وكان 15 آذار اليوم الآخر…

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة”  – العدد 1602

… وصار الليل، تفرقّت الحشود الهائلة، كيف إتسعت تلك الساحة لنحو مليون ونصف مليون إنسان؟ لا نعرف. ما نعرفه أنهم كانوا هنا في ساحة الشهداء، كتفا الى كتف ولا أحد لمس أحدا، ووقع الليل على الساحة كمن يلقي عليها صباحا جديدا، ذهبنا من ضوء 14 آذار وأصواتنا مبحوحة لكثرة الهتاف والصراخ، وطلعت علينا شمس 15 آذار ونحن بعد في الوهلة، وكان يوم آخر من ذاك العام 2005، من تلك الثورة، ثورة الأرز لأجل الاستقلال و…ثلاث نقاط  لنحكي الكثير بعد عن تلك الحكاية…

أخطأت في التعبير، هذه ليست حكاية تُروى، هذا عمر ينسدل فوق تفاصيل الأيام التي تلت. لمّا اغتالوا الرئيس رفيق الحريري لم نكن نعلم اننا سنسكن الساحة التي صارت ساحة الحرية، لم نتصوّر أن غضبنا المتراكم لم يكن سوى ثورة مدفونة منذ سنين وسنين تنتظر اللحظة لتنفجر، وأنها ستتحوّل صراخا في آذان العالم، كنا نلاحَق ونُعتقل ونُضطهد، نطالب بحرية الحكيم والرفاق في “القوات اللبنانية”، نتسلل الى قداس الشهداء ونخبئ صوره تحت ثيابنا، كنا أيضا نطالب بعودة ميشال عون من المنفى وكان الوطن المنفى الكبير، لكن، في مكان ما كنا سعداء، سعداء ربما لأننا لم نخضع للخوف وأسياده غير الأسياد العبيد الكثر للاحتلال في لبنان. على رغم إرهاب هؤلاء على اللبنانيين المناضلين بقينا على حرارة الإيمان والنضال، كنا سعداء في مكان ما لأن كلاً منا صنع لنفسه ثورته الصغيرة في المكان الجغرافي الذي ينتمي إليه، في انتظار أن تعود لنا كل المساحات ونلتمّ في مكان واحد لأجل قضية واحدة، جلاء الاحتلال السوري وتحرير الأرض والحكيم والرفاق، ولا أعرف فعلا من أين كنا نستمد تلك القوة الغريبة، ربما هو تراث متوارث من بطولات الشباب المقاومين، وأيضا من ثبات وجود الحكيم في السجن وأخباره التي كانت تصلنا بالتواتر من ستريدا الى الشباب ثم إلينا.

إذن حصل ما حصل وسكنّا ساحة الحرية مع الشباب، لم أنم يوما تحت، لم يكن الوالد ليسمح لي بذلك وإلا لكنت فعلتها بالتأكيد، لكن يوميا وبعد انتهاء دوام العمل في “المؤسسة اللبنانية للإرسال”، كنت أعود الى الساحة قبل البيت، أجول على خيمنا، وكان للكل خيمهم، الأحرار الكتائب الاشتراكي التيار الوطني الحر المستقبل… ثم أعود قليلا الى البيت لأثبت وجودي ثم أنزل من جديد “لوين رايحة ع الساحة أكيد؟” أبتسم ولا أجيب وأنزل الى الساحة، ما كنا نحتمل البقاء في البيت وصراخ الشباب يملأ ضميرنا بالحق…

نحو شهرين ونصف الشهر مضت ونحن نصرخ “سوريا برا برا” وغيرها من الشعارات والهتافات المطالبة بمحاسبة المتورطين باغتيال الحريري وعلى رأسهم الضباط الأربعة، وتحوّلت الساحة الى ساحات، غناء وخطابات ومخططات وزعماء ومستزعمين مقتنصين للفرص أيضا… وشعب، شعب يا عالم كنا نقول إنه لو اجتمع كله هنا لهزّ العالم وليس فقط هؤلاء المحتلين الإرهابيين، واهتزّ العالم في 14 آذار في التظاهرة التي فاقت المليون، كنا نعرف أننا سنكون كثرا لكن لم نكن لنتوقع عمرا ان هذا الكم من البشر سيجتمع في ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح، ليصرخوا بصوت واحد مطالبين بجلاء الاحتلال وبالحقيقة.

لم يكن مجرد 14 آذار، كان الثورة التي أنجبت كل هؤلاء الثوار، أنجبتنا، ولم نكن نعرف أساسا أننا ممكن ان نكون ثوارا الى هذا الحدّ، شجعانا الى هذه الدرجة، اكتشفنا العناد الذي ينغل فينا مثل الحب بأول أيامه، يومها اكتشفنا لبنان الحقيقي، يومها عرفت ان الشهداء الذين انهالوا فوق هذه الأرض، الآن تنبت دماؤهم، الآن يعيشون القيامة، الآن هم فعلا أحرار في الأرض وفي السماء…

لما انتهى النهار وسرّبت الجموع الى ديارها، وقفنا في الساحة التي استكانت من أصوات الخطابات، تكلّم كثر لكن كان صوت قسم جبران التويني الأكثر دويا حتى لحظة فرغت الساحة وعمليا لم تفرغ، أتذكرون فيلم “يسوع الناصري”؟ ذاك المشهد حين يدخل المسيح الى الهيكل في أورشليم ويرى التجار والخطأة يعبثون بالمكان فيضرب فيهم ويثور “هذا بيت أبي وأنتم حولتموه مغارة للصوص” ويبدأ بالتحطيم، وهو عمليا كان ينظّف المكان من الخطيئة، في تلك اللحظة كان تلامذته في غاية السعادة، وقف متى وسط الحطام رفع رأسه ويديه الى السماء وتنشّق ريح السعادة التي هبت من ثورة المسيح، عرف متى أنها البداية وان الثورة بدأت تحقق أهدافها، لست متى ولن أكون ولن نكون يوما، لكن تلك اللحظة في تاريخ سبقنا لأكثر من ألفي عام، كأنها تجسدت في ذاك العام، في تلك اللحظة في ساحات بيروت…

… وسقط المساء وعادت الساحة تنغل بالحركة، ذهب عشرات الآلاف وبقي البعض القليل في المكان، جريدة “النهار” تنغل بالاجتماعات، سمير قصير، جبران التويني، نبيل بو منصف، غسان التويني، الياس عطالله، مروان حمادة، وسياسيون وشباب، وفي الساحة شباب الخيم عادوا الى أماكنهم، بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير  كان غادر إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي جورج بوش، لم يتمكن من التوجه الى المطار برًا بسبب الحشود، فانتقل إليه بواسطة طوافة عسكرية، ذهب الى عاصمة القرار في العالم ليخبرها عن ثورة أبنائه، عن ضرورة دعم الوطن الصغير الكبير في تحقيق حريته وسيادته، ونام الوطن على الحلم وبقيت بيروت مستيقظة…

15 آذار 2005  كان اليوم الآخر، بعد نحو الشهرين من البقاء المتواصل في الساحة، والنجاح المدوي ليوم الثورة ذاك، بدأ تاريخ جديد يرسم معالمه على خارطة الوطن، حتى صراخ الساحات صار أكثر ثقة، صار أنضج، كنا نعلم أننا أصبحنا في مكان مختلف، وان على السياسيين جميعا مفاوضة شباب الثورة، كان عليهم الانسحاب جميعا لتجلس الأصوات الصارخة في القصر الجمهوري وفي البرلمان وفي مجلس الوزراء، كان احتلال جديد هو الوجه الحقيقي للسيادة، يرسم معالمه الواضحة على خارطة الوطن، رغم أصوات النشاز التي شابت الثورة، ساحة 8 آذار التي لم تجد بديلا لها يثبت ما تبقى من وجودها سوى تظاهرة ذل شكرت سوريا على “جهودها” في لبنان.

في 15 آذار وكان يوم اثنين، لم نعد الى أعمالنا كالمعتاد، كان على جدول الكرامة شأن آخر، كنا نمشي في الطرقات بفخر غريب، صرنا نسأل بعضنا “عرف الحكيم شو صار؟ شو عمِلنا؟ شو عملوا الشباب، خبّرتوه ستريدا كل شي؟”، شعرنا ان بأمكاننا اختراق تلك الزنزانة الرهيبة واقتلاع حرية الحكيم بأيادينا من دون الحاجة الى سلاح قاتل، كنا نعرف ان السجّان صار يخشانا بقوة، لأنه خسر قوته أمام جبروت إيماننا وشجاعتنا، لم نفعلها بالطبع ولكن لو قيل لنا إذهبوا وحطموا جدران السجن لفعلنا من دون تردد، كان يوما غريبا بمشاعره، بدا الوطن وكأنه سهل أخضر جميل وبدا الاحتلال في عز الهزيمة، لم نكترث لمانشيتات الصحف، كنا الصحف والخبر والإذاعة والتلفزيون، وجوهنا إعلام مباشر متنقّل، تفاؤلنا هو الخبر الصحيح. ما همنا السجن الصغير ونحن نعمل على هدم السجن الكبير.

في الليل علت أصوات الخيم مطالبة باستقالة حكومة عمر كرامي، كان يعلم الشباب ان 15 آذار هو اليوم الذي سيرسم معالم الأيام الباقية، هو اليوم الجديد في مفكرة الثورة، وكرّت السبحة…في 16 آذار انتهت  المرحلة الأولى لانسحاب الاحتلال السوري باتجاه البقاع، في 19 نيسان انهارت حكومة عمر كرامي تحت ضربات الصرخات في الشارع، وفي 26 نيسان وصلت حركة 14 آذار الى ذروة مجدها حين تم جلاء آخر جندي احتلال سوري عن أرض لبنان… وقف متى الى باب الهيكل، هرع الى يسوع، قبّله وهو يعلم أن قبل القيامة الصليب في انتظاره… ستأتي القيامة من رحم ذاك اليوم من 14… أقصد 15 آذار وطلوع…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل