#adsense

السلطة تتهاوى من يد الأسد في سوريا… ترهيب وتشبيح وأمراء الحرب يحكمون (1)

حجم الخط

تتهاوى سيطرة بشار الأسد على المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الحكومة في ظل تعاظم نفوذ الميليشيات المسلحة، ودكتاتور البلاد عاجز عن القيام بأي عمل لوقفها.

في صباح يوم بارد، وقف رجل مسن أمام آلته لصنع القهوة في أحد شوارع مدينة حلب الشرقية عند حوالي الساعة الثامنة حيث بدأ هذا الجزء من المدينة – الذي دمرته الحرب وأعاد النظام إخضاعه لسلطته في كانون الأول الماضي – في الاستيقاظ. وصل البقالون ووضعوا صناديق منتجاتهم على أنقاض متاجرهم، بينما قام آخرون بجرف الحطام من الطرق.

شدد الرجل صاحب آلة القهوة على عدم ذكر اسمه وإلا يصبح في عداد الأموات. أشعل النار تحت  إبريق معدني محاولاً تدفئة يديه، فهو عاد إلى مرآبه الصغير بعد فترة قصيرة من استعادة السيطرة على الحي من قبل النظام، حيث كان يدير مرآباً لإصلاح الدراجات النارية، لكنه وجد أن هناك من سبقه إليه وفتح المتجر بعد أن أطلق النار على القفل.

في الداخل، وجد مقاتلين نظاميين من مليشيات تابعة للنظام ينقلون دراجة نارية، ومعداته الألمانية وجميع قطع الغيار من المرآب. عند رؤيته، هدده عنصران بصمت بإشهار بندقيتي كلاشينكوف نحوه، الأمر الذي لم يترك له أي خيار سوى ترك الرجال ينقلون معداته إلى شاحنة صغيرة متوقفة أمام المرآب.

بينما يروي قصته، اقترب مدنيون آخرون للتدفئة  وبدأوا بالإيماء برؤوسهم. قال أحدهم، وهو صاحب متجر للعامة، أنه لم يكد جنود الجيش النظامي يتركون المكان، حتى بدأت عناصر بإفراغ متجره. بينما يتحدث آخر، كيف أن عناصر الميليشيا قتلت شقيقه الذي كان جريحاً في السرير عندما دخل خمسة مقاتلين إلى شقته. “أخرجوه”، صرخ المقاتلون قبل أن يدّعوا أن الشقة ملكهم. وعندما احتجّ الرجل قائلاً إن شقيقه جريح ولا يستطيع السير، أخرج أحد المقاتلين مسدسه وأطلق النار على رأس شقيقه، ثم نهبوا الشقة.

فجأة خيّم الصمت على الحضور عند ظهور أحد عناصر الميليشيات يعبر الشارع سيراً على الأقدام، يزين بزّته النظامية صقر ذهبي، وهو شعار “صقور الصحراء”، إحدى أقوى الميليشيات على الأراضي الخاضعة لسيطرة بشار الأسد.

الممسكون فعلاً بالسلطة

على مدى أشهر، حقق الجيش السوري تقدماً في أنحاء من سوريا. لكن نجاحه العسكري لم يكن ممكناً من دون المساعدة الكبيرة التي تلقتها قوات الطاغي من إيران وروسيا، ومن الميليشيات السورية المحلية. الآن، يسيطر هؤلاء المقاتلون على مناطق عديدة، ويرتكبون جرائم القتل والنهب ومضايقة المدنيين، ولا يستطيع أحد وضع حد لتعدياتهم، ولا حتى الأسد نفسه. ففي الواقع هذه الميليشيات هي حالياً أقوى من دكتاتور البلاد حتى، بما أنها أصبحت السلطة الحقيقية في سوريا.

حتى قبل اندلاع ثورة العام 2011 بوقت طويل، كان الأسد يعتمد بشكل أساسي على ولاء رفاقه العلويين أصحاب المراتب العالية في القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات. لكن هذه المجموعة الدينية لا تشكل سوى 15 في المئة من السكان السوريين. في العام 2012، أصبح موقف الأسد أكثر ضعفاً مع الانهيار السريع للجيش: فقد انشق عشرات آلاف الجنود، ولم تلتحق أغلبية المجندين بثكناتها، ومن التحق انتهى به الأمر بالموت قتلاً. في أيلول من العام 2015، عندما انضم الروس إلى الحرب، كان عديد الجيش السوري الذي يصلح للخدمة الفعلية لا يتجاوز الستة آلاف جندي، بحسب ما يفيد تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط في واشنطن، الذي بنى تقديره على شهادة سرية من المسؤولين الروس.

للمحافظة على قواته النظامية، اضطر النظام لعقد صفقة شيطانية، يسمح بموجبها للمسلحين الموالين بتشكيل ميليشيات خاصة بهم. في كثير من الحالات، أصبح رؤساء عصابات التهريب أو العصابات الإجرامية زعماء محليين، واستطاعوا توسيع إمبراطوراتهم التجارية من دون عائق مقابل ولائهم للأسد. أكبر الميليشيات، “صقور الصحراء”، ومقرها في مدينة اللاذقية الساحلية الشمالية، و”قوات النمور” من حماة، عديد كل منها بين 3 آلاف و6 آلف مقاتل مسلح. إضافة إلى ذلك، هناك مئات الميليشيات الصغيرة الموالية للنظام.

نقص كبير في الخبز، والوقود، والدواء تعاني منه المناطق في جميع أنحاء البلاد. ويستفيد أولئك الذين يتحكمون في توزيع هذه السلع بشكل يسمح لهم بشراء مزيد من الأسلحة، وتوظيف المزيد من المقاتلين. نتيجة لذلك، حلّ أمراء الحرب مكان جهاز أمن الدولة في المدن وفي مناطق بأكملها.

بينما اضطر الجيش السوري يائساً إلى البحث داخل السجون عن مجندين، كان المقاتلون ينضمون إلى الميليشيات بإرادتهم الحرة. فالبعض منها، كان يدفع ما  يصل إلى ثلاثة أضعاف الراتب الذي يتلقاه الجنود النظاميون. من جهة أخرى، كان أفراد هذه الميليشيات يتمتعون بحرية واسعة، وبوسعهم  الاستئثار بنقاط التفتيش، فيبيعون المخدرات، ويهرّبون الوقود وينهبون القرى والبلدات التي يغزونها.

تأمين الأراضي التي تتم السيطرة عليها

على الرغم من كل ذلك، يعتمد الأسد على هذه الميليشيات. فعندما استولت قواته، مدعومة بوحدات روسية، على شرق حلب في كانون الأول 2016، برز الجنود السوريون بطريقة مميزة أمام كاميرات التلفزيون. ولكن القتال الفعلي كان قد  قام به المرتزقة العراقيون والأفغان و”حزب الله” تحت القيادة العليا الإيرانية والميليشيات الموالية للنظام، التي أمنت الأرض التي تم الاستيلاء عليها حالما انتهى القتال،  حيث قامت بدورها بأعمال النهب.

الأراضي التي يسيطر عليها النظام هي مشابهة اليوم للمناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين، فالميليشيات التي تحتلها منقسمة، وتتميز بتغيّر التحالفات. تسيطر مئات المجموعات ذات الولاءات المتنافسة، تجني المال من الحرب وتسيطر على الأرض عن طريق الترهيب.

حماة هي أحد تلك الأماكن. إنها واحة خصبة حقيقية لأمراء الحرب. في العام 1982، سحقت القوات الموالية للرئيس حافظ الأسد، مؤسس سلالة الأسد، بوحشية الانتفاضة التي اندلعت يومها، مما أسفر عن مصرع أكثر من 10 آلاف شخص في ثلاثة أسابيع فقط. في الآونة الأخيرة، المدينة التي تأسست فيها “قوات النمور”، شكلت شبكة فضفاضة من مسؤولين من مخابرات القوات الجوية التي تثير الرعب، وزعماء القبائل المحلية والمجرمين. تجمعوا جميعهم حول موظف علوي وساعدوا على سحق التمرد ضد النظام في محافظة حماة في العام 2011. حالياً، تملك الميليشيات قواعد وشبكات في أجزاء عدة من سوريا.

أهم قائدين فرعيين في حماة هما علي شيلي، مجرم معروف جيداً، وطلال دقاق. يقال إن دقاق يستمتع بتقديم ضحاياه طعاماً للحيوانات. كلاهما قاما بعمليات خطف، وسرقة، وتهريب النفط والوقود وبيعهما حتى للدولة الإسلامية، التي يقاتلها الجيش السوري رسمياً.

في صيف العام 2016، على سبيل المثال، اعترضت وحدة من الجيش عدة شاحنات صهاريج مملوءة بالوقود. كانت القافلة تسير باسم دقاق ووجهة الوقود التي تنقلها كانت على ما يبدو وحدات الدولة الإسلامية. لم يتجرأ الجنود على مصادرة الصهاريج خوفاً من انتقام دقاق، فتم تسليم الشاحنات إلى مخابرات القوات الجوية المحلية – التي ترتبط ارتباطاً وثيقا بـ”قوات النمور”، ولم يمر وقت طويل حتى واصلت صهاريج الوقود رحلتها.

سعيد لمساعدته أعدائه

في النهاية، يحتاج الأسد إلى مساعدة الميليشيات على الخطوط الأمامية. وحتى لو لم يفعل ذلك، لما كان استطاع الصمود أمام ثرائها ونفوذها. ففي أوائل شباط، عانت مدينة حلب من نقص في الأدوية الضرورية، وذلك لأن ميليشيا  شيلي، الذي يجمع الضرائب فقط على طريق المؤدية إلى حلب والتي يسيطر عليها الرئيس الأسد، صادرت الإمدادات الطبية التي أُرسلت إلى المدينة لبيعها لاحقاً وجني الأرباح.

إن كان ذلك يعود عليه بالمال الوفير، فقائد الميليشيا شيلي يكون سعيداً جداً بمساعدة أعدائه حتى:   في 5 أيار 2015 وصفت وثيقة أصدرتها المخابرات العسكرية السورية بالتفصيل، كيف يزود شيلي الجماعات المتمردة بالأسلحة. وربما لم يتم تسريب هذه الوثيقة صدفة، نظراً إلى أن المخابرات العسكرية تتنافس بشراسة مع المخابرات الجوية وأصدقائها “قوات النمور” على السلطة والمال.

هؤلاء هم الرجال الذين يشنون حرب الأسد

في قرية تقع في المنطقة الخاضعة لسيطرة الأسد، يجلس طبيب وزوجته على أريكة في غرفة الجلوس يحدقان في الهاتف الذكي الذي يستخدمانه للتحدث مع صحيفة “دير شبيغل”. صوت المرأة يرتجف خوفاً كلما تحدثت: “حدث هذا هنا في قريتنا. رجال يرتدون زياً عسكرياً اقتحموا منزل امرأة. قيدوها وسرقوا أموالها وعذبوها حتى كشفت لهم أين يخفي زوجها المال. وعندما حصل الرجال على المال، اختفوا كما ظهروا”.

أضاف زوجها: “قبل يومين، تم اختطاف تاجر هنا. “وقبل عدة أسابيع، تعرض أصدقاء له للسرقة على الطريق السريع، إذ تم توقيفهم عند نقطة تفتيش حيث أخرجتهم عناصر ميليشوية من سيارتهم قبل أن تستقلها وتبتعد بها”.

أما بالنسبة للمزارعين الراغبين في اجتياز نقاط التفتيش هذه فيجب أن يدفعوا رسماً على محاصيلهم. وإن لم يفعلوا ذلك، تجوز مصادرة المحاصيل كلها. في عدة قرى، تشكلت لجان للدفاع عن المواطن، وهي تقوم بدوريات ليلية لتخويف رجال الميليشيا الذين يقومون بعمليات النهب. يقول الطبيب إن تقسيم العمل بين الزعيمين النمرين واضح: يقوم طلال دقاق بمعظم عمليات الخطف، بينما يتولى علي شيلي عمليات التهريب.

(يتبع)

إسم الكاتب: Fritz Schaap

المصدر:
Der Spiegel

خبر عاجل