بيار سعادة: قصة ذاكرة تشهد ولا تستشهد… بعد 25 يوم بالغيبوبة نسيت شو يعني الحكي

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” – – العدد 1602

كان يمكن أن يكون في مقلب آخر من الحياة، في المكان والزمان والإطار الطبيعي الذي يحلم به مطلق أي إنسان. لكن بيار سعادة ما عاد وليد هذا المكان منذ اللحظة التي اخترقت فيها شظية قذيفة دبابة رأسه عام 1990 لتستقر في الدماغويدخل في غيبوبة.

وبعد 25 يوما على إصابته عاد بيار إلى الحياة لكن من دون ذاكرة. عاد ليتعلم القدرة على النطق والكلام من جديد،ويستجمع من هنا وهناكحكايات عمر كان يطوي في ثناياه صورا منطفولة عابرة ومحطات من مسرح ضحكاته وشيطنته مع إخوته ورفاق الحي. وحدها تنهدات الوجع تفشي عما يدور في ذاكرته من صور ومحطات، وتسرد قصة مقاتل لا يزال على رغم إعاقته يشكر الله على نِعَمِه ويؤكد: “أنا قوات ومش ندمان على اللحظة اللي حملت فيا البارودة دفاعا عن وطني وأهلي”.

إلى مكاتب “المسيرة” حضر بيار متحديا أمطار آذار الغدار وعجقة السير الممتدة على طول الخط  من منطقة الحدث حيث يسكن وحيدا في المنزل العائلي وصولا إلى منطقة زوق مكايل. لكن إصراره لم يكن من باب التحدي وحسب، إنما أيضا لأنه اشتاق إلى تلك البقعة الجغرافية حيث عاش مع أهله وإخوته السبعة بعد نزوحهما من بلدة الحدث إلى أدونيس بعد عامين على اندلاع الحرب اللبنانية.

“وصلنا”؟ يسأل  يتنهد ويردد: “آخ آخ آخ”. جسمه المثقل بالوجع والتعب بسبب تعرض أطراف الجهة اليمنى للشلل يسبق خطواته على الطريق التي بات يمشيها من دون هدف. بالكاد كان يمسك نفسه “بالعادة ما بحتاج لأي مساعدة بس من شهرين وقعت بالبيت وكسرت إيدي اليمين اللي برتكز عليا بالشغل… كتر خير الله”.

يجلس على الكرسي . من جديد يتنهد . أنفاسه بالكاد تشق طريقها من داخل قفصه الصدري. يغوص في البعيد ويستطرد “رزق الله على هيديك الإيام. اشتقت لحياتي”. بهذه الكلمات التي يلفظها بصعوبة يبدأ بيار كلامه .”شو بدك خبرك انشالله إتذكر لأنو بعد الإصابة فقدت الذاكرة”. ومعا نعود إلى البدايات في بلدة الحدث حيث أبصر النور في 4 أيلول 1963 ونشأ في عائلة مؤلفة من سبعة أولاد (خمسة أشقاء وفتاتان وكان الولد السادس)، وتلقى بيار علومه الإبتدائية في مدرسة سيدة الحدث شبه الرسمية. ومن تلك المرحلة لا يتذكّر إلاّ أنه كان ينضح بالشقاوة “ما كنت كتير شاطر بالمدرسة بس كنت إدرس وإنجح لأنو كنت شوف بيي قديش عم يتعب هوي وإمي تا يربونا ويعلمونا”.

عندما اندلعت الحرب اللبنانية كان عمر بيار 12 عاما، يومها حاول أن ينزل مع إخوته إلى الجبهات لكنه جوبه بالرفض من قبل والديه. وفي العام 1978 قررت العائلة مغادرة بلدة الحدث بسبب موقع المنزل على خطوط التماس واستقرت في منطقة أدونيس التي صارت جزءا من حكاية بيار. حكاية؟ قل قصة يرويها للمرة الأولى بعد ولادته الثانية: “عندما استقرينا في منزلنا في منطقة ادونيس تسجلت في تكميلية صربا وكنت أذهب وحدي يوميا إلى المدرسة بعدما التحق إخوتي بحزب الكتائب اللبنانيةوتوزعوا بين ثكنات “القوات في البترون والدفاع في أدونيس والبحرية في جونية”. لكن مشوار العلم لم يستجب لأحلامالوالدين. ففي عمر ال14 أقفل بيار الكتاب المدرسي للمرة الأخيرة ونزل إلى سوق العمل لمساعدة والده الذي كان يعمل في مجال التبليط، وعمل في أحد مصانع تكبيس وصناعة قوالب الحجارة. وعندما بلغ سن التاسعة عشرة خلع عنه ثوب العامل ولبس البزة الكاكية ونزل إلى الجبهات.

بتقطع وتنهيدات متواصلة يروي بيار الفصل الأول من حياة المقاتل في صفوف “القوات اللبنانية”: “في البداية واجهت معارضة شديدة من أهلي خصوصا أن إخوتي الثلاثة طوني وجورج وبول كانوا سبقوني إلى جبهات القتال. لكن في النهاية رضخوا للأمر الواقع”.

خاض بيار دورات قتالية في مخيمات التدريب لمدة شهرين وانتسب إلى ثكنة المدفعية في أدونيس”عشت أحلى إيامي بهالمنطقة . بتذكر كيف كنا نقعد مع الشباب بالثكنة ونحكي وبس تبلش المعركة ننزل ع الجبهات”. وهل ما يزال يتذكر أبرز المعارك التي خاضها؟،نسأل. ويجيب بعد صمت تخرقه تنهدات الجسم المثقل بأوجاع الإعاقة: “صدقيني ما بقا إذكر… لحظة بحرب الجبل كنت على حدود منطقة المشرف. بتذكر إنو انصبت بضهري انا وع الدبابة بس إصابتي كانت طفيفة وطلعت بعد يومين من المستشفى. يومها استشهد معي الرفيق سليمان عبود. وبحرب التحرير كنت على إحدى الجبهات بمنطقة كسروان وانصبت بخاصرتي بس كمان كانت إصابة طفيفة. حتى خيي جورج اللي كان بوحدات الدفاع انصاب أكتر من مرة بس كان يرجع عالجبهة بس تشفى جروحاتو وأوجاعو”.

في ثكنة أدونيس سطر بيار حكاية عمر من النضال والمقاومة وعلى رغم الضبابية التي تغلف ذاكرته نتيجة الإصابة المباشرة في الدماغ إلا أنه لا يزال يتذكر لحظة تبلغه خبر وفاة والده: “كنت سهران أنا والرفاق بثكنة المدفعية بأدونيس وفجأة بيدق التلفون بالثكنة. كان خيي ع الخط وخبرني إنو الوالد توفى نتيجة إصابتو بأزمة قلبية حادة. كان عمري 25 سنة. حسيت إنو الدني برمت فيي. صحيح إنو كل يوم كنا نودع شهداءنا بس خبر وفاة بيي كان تقيل كتير. هدّني. وصارت إمي المعيل والمدبر والطاقة اللي بتعطينا الحياة والإيجابية”.

ثمة ذكريات كثيرة ضاعت من مفكرة عمر بيار. ثمة تواريخ اسودّت معالمها وصارت أكثر من ضبابية، ومنها تاريخ وفاة والده. وحدها محطة إصابته لا يزال يتذكرها أو بمعنى أصح استعاد مشهديتها في المكان والزمان بعدما استفاق من غيبوبته وبمساعدة رفاقه الذين كانوا معه في تلك اللحظات. ويروي: “كان يوم 10 من شهر العدرا(أيار) 1990 كنا في مركز ال”غاما زيرو” في الأشرفية عندما تبلغنا أمرا عسكريا بضرورة التوجه إلى موقع ملعب الراعي الصالح قرب مبنى صوت لبنان في الأشرفية لإصلاح مدفع 130. كنا ثلاثة. أرنست يونس وبولس شوفاني وأنا. وعندما وصلنا إلى الموقع لاحظنا أنه كان خاليا. فجأة بدأ القصف ينهمر علينا بغزارة. وما هي إلا لحظات حتى سقطت قذيفة على بعد مترين من مكان وجودنا… وما بقا إذكر شي”. هو لم يتذكر لكن رفاقه أخبروه لاحقا أن قوة عصف القذيفة أدت إلى إصابة طبلة أذن بولس فانفجرت في حينه وأصيب أرنست في عينه إصابة بليغة أدت إلى تلفها وانطفأ نورها لاحقا كما بترت يده. أما بيار فأصيب بشكل مباشر في الجهة اليسرى من الرأس. “هيديك اللحظة ما كنت واعي على شي بس بعرف إنو فكروني استشهدت قد ما كنت عم بنزف. بس كتر خير الله بعدني عايش”.

بيار سعادة لم يستشهد. بيار ولد من جديد. نعم ولد ثانية لكن بعد غيبوبة استمرت 25 يوما. من مستشفى أوتيل ديو التي نقل إليها بعد إصابته إلى مستشفى الجامعة الأميركية وصولا إلى مستشفى سيدة المعونات التي وصل إليها بواسطة طراد عسكري. طيلة هذا الوقت كان بيار يغط في غيبوبة وأمه تنام وتصحو على الكرسي إلى جانب سريره وتحاكي يسوع والقديسين وتتلو صلوات المسبحة وتمسح وجهه البارد بمنديل مبلل بزيت النذورات. وفي اليوم ال25 فتح بيار عينيه من جديد. أمه وزوجة شقيقه طوني كانتا في الغرفة. صرخت والدته: “بيار وعي بيار وعي كتر خير الله كتر خير العدرا”. وراحت تنادي على الممرضات اللواتي دخلن الغرفة وطلبن من الجميع الخروج ليتسنى لهن إجراء الفحوصات الدقيقة قبل أن يصل الطبيب المعالج ويقول لوالدته:” إبنك خلق من جديد ولكن…”.

تلك ال”لكن” حملت الكثير من الفرضيات التي لم يكشف الأطباء تفاصيلها في حينه خوفا من رد فعل قد ينعكس سلبا على صحة بيار. وبقي الغموض سيد الموقف. لكن بحسب التقرير الطبي فإن الشظية التي اخترقت رأس بيار من الجهة اليسرى أدت إلى تفتت عظام الجمجمة مما استوجب تركيب جمجمة نصفية من البلاستيك. اما الشظية التي اخترقت الدماغ ولا تزال تستقر فيه بسبب استحالة إجراء عملية جراحية لاستئصالها نظرا إلى خطورة ودقة الحالة فأدت إلى إصابة الجزء الأيسر (أي اليد والقدم) بشلل تام بالإضافة إلى فقدان الذاكرة والقدرة على النطق: “أول ما وعيت حاولت صرخ، إبكي واكتشفت إنو صوتي مش عم يطلع ومش عم بقدر إحكي. طلبت من الممرضة بواسطة الإشارات إنو تضهر الكل من الغرفة. حسيت إنو بدي إبقى لوحدي . ليه؟ ما بعرف… تصوري 25 يوم بالغيبوبة وبس وعيت مش قادر إحكي ومش عم بتذكر شي. كان راسي اشبه بصفحة بيضا”.

طيلة فترة مكوثه في مستشفى المعونات لم تسمع والدة بيار خبرا طبيا يثلج قلب الأم الجاثية عند أقدام سريره. منهم من طمأنها بأنه سيمشي من جديد ومنهم من أكد لها إصابته بالشلل الكامل. اما بالنسبة إلى النطق فلم تكن المعلومات أكثر دقة. “تصوري إنو نسيت شو يعني الحكي”. وحدها ذاكرة بيار كانت في أيدي رفاقه الذين كانوا يعودونه في المستشفى ويروون له صفحات من دفاتر الأيام والساعات التي سبقت الإصابة في 10 نيسان 1990.

بعد خروجه من المستشفى مكث بيار في منزل شقيقه طوني في جبيل ليتمكن من الذهاب يوميا إلى مستشفى سيدة المعونات لتلقي العلاج الفيزيائي وتعلم القدرة على النطق من جديد. وبعد عامين صار قادرا على تحريك قدمه اليمنى لكن بصعوبة “بالكاد برفعا عن الأرض”. أما يده اليمنى فأصيبت بالشلل التام “ومن يومها ما عدت زرت طبيب ولا فتت على مستشفى”.

بعد عودته إلى منزله في الحدث بدأ بيار يتعلم النطق من جديد: “كنت جيب كتب وإقعد إقرا وكنت كرر الكلمة أكتر من مرة حتى تظبط معي. وبعد 6 اشهر حكيت لأول مرة جملة مفيدة”. يضحك ويتنهد ويكرر بتقطع وصعوبة: ” بتذكر إنو زوجة خيي طوني كانت أول إنسان بيسمع صوتي بعد 6 أشهر. فِرْحِت كتير، وبلشت تصرخ لخيي تا يجي ويسمعني. وبس سمعتني إمي بلشت تبكي وغمرتني وقالتلي المهم بعدك قدامي… كتر خير الله… بس بعدني لهلق بفتش ع الكلمة براسي قبل ما إحكي”.

لم يتوقف نبض المقاوم في قلب بيار. ومجرد أن استعاد قدرته على السير ولو ببطء عاد إلى ثكنة أدونيس لمجالسة الرفاق الذين كان يتعرف إليهم من جديد ويحاول أن يتذكرهم واحدا واحدا واستعاد ثلث صفحات الذاكرة “بس في إشيا بعد بتمرق براسي متل الحلم”.

عام 2007 توفيت والدة بيار بعد صراع مرير مع المرض. وقبل أن تغمض عينيها أوصت أولادها بفلذة كبدها بيار: “كانت تقلُّن انتبهوا ع بيار، ما تتركوه. راح فل من هالدني وبالي مشغول عليه، خلوني إرتاح. بس فلت إمي حسيت إنو صرت وحدي. الإم كل شي بهالدني…”. هي ارتاحت في أحضان يسوع أما بيار فقرر أن يتحدى إعاقته “بس طلع سمير جعجع من الإعتقال فتت على إذاعة لبنان الحر واشتغلت مدة على الإستعلامات وفليت بعد ما انتقلت الإذاعة على المبنى الجديد”.

حاليا يمضي بيار وقته في منزله وحيدا بين المجسمات الخشبية التي يصنعها بيده اليسرى قبل أن تتعرض للكسر نتيجة انزلاقه في المنزل. مجسمات تحاكي قدراته الإبداعية وروح التحدي والمقاومة التي لا تزال تسري في عروقه: “ما بندم ولا لحظة إني فتت ع “القوات”. ولو بيرجع فيي الزمن لورا برجع بلبس البدلة وبحلف بإسم شهدا “القوات” والدكتور سمير جعجع”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل