الإصلاحات أولاً

عندما ينهار البلد، لا أحد يفوز. عندما تفلس الدولة لا أحد يكسب. لا بل يدفع كافة المواطنين (اغنياء كانوا او فقراء) اعباء هذا الانهيار.
للتذكير فقط: اعلنت الدولة اليونانية افلاسها عام 2007-2008 وأجبرها الاتحاد الأوروبي على استعمال السياسيات التقشفية (تخفيضات في أيام العطل، تخفيضات في المكافآت، وتخفيضات في رواتب موظفي القطاع العام والخاص، زيادة كبيرة على الضريبة على القيمة المضافة، زيادة الضرائب على البنزين، ارتفاع الضرائب على السيارات المستوردة…)، كإجراءات مضادة لوقف إنفاق الدولة، والحد من الإفلاس. في المقابل، وقفت أوروبا بجانبها لتخطي هذه الازمة.
كما اليونان، قبرص، الارجنتين وغيرها من الدول. للبنان مستحقات ثابتة ناتجة عن اعباء خدمة الدين العام. والخطر يكمن في التالي: ان %32 من نفقات موازنة الدولة اللبنانية تعود لتسديد خدمة الدين العام وبالتالي اقرار سلسلة للرتب والرواتب التي ستزيد مصاريف الدولة حوالى 800 مليون دولار والتي قد تهدد ميزانية الدولة ان لم تكن عائداتها مضمونة 100%. إعطاء حلول غير مضمونة، لا تؤمّن ايرادات في الوقت القصير، ممكن ان يوصل الدولة اللبنانية الى عجزها عن تسديد خدمة الدين العام و بالتالي اعلان افلاسها، وهو السيناريو الذي حصل في اليونان.
وماذا يفعل لبنان حينها وهو ليس عضواً في الاتحاد الأوروبي وليس لديه المانيا لمساندته؟ ان “القوات” التي لطالما سعت الى بناء الدولة، لن تقبل بان تكون طرفاً مشاركاً في وصول لبنان الى الهاوية. لهذا السبب، كان من المستحيل ان يقبل “القوات”، الحزب المعروف بقاعدته المنتشرة بين جميع المستويات الاقتصادية، بحلول رنانة وغير واقعية.
بعض الحلول، مهما كانت محقة، لا تثير مشاعر المواطنين لأنها تكون اقتصادية جامدة. فينساها المواطن بعد ساعات قليلة ويتذكر فقط الأفكار الجميلة المحقة، من دون التعمق بإمكان تطبيقها في الوقت المطلوب. لهذا يهم “القوات” التذكير ببعض المواقف التي اتخذتها في الأيام الماضية، لان موقفها ليس جديداً.
للتذكير فقط: الاحد في 12 اذار 2017، قبل الجلسة الشهيرة بثلاثة ايام، وفي حلقة “الأسبوع في ساعة” مع الإعلامي جورج صليبي قدم الوزير القواتي غسان حاصباني الملاحظات التالية:
1. على الضرائب ان توزع بشكل لا تطال فيه الفئات الأقل دخلاً.
2. يجب ان تكون دائرة المكلفين في وزارة المالية أكثر فعالية في الأماكن التي لا يتم فيها تحصيل الضرائب، خاصة عند كبار المكلفين.
3. على الدولة فرض الضرائب ليس فقط على الممتلكات البحرية، بل الأهم هو فرض ضرائبٍ على الممتلكات البرية والنهرية.
4. العمل على وضع ضرائب على الأرباح الاستثنائية: فطالبت “القوات اللبنانية” زيادة الضرائب على الأرباح التي حصلت عليها المصارف اللبنانية من خلال الهندسة المالية الأخيرة.
5. الإصلاحات أولا ثم السلسلة: وقف الهدر من خلال شفافية المناقصات العامة، ترشيد الانفاق (إيجارات المباني، السيارات المعطاة للمسؤولين، تحسين أداء الموظفين، زيادة ساعات العمل، اشراك ااقطاع الخاص مع القطاع العلم في قطاع الكهرباء…)
وأوضح الوزير في الحديث نفسه ان الحكومة تعمل على الإصلاحات لتمويل السلسلة، والمجلس النيابي يعمل على الضرائب اللازمة. لكن الإصلاحات الضرورية لا يمكن ان تحصل في القريب لأنها تحتاج الى عملية طويلة.
للتذكير فقط: أعلن الدكتور سمير جعجع في 2 اذار 2017 خلال مؤتمر كسروان الإنمائي عن أهمية مشروع اشراك القطاع الخاص في القطاع الكهربائي لمشروع الموازنة لأن “بإمكاننا توفير مليار و200 مليون دولار من العجز”. فكانت “القوات” سباقة في ملف معالجة القطاع الكهربائي وعدم قبولها بالتوقيع على الموازنة ان لم تقر الحكومة الإصلاحات فيها. فالمواطن يستحق فعلا ان تكون منازله وطرقاته مضاءة وان لا تكلف شركة الكهرباء الدولة مليار و200 مليون دولار في السنة.

للتذكير فقط: في 22 شباط 2017 أكد النائب جورج عدوان أن “القوات” هي داعمة لإقرار السلسلة ودعا الحكومة إلى البحث السريع والجدي في توقيف الهدر والفساد في الدولة الذي هو كفيل بتأمين واردات السلسلة.

للتذكير فقط: في 15 اذار 2017 اعتبر النائب جورج عدوان قبيل الجلسة التشريعية العامة أن “السلسلة يجب اقرارها اليوم ولم يعد هناك من ذريعة لعدم اعطائها وليوقفوا الهدر الذي يمكن ان يمول عشر سلاسل”.

للتذكير فقط: أعلن الدكتور سمير جعجع في 17 اذار 2017 ان “القوات” متمسكة “بمجموعة إصلاحات قادرة على تحسين وضع الدولة المالي، وليس عبر فرض بعض الضرائب من هنا أو من هناك، فالهدر في الدولة كبيرٌ جداً والفساد أكبر وأكبر، ونحتاج الى وقتٍ طويل للخروج من هذا الوضع”.

للتذكير فقط: الوزير الذي يسافر في الدرجة الاقتصادية لا يقبل فرض ضرائب على الفقير…

جميع هذه المواقف تنطلق من شرعة “القوات اللبنانية” حيث المادة 31.ح. تشدّد على ان “القوات اللبنانية” تدعم نظاماً ضريبياً يلتزم بقواعد العدالة الضريبية و”لا يقوض القدرة الشرائية للمداخيل الثابتة” و”يوفر الأدوات الضريبية اللازمة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية”.
بعد كل هذه التصريحات لا يمكننا القول الا ان “القوات” هي كما دائما كانت وستبقى الى جانب المواطن اللبناني. وفي الفترة الزمنية القصيرة بوجودها داخل الحكومة سعت للتصدي لل Establishment وقدّمت إصلاحات عملية لتمويل هذه الموازنة وبالأخص سلسلة الرتب والرواتب. ونقف هنا امام حلّين، او اقرار سلسلة فوراً واقرار مقابلها ضرائب ذكية لا تطال الفقير ولا تضر النمو الاقتصادي وتؤمن بالوقت عينه مداخيل سريعة ومؤكدة للدولة، او تأجيل اقرار هذه السلسلة الى حين البدء بتنفيذ الإصلاحات التي طرحتها “القوات اللبنانية” والتي ممكن ان تموّل السلسلة في وقت لاحق.

خبر عاجل