك الانتماء الى مملكة الـ هنّ، هؤلاء جعلن للمرأة طعم النضال، طعم أن تكون المرأة ذاك المزيج الرائع من دلال أنثى وقوة رجل، هذا مزيج نادر. لا أعرف كيف انقلب التاريخ على نفسه في زمن الأرض، أرى مشهدية جميلة منتهية تتراقص أمامي وكأنها هدية لشهر امرأة هذا الزمن. تجلس كليوباترا ملكة مصر الى عرشها تتلهى بالأفعى، مصر العظيمة تحت أقدامها، تسأل زنوبيا عن تدمر، تخلع عنها الأخيرة بدلة القتال لتلبس امرأتها وتتغاوى فوق عرشها، تجيبها اليسار ساحرة قرطاجة، تترك إليونور روزفلت حياكة قوانيها العالمية وتنفض غبار التاريخ وتأخذ معها الملكات الى أروقة الأمم المتحدة لتخبرهن عن إنجازها الشخصي في شرعة حقوق الإنسان وإنشاء منظمة رعاية الأطفال “اليونيسيف”، تنال عبسة حادة من مارغريت تاتشر، يا إلهي حتى ما خلف الزمن ترعب تلك المرأة محاوريها، تلتفت إليهن نساء من لبنان كن حزينات مفجوعات، كيفكن يا ستات، نحنا ما كنا ولا يوم ملكات ورئيسات نحنا أمهات شهدا، تنحني ملكات الزمان لهن “صحيح أنتن أنجبتن المقاومين لأجل أرض لبنان”… أين ملكات هذا الزمن؟ الى أي عرش يتربعن؟ كيف تراكمت الأيام لتصل نساؤنا الى ما وصلن إليه من تدهور في الحقوق وفي الإبداع وأيضا في النضال؟!
مؤسف زمن المشرق ذاك الذي لا يسمح لامرأة أن تكون كاملة، الكمال ليس في جمال الوجه والجسد، الكمال في أن تكون ما تريد أن تكون عليه، أن تذهب في حلمها كما الرجل الى آخر الخيط وتمتلك لحظاتها وزمنها. غلبت القوانين المجحفة امرأة هذا العصر، وغلبها أيضا وفي مطارح كثيرة استسلامها، هنا كانت الضعيفة، كانت المرأة الواهية، حاولت أحيانا اختراق منظومة الذكورية تلك، كان زمن الاحتلال فتراجعت خلف حدود الانتظار الى أن تعود الأرض لأهلها، تحررت الأرض وبقي الإجحاف على احتلاله.
في مجلس النواب وبعد سنين من صراخ سيدات مناضلات في المجتمع المدني، بدأت محاولات تحرير بعض القوانين وخصوصا تلك التي تبيح للزوج اغتصاب زوجته، لا ذل بعد أكبر من هذا، النائب إيلي كيروز وصل الى منتصف الدرب في إلغاء هذا القانون المريع، لكن هل يجب ان نناضل قرنا لنصل الى حذف مادة من قانون؟!
على رغم التراجع يبقى للبنان نساؤه الأثيرات، نساء طبعن الزمن ببصماتهن المناضلة، تحدين ولم يأبهن إلا لتحصيل كرامتهن الإنسانية قبل أي شيء. الأمثلة كثيرة عن نساء مضيئات في عتم لبنان، ثلاثة منهن يستوقفن أي مناضلة أو مناضل وليس بالضرورة أن يكون حزبيا أو ما شابه، قد ينطلق النضال من الحزب أحيانا لكنه مع الوقت يصبح أمثولة للآخرين على تنوّع طوائفهم وانتماءاتهم، أحكي عن دكتورة مي شدياق مثلا، الإعلامية التي صابها الموت المروّع مباشرة، وكاد أن يخطفها لولا الأعجوبة، عادت الى الحياة من الانفجار وبقدم ويد اصطناعية، وصنعت من الشجاعة بدل اليد المبتورة أيدي، وعوضا عن الساق المقطوعة أرجلا تمشي فيها بين أشواك الدنيا، هذه سيدة استثنائية في عنادها، في إصرارها على التحدي، تستقبل الموت كل يوم، وتشرب قهوتها الصباحية معه ولا تمالقه، إذ تعرف أن ظهرها مسنود الى ما هو أقوى بكثير، الى الحياة، وأن الحياة لا تليق إلا بالشجعان، صنعت مؤسستها التعليمية الإعلامية وصارت على تواصل مباشر مع أرفع الشخصيات الدولية، كل العالم يعرف مي شدياق وتعرف مي أنها امرأة بالغة الشجاعة ولا أتصورها إلا جليسة زنوبيا، تلك المقاتلة في ساحات الحرب، ومعها تغزل حكايتها عن حرب ونضال من نوع آخر…
أحكي أيضا عن أنطوانيت شاهين، نادر ان تدخل امرأة في لبنان تجربة مماثلة لشاهين، فتاة في عز الصبا اعتقلت ظلما وألصقت بها تهم الاغتيالات والتفجيرات على زمن الاحتلال السوري وعملائه بالطبع، سجنت، عذبت، صابها من الذل والخوف ما يهد أعتى الرجال، وصمدت، خرجت بعد خمس سنوات الى ضوئها، قلنا الصبية ماتت، تزوجت وجالت العالم وصارت رسولة الإنسانية في أرقى الدول، تحدت ذاكرتها المريرة، لم تهرب يوما بل كتبت تفاصيلها لتكون عبرة للأجيال فصنعت جيلا بحد ذاته، صارت أنطوانيت شاهين الرمز، صارت الزوجة والأم وسفيرة الإنسانية الى أنحاء الدنيا، في كل ليل يعبر تذكر أنطوانيت شاهين لتعبر الى الأمل من جديد، من كان ليتصوّر أين ستصبح المعتقلة والى أي آفاق حرية ونضال ستعبر، هذه سيدة توحي بأن الله لا يترك مظلوما، وها هي تضحك لأيامها من جديد وتعلن كل صباح انتماءها الى النساء المقاتلات، الى الحياة، الى امرأة مناضلة رائعة من لبنان.
أحكي عن سيدة شابة بتجربة جديدة رائدة في “القوات اللبنانية”، الدكتورة شانتال سركيس، الأمينة العامة لحزب “القوات”، من أين أتت هذه السيدة الى منصب دقيق مماثل؟ لم تأت من الغيم ولا من الإعجاز، جاءت من الجدارة المطلقة، من الجدية في العمل، من الالتزام ونظافة الإيمان، أتت أيضا من الشجاعة لخوض منصب لا يحتاج إلا الى الشجاعة، كانت مسؤولة عن جهاز الانتخابات في “القوات”، نجحت حد التفوّق في منصبها، في الحزب من يعمل يصل ولا من يسأل ما إذا كانت امرأة أم رجلا، هنا الكفاءة هي المقياس، وصارت الرفيقة أمينة عامة، الصبية الشجاعة التي تخوض ملفات القواتيين من ألفها حتى يائها، تحكي عن سياسة “القوات”، عن تاريخها وكأن عمرها ألف عام ولم تتجاوز بعد عقدها الثالث، صبية مشعة بالمعرفة تنظم الأمانة العامة كمن يطرّز على مهل حكاية حب قطبة بعد قطبة ولا خطأ، المتواضعة تعرف متى يكون الحزم قرارا نهائيا، والزوجة والأم تعرف ان الأمينة العامة في الحزب هي الحنونة الرقيقة في البيت، أتخايلها تجالس إليونور روزفلت تتناقشان في شرعة حقوق الإنسان وما شابه، ألا تشبهها في مكان ما في رجاحة العقل، هذه وبكل فخر رفيقتي في “القوات اللبنانية”…
امرأة أريد أن أقف عند طرف ثوبها، تلك النازفة التي لحقت بيسوع لتلمس ثوبه وتشفى، لا ليست مريضة، أم الشهيد يا ربي، تلك التي ربّت مقاتلا لتقدمه للبنان شهيدا، تلمس ثوب يسوع لتتجاوز الألم وفعلتها، فعلتها نساء لبنان، أمهات الشهداء، أنت الأعظم بينهن يا أمي، كلكن أمهاتنا، أنت تمسكين بطرف ثوب يسوع لتقاومي الألم، ونحن أطفالا دائما نمسك بطرف ثوبك ونلحق بك في أزقة الضيعة والمدينة وحيث تكونين كي لا نضيع.. أنت النساء في امرأة يا سيدة السيدات…
آذار شهر المراة في لبنان والعالم؟ لا بأس المهم ألا تنتظر نساء العالم هذا الشهر ليحصلن على فتات حقوق، أنت الحقوق وأنت الدنيا كلها، امراة أنتِ كوني وطنا، قالت ستريدا جعجع، فكوني مع الرجل وطن الحقوق سيدتي…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
