
استمتع غسان حاصباني بمذاق الكنافة الطيّبة، صبحية ولا أحلا حين يكون الهوى شمالي، حين تكون الحلوى طرابلسية صنعتها قلوب أهل المكان قبل اياديهم. هنا طرابلس، هنا الشمال الذي بقي لزمن، لأزمان، الشمال الحزين، هنا سكن لسنين الاهمال والتهميش، وهنا أيضاً عبرت الحروب والتفجيرات الارهابية والموت والاستشهاد لاجل ان تبقى طرابلس شمالاً لبنانياً سعيداً، ولم يحصل غالباً.
لأول مرّة ومنذ اثنين وعشرين عاماً يخترق وزير قواتي ذاك الشمال، حوّل وزير الصحة الزيارة الرسمية تلك، الى مشوار جميل الى بيت الأهل “يا ضيفنا لو زرتنا لأصبحنا نحن الضيوف وأنت ربُ المنزل”، هكذا استقبلت طرابلس وزير الصحة، زرعت اليافطات المرحبة عند أبوابها وفي شوارعها العريضة، هذه مدينة واسعة أساساً، قلوب الناس فيها أوسع بكثير من الطرقات، ليست مساحات الاسفلت هي دائماً المقياس، مساحات الترحيب هي العنوان، اخترق الوزير الشاب كل الأمكنة، من جبل محسن الى كل القيادات السياسية والرسمية والعسكرية والروحية وصولاً الى الجسم الطبي عموماً والمستشفيات، هنا بيت القصيد؟ قد يكون، لكن قصر القصيد أولاً وآخراً هو الالتفات الى أهل المكان، الناس قبل الشوارع والحجر والحدائق، الناس هم القيمة المضافة، هم القيم اللبنانية الشمالية الاصيلة “لسنا اليوم بصدد إطلاق وعود كبيرة إنما هدفنا الإستماع ومحاولة التحسين، وانا اتواصل يومياً مع اهل طرابلس الذين يدخلون المستشفيات ونحاول تأمين ما يلزم بالإضافة الى تأمين سلامة الغذاء” قال الوزير النشيط الذي لا يحب اطلاق الوعود والخطابات الشعبوية الرنانة، يقول كلمته بقدر ما تستطيع وزارته أن تفعل، ويترك للايام أن تبرهن تباعاً عن نشاطه المتحفّز وطموحاته الكبيرة بالتطور واعلاء شأن وزارته والتقدم بالجسم الطبي عموما في البلاد.
فتحت عاصمة الشمال أبوابها للزائر الكريم، هي من اعتادت أن تشرّع أبوابها لكل ابن بلد وفي لارضه، ولكل ضيف كريم يعشق المدينة وناسها، ولا تغلقه الا عندما يتحوّل الضيوف الى محتلين أو اعداء للوطن والكرامة. هنا وفي الشوارع العريضة وتحت مطر آذار الذي انهمر خيراً على أرض عطشى لبركة السماء، تجوّل الوزير وعقد اللقاءات، واستمع الى الشكاوى، ودوّن وحفظ وتفاعل مع قضايا أهل المكان، وأيضا تناول طعام الغذاء والسفرة طرابلسية بامتياز، ولفحه الهوى الشمالي الذي لم يغيّر اللونا وحسب، انما اخترق قلب الزائر الاستثنائي الى مدينة استثنائية، هي ليست عاصمة الشمال وحسب في مدوّنة الجغرافيا، انما عاصفة لقاء بين مسؤول جدي في وعوده وصريح في ما لا يقدر ان يحققه “الإستشفاء للجميع شعارنا” قال لأهل المكان، وهم احترموا صراحته المطلقة، يعرفون انهم يتعاطون مع وزير مختلف في آدائه، وزير ترك بشهور قليلة جداً بصمات عريضة جداً في تقدم اسلوب العمل في وزارة الصحة وبشهادة الجميع، وهذه مدينة تحتاج الى الوضوح والشفافية في التعاطي مع شجونها الكثيرة.
هذه ليست زيارة عادية من مسؤول رسمي في الدولة الى عاصمة الشمال، هذه جولة مدينة الى قلب مسؤول هو فعلاً مسؤول، وعندما تلمس الامور شؤون القلب قل على النسيان السلام…هكذا وعد غسان حاصباني ناسه في طرابلس.
