“إفتتاحية المسيرة” – بكركي والسلاح غير الشرعي

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1602

لم تكن الإشتباكات التي حصلت في محيط مخيم برج البراجنة الفلسطيني على تخوم الضاحية الجنوبية يوم الجمعة في 10 آذار الحالي الأولى من نوعها ولكنها كانت الأعنف بين مسلحين من داخل المخيم وآخرين قيل إنهم من آل جعفر في حي البعلبكية المتداخل معه. هذا الإشتباك الذي تخلله إطلاق قذائف صاروخية وإحتراق منازل وسيارات وسقط فيه قتيل وعدد من الجرحى كان الأعنف وتم بعده الحديث عن اتفاقات لوقف النار قبل أن يتدخل الجيش اللبناني ولكن من دون أن يتم الحديث عن أي توقيفات للمسلحين الذين شاركوا فيه لا من داخل المخيم ولا من خارجه. وهو بالتالي يطرح سؤالاً مكررًا حول سلاحين غير شرعيين في لبنان: السلاح الفلسطيني وسلاح “حزب الله”.

في 8 أيلول 2013 تحولت زفة عرس إلى زفة موت عند أحد مداخل المخيم. حوالى الساعة السابعة والنصف من مساء ذلك اليوم مر موكب زفاف إحدى  العائلات الفلسطينية على أحد  الحواجز الأمنية التي كان قد وضعها “حزب الله” بعد عملية تفجير انتحارية حصلت في الضاحية على خلفية تدخله العسكري في الحرب في سوريا وبعد معارك القصير. طلب أحد العناصر هوية العروس مما أدى الى توتر أقاربها، وتطور الإشكال إلى إطلاق نار أدى إلى مقتل الشاب الفلسطيني محمد السمراوي، وإصابة خمسة أشخاص أخرين، وعلى أثر ما حصل جابت مسيرات غاضبة المخيم وبدأ الحديث عن حصار مفروض عليه وتم حل المسألة بعد اجتماع في حارة حريك بين الطرفين.

لا تتوقف القضية عند حدود مخيم برج البراجنة. عندما حصلت الإشتباكات داخل مخيم عين الحلوة على مدى يومين بين 26 و28 شباط الماضي كانت هناك إشارات سريعة إلى احتمال قطع طريق الجنوب في صيدا بالنار من داخل المخيم. مع أن هذه الإشتباكات كانت بين فصائل فلسطينية من حركة “فتح” ومن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تؤيد “داعش” أو “جبهة النصرة” وترسل المقاتلين أيضًا إلى سوريا فإن الوضع المتفجر في المخيم يطرح باستمرار مسألة السلاح الفلسطيني هناك واحتمال عودته للعب بالنار داخل الساحة اللبنانية على قاعدة الصراع المذهبي الدائر في المنطقة.

أكثر من مرة طرحت مسألة السلاح الفلسطيني من زاوية الربط مع سلاح “حزب الله”. في أكثر من عملية انتحارية استهدفت الضاحية الجنوبية والسفارة الإيرانية أو من خلال عمليات أمنية استباقية كشفت مخططات لعمليات تفجير تم الربط مباشرة بين هذه العمليات وبين السلاح الفلسطيني في المخيمات بسبب انتماء عدد من المتهمين إلى المخيمات أو لجوئهم إليها واعتمادها ممرًا إلى التدخل في الحرب في سوريا من مخيم البداوي في الشمال إلى مخيم الرشيدية في الجنوب مرورًا بعين الحلوة وبرج البراجنة.

قبل اندلاع الحرب في سوريا كانت علاقة “حزب الله” متوترة مع حركة “فتح” وكان الحزب حريصًا على علاقته مع حركة “حماس” وحركة الجهاد الإسلامي وكان ضد حسم مسألة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها على رغم الإتفاق على هذا الموضوع على طاولة الحوار قبل العام 2006. ولكن بعد الحرب السورية توترت علاقة الحزب مع حركة “حماس” وتحسنت مع حركة “فتح” والسلطة الوطنية الفلسطينية خصوصًا بعد انقلاب الحركة ضد النظام في سوريا واكتشاف الحزب أن عناصر منها شاركت في معارك القصير وغيرها ضده بعدما كانت تتلقى الدعم العسكري منه ومن إيران.

دائما يتصرف “حزب الله” من خلفية الخوف من استخدام السلاح الفلسطيني ضده في لبنان خصوصًا على خلفية الحرب في سوريا وبناء على ذاكرة حرب المخيمات في العام 1986 التي لم يدخل الحزب طرفاً فيها وقتها، بل حاول أن يكون قوة فصل بين حركة “أمل” وبين الفلسطينيين الذين تمددوا من مخيم عين الحلوة باتجاه مغدوشة وإقليم التفاح. ولكن طالما أن السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة “فتح” خصوصًا تعلنان في شكل دائم أن لا عودة للسلاح الفلسطيني إلى الساحة اللبنانية وأن بندقية منظمة التحرير التي أخرجت من لبنان في صيف العام 1982 انتهى دورها في لبنان فلماذا يستمر ملف السلاح الفلسطيني من دون حل ولماذا لم تعد مسألة هذا السلاح خارج المخيمات حتى مطروحة؟ لماذا لم يعد أحد يسأل مثلا عن جدوى قواعد الجبهة الشعبية القيادة العامة في الناعمة أو في قوسايا؟ ولماذا قامت القيامة على البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عندما تحدث إلى محطة “سكاي نيوز عربية” يوم الجمعة 10 آذار الحالي بينما كانت تدور الإشتباكات في برج البراجنة عن السلاحين: سلاح “حزب الله” وسلاح الفلسطينيين؟

البطريرك أبدى استياءه من ازدياد أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وقال إن “الفلسطينيين هم الذين صنعوا الحرب في لبنان عام 1975 وواجهوا الجيش اللبناني”. متخوفاً من استمرار تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان ومطالبًا بعودة كل اللاجئين إلى ديارهم.

الراعي أعلن أيضًا أن “حزب الله” دخل طرفاً في الحرب السورية من دون أن يكترث بحكومة لبنان التي من المفترض أن يكون خاضعًا لسيطرتها. وقال: “حزب الله عندما دخل الحرب في سوريا لم يدخل بقرار من الدولة اللبنانية، بل الدولة في إعلان بعبدا أعلنت النأي بالنفس، وهذا قرار اتخذه الحزب وما زال اللبنانيون حتى اليوم منقسمين حيال هذا الأمر بين من يدعمه ويقول إنه لو لم يتدخل لكان “داعش” وصل إلى جونية، وبين من يعتبر أن تدخله هو الذي استجلب “داعش” إلى لبنان.”

البطريرك تطرق إلى الوضع اللبناني الداخلي، ملمحًا إلى هيمنة سلاح ميليشيا “حزب الله” على المشهد اللبناني. وأضاف: “هو حزب سياسي مع أسلحة، موجود في البرلمان والحكومة والإدارة. أنا مواطن وشريكي مواطن، وأنا أعزل وهو مسلح، وهذا شيء غير طبيعي. لكن الدولة اللبنانية لم تحسم أمرها في هذا الموضوع. ولو كان “حزب الله” ميليشيا خارج البرلمان، لكان الأمر شيئاً آخر، لكنه في الحكم”

بدل التوقف عند خطورة المسألة التي يطرحها البطريرك الراعي حول السلاح الفلسطيني وسلاح “حزب الله” وربطهما بالحرب اللبنانية وانقسام اللبنانيين حولهما تولى بعض الناس من الجهتين التهجم على البطريرك واستعاد بعض هذا البعض لغة خشبية حول الإنعزالية وحاول بخفة عقل أن يربط بين هذا الموقف وبين ما يحضر له الرئيس دونالد ترامب في المنطقة.

البطريرك الراعي كان يقرأ في كتاب الحرب الأهلية على خلفية الخوف من تجددها. فكما كانت البندقية الفلسطينية إحدى أدوات حرب 1975 ثمة خوف من أن تكون هذه البندقية مع بندقية “حزب الله” سببًا في حرب جديدة يدفع اللبنانيون جميعًا ثمنها. والبطريرك يريد أن لا تبقى إلا بندقية الجيش اللبناني وحدها تحمي اللبنانيين وأن لا يبقى أي سلاح غير شرعي على الأرض اللبنانية. فكما سلمت منظمة التحرير الفلسطينية بانتهاء دور بندقيتها في لبنان مع خروج ياسر عرفات من بيروت بحرًا في آب 1982، وكما سلمت “القوات اللبنانية” سلاحها في العام 1991 إيذانا بانتهاء الحرب اللبنانية وببدء مرحلة السلام مع اتفاق الطائف لا بد من التسليم بانتهاء دور بندقية “حزب الله” والتأسيس لمرحلة جديدة من السلام الداخلي في لبنان تقوم على التطبيق الكامل للقرارين الدوليين 1559 و1701 اللذين يؤكدان على سحب السلاح غير الشرعي وعلى بسط سيادة الدولة اللبنانية كاملة على كل أراضيها. وبالتالي لا يجب البحث عن أسباب للحرب في تصريحات البطريرك الراعي وغيره من المطالبين بتحقيق هذه السيادة بل في الفتيل الحقيقي المتفجر المتنقل من مخيم عين الحلوة إلى مخيم برج البراجنة وحي البعلبكية. وحتى يحصل ذلك لا بد من تكرار السؤال عن المسلحين الذين شاركوا في الحروب الصغيرة قبل أن تندلع الحروب الكبيرة.

  1. للإشتراك في “المسيرة” Online:

    http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل