لا ضرائب بعد اليوم… اسألوا مارك

التطورات الاخيرة في لبنان ذكرتني بالتنافس الذي كانت تشهده صفوفنا الابتدائية في المدرسة قبل فترة من انتخاب مسؤولي الصفوف. فكانت العادة ان يتقدم في اول السنة صبي، او احياناً قليلة فتاة، لتغير كل شي وللوصول الى “أفضل صف اساسي رابع-أ-”

المرشح، ان ربح، سيوزع الحلوى على جميع التلامذة. وان ربح سينظم رحلة واحدة على الاقل في الشهر. وان ربح سيطلب من الادارة تخفيف عدد الدروس وعدم تعيين اي امتحان بعد الفرص الطويلة. وان ربح، يريد زيادة اوقات الرياضة والرسم وتقليس قيمة القسط الدراسي…

وبالحقيقة، فان ربح، اصطدم بالواقع المرير: الرحلات لا يمكن اقامتها بلا صرف اموال، لا التلامذة ولا الادارة جاهزة لتحمل النفقات. يصطدم الرابح بحقيقة ان اهله لن يقبلوا دعوة تلامذة الصف الى مطعم سوشي.

هذا ما حصل مع “مارك” ابن جارنا. بعد فوزه، راح التلامذة يطالبونه قبل كل شيء، بعشاء السوشي الذي كان قد وعدهم به او على الاقل عشاء في مطعم ما. لكن طبعًا، لم يكن باستطاعة اهله تمويل هكذا عشاء، فاقترح هو ان يدفع كل تلميذ مبلغ ٥٠٠٠ ل.ل بالأسبوع للوصول الى الهدف، لكن احداً لم يلتزم والكل وعده بعدم انتخابه في السنة القادمة…

“اقرأ شفتي: لا ضرائب جديدة” هكذا وعد الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الاب شعبه قبل الانتخابات. لكن الوعد الانتخابي سقط عندما اضطر الرئيس زيادة الضرائب لتخفيض العجز في الموازنة الوطنية. فاشتهر الوعد واستعمله بيل كلينتون اثناء ترشحه للانتخابات الرئاسية كمثل عن الوعود الكاذبة.

في سنة 1975عرف الاقتصادي ويليام نوردهاوس  William Nordhaus من خلال نظرية “دورة الأعمال السياسية” عن السياسات الاقتصادية التي يستعملها بعض الاحزاب للفوز بالانتخابات. فالسياسات النقدية والمالية التوسعية لها عواقب شعبية سياسية على المدى القصير (مثل التخفيضات الضريبية، انخفاض معدلات البطالة، هبوط أسعار الفائدة، الإنفاق الحكومي الجديد على الخدمات المقدمة للمصالح الخاصة… الخ) ما يؤادي الى فوز هذا الحزب. ولكن بعد الانتهاء من الانتخابات يتم التخلص من التضخم والعجز الناتج عن هذه السياسة عبر سياسات الانكماش (رفع الضرائب، خفض الإنفاق الحكومي…)

لكن في الـ2005 وبعد الكثير من الدراسات عن السببية بين السياسات التوسعية والانتخابات، وصل الاقتصادي الان درازن  Allan Drazen الى الخلاصة التالية: ان دورة العجز السياسية هي ظاهرة في الديموقراطيات الجدد لكنها غير موجودة، فللمواطن رؤية طويلة المدى، حيث يعلم المواطن ان العجز شيء خطير على الاقتصاد.

في بلاد ذاكرة السمكة لا يمكن للمواطن الا ان يفكر في حاجته اليوم ومن يمكن تلبيتها اليوم. غير آبه بالعواقب الناتجة عن تلبية حاجاته. من منا يحب إنفاق الاموال؟ لا أحد.

من السهل جدا اقتراح حلول رنانة. “اقطعوا يد السارق” لكن من يقطعها؟ “اخفضوا الهدر” لكن كيف نخفضه؟ “اوقفوا التهريب” كيف يمكننا ايقاف المهربين بين ليلة واخرى، هم متجذرون في الدولة وعالمون بجميع طرق الفساد وأكثرهم مبتكرين.

الصعوبة ليست فقط في تطبيق هذه الحلول انما في الوقت اللازم لجمع الاموال الضرورية. موضوع السلسلة ليس بالأمر الجديد ولو تجرأت الاكثرية قبل ٥ سنوات، باتخاذ القرار المناسب، لكنا مولنا الـ٨٠٠ مليون دولار وكنا مولنا عجز الخزينة. لكن ما العمل اليوم؟

هل يتجرأون، قبل الانتخابات، تأجيل اقرار السلسلة؟ من يتحمل غضب الاساتذة والاضرابات؟ من يتحمل تراجع المستوى التعليمي في لبنان من خلال اعطاء الافادات؟ من يقدر قول الحقيقة وان الاولوية هي الاصلاحات اللازمة، في القطاع العام نفسه؟ لم يقل أحد الحقيقة كما هي، ولم يشر احد الى الخلل في الكثير من الوظائف، لان القليل يتحمل هذا الحديث غير الشعبي اليوم. هل ينتظر الاساتذة الحلول المطروحة من “القوات اللبنانية” لسد العجز في البدء، باشراك القطاع الخاصة مع العام في قطاع الكهرباء؟ هل ينتظرهن اقرار مشروع الحكومة الالكترونية؟

في بلد لم يشهد اي نقاش اقتصادي منذ نهاية الحرب اللبنانية من الصعب وصول شعبه من المرة الاولى الى نقاش سليم وبناء. فالسياسات الاقتصادية عندنا هي دائماً ردة فعل، لا تخطيط لا رؤية بعيدة المدى وعند الغرق نتعجب كيف لم نرَ السفينة مملوءة بالمياه في الساعات السابقة. اما الادوات الاقتصادية فهي عبارة عن اي خشبة خلاص توصل الى الشاطئ.

من يريد فعلا تمويل السلسلة ما كان عليه الا ان ينفذ ما كان يبشر به في السنوات الخمس الماضية. ولكنه من غير الممكن ان يقف اليوم، يطالب بالسلسلة دون اعطاء حلول عملية لتمويلها في الـ2017. بالنهاية مارك (التلميذ الابتدائي) وقد تعلم الدرس..

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل