ستة أعوام على الحرب السورية… المأساة مستمرة معلّقة على خشبة المصالح وخلافات المعارضة

 

     كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة” – العدد 1601

منذ أيام التقيت صديقاً سوريًا معارضًا. فهو زائر دائم لبيروت. يحبّها. يعرف شوارعها. يحفظ أطباق مطاعمها الشهيّة. ولكنه يشتاق للكبّة الشامية. فهو من “الشوام” الأصليين والأصيلين. ولهجته الشامية محبّبة. أحياناً يتلقى في بيروت بعض أقراص الكبّة الشامية بواسطة أحد سائقي التاكسي. يرسلها إليه أهل أو أصدقاء لا زالوا يقيمون في العاصمة السورية. بالنسبة إليه إنها أفضل هدية. يحفظها بعناية. يحملها معه الى باريس. هناك يتناولها مع عائلته. وأحيانا يدعو بعض الأصدقاء السوريين لإقامة “سكرة” عليها. ويتحسّرون على ما أصاب بلدهم.

   تصافحنا على الرصيف. بسمته تخفي حزناً عميقاً. وبريق عينيه يمتزج بدموع الألم على سوريا الجريحة والمعذّبة التي تحيي الذكرى السادسة لثورتها التي تحوّلت الى حرب داخلية، لا بل الى حروب اقليمية ودولية. دخلنا القهوة. هو طلب “ليموناضه”. وأنا فنجان قهوة. فالكلام عن سوريا يلزمه مهدّئات.

يضحك صديقي بحسرة عندما يسرد تطوّر الأحداث في شمال سوريا. فهناك “المايسترو” الروسي الذي ينظّم الحرب الى درجة الحؤول دون أن يتواجه النظام السوري مع قوات “درع الفرات” التركية. كما يقسّم الجغرافيا بينهما وكأنها قطعة حلوى. تركيا في “الباب” والنظام في “تادف”، او “تيدف”، “هيك نحنا منلفظها”، ويضحك. يولع سيجارته. يأخذ نفساً عميقاً. ويضيف “مسخرة اللي عم بيصير هونيك”.

سألته: “ألا تعتقد ان عدم النضج السياسي لدى السوريين، واستمرارهم في تناحرهم، هو أحد الاسباب الاساسية لاستمرار المأساة السورية؟ فالمعارضة السياسية معارضات متناحرة. والعسكرية منها متقاتلة في ما بينها”. هو سؤال مشروع بعد مرور ستة اعوام على الحرب في سوريا لم تجتمع خلالها المعارضة السياسية في جبهة واحدة، ولم تتوحّد الفصائل العسكرية في جيش واحد. حتى انها لا تتفّق على تاريخ بدء “ثورتها”. فبالنسبة إلى “الشوام” بدأت “الثورة” في 17 شباط 2011 حين انطلقت تظاهرة في منطقة “الحريقة” رداً على ضرب الشرطة لأبناء أحد التجار. وبالنسبة الى الإخوان المسلمين فهي بدأت في 15 آذار مع انطلاق التظاهرات في سوق الحميدية. اما بالنسبة لـ “الحوارنة” (سكان الجنوب) فـ “الثورة” الفعلية انطلقت في “جمعة الكرامة”، 18 آذار، رداً على اعتقال اطفال درعا. لم يستسغ صديقي انتقادي “عدم النضج السياسي لدى السوريين”. لا بل استفزّه. فأجابني: “وهل تعتقد ان ما يدور في فرنسا اليوم يعكس نضجا سياسيا لدى الفرنسيين؟” وتابع يقول ان تضارب المصالح الاقليمية والدولية وعمل أجهزة المخابرات هي المأساة الكبرى لـ “الثورة” السورية. وهو على حق.

منذ بداية الأزمة برز تضارب المصالح بين الدول الداعمة للمعارضة ما حال دون اجتماعها وأدّى الى شرذمتها. فزاد من مآسي المأساة السورية. إقليمياً، تركيا تسعى الى دور في المنطقة. وسوريا بوابته الجغرافية. وقطر تدعم ربما بهدف ان تصبح لاعباً إقليمياً. والمملكة العربية السعودية تطمح للعب دوري قيادي في مواجهة التدخل الإيراني في الدول العربية، ولكنها لا تمتلك الأوراق التي تسمح لها بلعب الدور القيادي الوحيد، لأسباب جيوسياسية ايضاً. فهي في قلب الخليج العربي، ولكنها ليست في قلب العالم العربي المطلّ على البحر المتوسط والممتد حتى المحيط الأطلسي. كما يفصل بينها وبين سوريا الأردن الذي يزين علاقته بالأزمة السورية بـ “ميزان الجوهرجي” بسبب واقعه الجيوسياسي. وكان هناك تأخير في إدارة الملف السوري وفي دعم “الثورة” السلمية والمعارضة المسلّحة إما بسبب الفيتو الاميركي او بسبب تضارب المصالح مع أنقرة. والأهم من ذلك غياب خطة استراتيجية واضحة لإدراة الملف السوري، بالإضافة الى المواجهة المفتوحة التي تخوضها السعودية ضد التدخل الإيراني في اليمن.

تضارب المصالح الدولية وعجز الدول الداعمة للمعارضة هو ايضاً ادّى الى شرذمة المعارضة. فرنسا، الراعي الاول للمعارضة، أدارت الملف السوري بطريقة امنية اكثر منها سياسية. ساعدها في ذلك إقامة العديد من المعارضين في باريس. وقد اظهرت الاحداث جهل تلك الاجهزة لحقيقة الأوضاع السياسية في سوريا. وارتكاز “الإليزيه” و”الكي دورسيه” الى تقارير مغلوطة عما يدور. على رغم ان جاك شيراك دعم بشار الاسد منذ وصوله الى السلطة. وأجلسه نيكولا ساركوزي الى جانبه في احتفالات العيد الوطني في 14 تموز 2008. كما زارت بعثتان دبلوماسيتان فرنسيتان سوريا في عامي 2002 و 2006 وكتبتا تقريرين مفصّلين عن الأوضاع فيها! هذا إضافة الى وجود العديد من المتخصصين الفرنسيين بالشأن السوري! وقد برز عدم معرفة باريس بحقيقة الأوضاع في سوريا من خلال تسويق مسؤوليها قرب سقوط نظام الأسد في نيسان 2011 ومن ثم في تموز 2012!

أما الولايات المتحدة الأميركية فمنذ البداية اعتمدت سياسة “خبيثة” تجاه الأزمة السورية. هدفها تدمير سوريا “المزعجة” لسياستها الشرق أوسطية منذ خمسينات القرن الماضي. لذلك لم تتخّذ موقفاً واضحاً وصارما من النظام حين استعمل وحداته العسكرية لقصف التظاهرات السلمية! فهي دعمت المعارضة السياسية ولم تسعَ الى توحيدها في جبهة واحدة. كما أعلنت دعمها للفصائل العسكرية “المعتدلة” ووضعت “فيتو” ضد تزويدها بأسلحة نوعية. وأوقفتها حين وصلت قواتها الى “جسر الشغور”. كما تخاذلت في معاقبة النظام حين استعمل السلاح الكيماوي. ولم تمنع دخول إيران و”حزب الله” العسكري على خط الصراع للقتال الى جانب النظام. كما لم تتخّذ موقفاً صارماً من التدخّل العسكري الروسي الذي انقذ نظام الأسد المتهاوي.

وهل استمرار “مآسي” المأساة السورية هو مسؤولية المعارضة وداعميها فقط؟ بالطبع كلا. فالنظام هو من بدأها باعتقال الأطفال والنساء واستعمال وحداته العسكرية لقتل المتظاهرين سلمياً بدل التفاوض معهم لإنقاذ سوريا من الدمار. وهو الذي سمح للمتطرفين “الداعشيين” وغيرهم من التسلّل الى سوريا ليبرّر مقولته “محاربة الارهاب”، التي يردّدها منذ مجزرة حماه في العام 1982. وهو المسؤول الأوّل عن تدمير سوريا باستعماله المفرط لآلته العسكرية وبراميله المتفجّرة. وإيران و”حزب الله” هما ايضاً مسؤولان عن “مآسي” سوريا بدعمهما النظام. الأولى للحفاظ على نفوذها في المنطقة. والثاني لتأمين الخلفية الجغرافية لتنظيمه المسلّح واستمرار سيطرته على لبنان.

ما زاد من “مآسي” المأساة السورية هو بدء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضع خطته لاستعادة روسيا حضورها الدولي موضع التنفيذ. فبعد الصفعة الأميركية – الأوروبية في أوكرانيا قرّر الرد أوّلاً بضم جزيرة القرم وثانياً في سوريا. ونجح في الاثنتين. ليصبح اليوم “الحَكَم” الأول في “الملعب” السوري يرسم حدود “اللعبة” للاعبين المحليين والإقليميين على أنقاض مدن سوريا وأشلاء أبنائها.

لن نتكلّم على مسؤولية “داعش” في المآسي السورية. فهي آلة قتل وتدمير بعقيدتها وهيكليتها وأهدافها… وجلّ ما أخشاه هو فقط تدمير هيكليتها واستمرار عقيدتها المدمّرة لتتجسّد في ما بعد في تنظيم آخر يدمّر ويقتل في جغرافيا أخرى من المنطقة.

أعوام ستة مرّت وسوريا معلّقة عل “خشبة” المصالح الإقليمية والدولية. والخلافات الداخلية والأحقاد الدفينة بين أبناء الشعب السوري وقادة معارضاته السياسية والعسكرية تساهم في “غرس المسامير” وفي وضع “إكليل الشوك”. حتى أصبحت كل سوريا تنزف بشعبها ومجتمعها ومؤسساتها واقتصادها… ويبدو ان “مآسي” المأساة السورية ستستمر لسنوات أُخَر… وستتأخر معها زيارتي لصديقي السوري المعارض في منزله في الشام.

المصدر:
المسيرة

اخترنا لكم

خبر عاجل