الأزمة التركية – الهولندية: أغراضها انتخابية، ولكن أسبابها عميقة مع الاتحاد الأوروبي

كتب د. فادي الاحمر في المسيرة – العدد 1602:

الأزمة التركية ـ الهولندية مرشّحة الى التطوّر. فهي تبدو أشبه بكرة ثلج. السبب المباشر هو منع السلطات الهولندية طائرة وزير الخارجية التركي من الهبوط في مطار لاهاي. هذا الأخير لم يكن في زيارة رسمية. إنما في حملة انتخابية هدفها المشاركة في تجمّع للمتحدّرين من اصل تركي (وعددهم حوالي 400 ألف) وحضّهم على التصويت لصالح التعديلات الدستورية في 16 نيسان المقبل في تركيا. رد أنقرة اتى سريعاً على لسان رئيس الجمهورية. إذ وصف رجب طيّب أردوغان الهولنديين بـ “النازيين والفاشيين”. إنه نعت حسّاس جداً بالنسبة للأوروبيين. يعتبرونه إهانة. لذلك كان رد هولندا قاسياً. وطلب رئيس وزرائها من تركيا الاعتذار.

في بداية الشهر الحالي وقعت أحداث مشابهة في ألمانيا حيث أكبر جالية تركية في أوروبا (حوالي 3 ملايين نسمة). فقد مُنع مواطنون ألمان متحدّرون من أصل تركي من تنظيم تجمّعات سياسية لدعم التصويت لصالح التعديلات الدستورية في تركيا. ولم يتمكّن وزيرا العدل والاقتصاد التركيان من إلقاء كلمتيهما في الحشود. وهنا أيضاً كان رد زعيم “العثمانية الجديدة” قاسياً على الحليف التاريخي للسلطنة العثمانية. فقال “إن ما حدث لا يختلف عن التصرّفات في الحقبة النازية”. واستدعت أنقرة سفير ألمانيا لديها. لم تصعّد برلين. واكتفت بالتوضيح ان قرار المنع كان محلياً اتّخذته الإدارات المحلية ذات الصلاحية.

لا شك ان ما يحدث بين تركيا والاتحاد الأوروبي هو جزء من الدعاية التركية لحشد التأييد للتعديلات الدستورية. ولكنه أيضاً يعبّر عن الأزمة التي تمرّ بها العلاقات منذ سنوات بين الطرفين. ما أسباب هذه الازمة؟

أولاً، رفض الاتحاد الأوروبي قبول عضوية تركيا فيه ليس بسبب عدم جهوزيتها سياسياً واقتصادياً، إنما لأسباب جيوسياسية. إذ إن “مواصفات” نظام تركيا السياسي والاقتصادي والاجتماعي كانت تتناسب مع “دفتر شروط” الاتحاد أكثر بكثير من العديد من دول أوروبا الشرقية التي قبلت عضويتها في الاتحاد في عامي 2004 و2008. ومنذ العام 1999، تاريخ قبول طلب انتسابها، عملت تركيا على ملاءمة قوانينها مع قوانين الاتحاد. فألغت قانون الإعدام، وحال الطوارئ في البلاد، وسمحت للأكراد بالتعبير عن هويتهم من خلال راديو وتلفزيون… بينما دول أوروبا الشرقية كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي حتى العام 1990. بالتالي هي جمهوريات ديموقراطية حديثة. اقتصادياً تركيا مهيّأة لدخول الاتحاد الأوروبي أكثر من العديد من دول أوروبا الشرقية. فهي تعتمد الاقتصادي الليبرالي منذ تأسيسها في العام 1923. وفي العقد الأول من القرن الحالي شهدت نمواً اقتصادياً لافتاً. بينما اقتصادات دول أوروبا الشرقية كانت شيوعية. بالتالي فإن خبرتها الليبرالية حديثة. وعليه فإن أسباب رفض الاتحاد الأوروبي لعضوية تركيا جيوسياسية وأبرزها جغرافي، إذ إن 3 بالمئة فقط من الجغرافيا التركية يقع في القارة الأوروبية، بينما باقي أراضيها تشكّل جزءا من قارة آسيا. وتسمى تاريخياً آسيا الصغرى. والسبب الثاني هو انتماء تركيا تاريخياً وثقافياً الى العالم الإسلامي. بينما الخلفية الثقافية لأوروبا هي مسيحية/ ولو ان دولها علمانية.

الصراع على سوريا والخلاف في إدارة أزمتها هو أيضاً جزء من التوتّر بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي. صحيح انه منذ بدء “الأزمة” السورية كانت تركيا ودول الاتحاد في معسكر الداعمين للمعارضة السورية. وقد برز تنسيقهما في عدّة محطات. منها تعيين السوري – الفرنسي برهان غليون أول رئيس للمجلس الوطني السوري والمطالبة بمناطق آمنة في سوريا وبممرات إنسانية (رفضتها واشنطن)… ولكن منذ ظهور “داعش” على خط الصراع بدأت تظهر مؤشرات التوتّر بين الطرفين. فقد دعمت أنقرة التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا. بينما كان يضرب في قلب أوروبا. وحاولت تركيا إغراق أوروبا باللاجئين السوريين…

التقارب التركي – الروسي ليس خارج دائرة التوتّر بين تركيا والاتحاد الأوروبي. فبعد أزمة إسقاط الطائرة الحربية الروسية بنيران سلاح الجو التركي، يبدو ان أنقرة وموسكو تعملان على تطوير تحالف استراتيجي. العناصر الجيوسياسية لهذا التحالف كثيرة تبدأ في سوريا وتمتد الى البحر الأسود وبحر قزوين وآسيا الوسطى (حيث تعقد مؤتمرات آستانة). كما ان التقارب يصب في مصالح اقتصادية لكلا الطرفين، إذ إن حاجة تركيا حيوية للغاز الروسي. وتشكّل في الوقت ذاته معبراً جغرافياً مهماً له نحو أوروبا والعالم. لذلك فإن التقارب المستجدّ بين تركيا وروسيا يثير مخاوف أوروبية جيوسياسية جدّية.

توجّهات تركيا الإسلامية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية تثير مخاوف أوروبا التي ضربها “الإرهاب الإسلامي” (كما وصفه العديد من مسؤوليها). لقد أصبح واضحاً ان تركيا تتجّه أكثر فأكثر نحو نظام إسلامي. في مرحلة من المراحل حاول النظام الحالي تسويق نفسه كنموذج لنظام إسلامي معتدل بخاصة مع صعود التيارات السلفية الجهادية وبعد سقوط العديد من الأنظمة في العالم العربي. وقد دعمته إدارة باراك أوباما. ولكنه انكشف في ما بعد بأنه نظام إسلامي متشدد ينبثق عن جماعة الإخوان المسلمين التي تشكّل عقيدتها الدينية المرجع العقائدي للسلفية الجهادية في العالم الإسلامي اليوم.

خشية الاتحاد الأوروبي من تحوّل تركيا الى ديكتاتورية على الطريقة “البوتينية” بعد إقرار التعديلات الدستورية هو أيضاً في خلفية الأزمة الناشبة حالياً. حينذاك سيصعب توقّع سياساتها في العوالم الجيوسياسية المحيطة بها. ما يهدّد أمن اوروبا ومصالحها في تلك العوالم المشتركة مثل الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، ومنطقة البحر المتوسط. وللتذكير فإن الأزمة الأخيرة بين الطرفين بدأت بعد “انقلاب” أنقرة على الدستور إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016. حينها وجّه مسؤولون أوروبيون انتقادات لاذعة لم تستسغها أنقرة. وردّت هذه الأخيرة بانتقادات للديموقراطيات الأوروبية.

هل هذا يعني ان “الطلاق” واقع بين تركيا والاتحاد الأوروبي؟ بالطبع لا. فالمصالح بين الطرفين أبعد من ان تتحوّل العلاقات الى عداء أو قطيعة أقلّه في المدى القريب. وأبرزها:

أولاً، المصالح الاقتصادية المشتركة. فالاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي الأول لتركيا. وهذه الأخيرة تشكّل الشريك الاقتصادي الخامس للاتحاد. في العام 2014، بلغ حجم الصادرات التركية الى الاتحاد 50 مليار يورو، وحجم صادرات الاتحاد الى تركيا 75 مليار يورو. ما ساهم في تطوير حركة التبادل التجاري، إضافة الى التجاور الجغرافي، اتفاقية وحدة الضريبة التي بدأ العمل بها في العام 1995. كما يشكّل السياح الأوروبيون أكثر من 50 في المئة من عدد السياح الذين يزورون تركيا سنوياً.

ثانياً، مسألة اللاجئين السوريين. في 18 آذار 2016 وقّع الطرفان اتفاقية تتعلّق باللجوء الى دول الاتحاد الأوروبي. تعهّدت بموجبها تركيا ضبط حدودها البحرية والبرية لعدم عبور اللاجئين الى اليونان ومنها الى أوروبا، مقابل حصولها على 3 مليارات يورو. وقّع الاتحاد الأوربي هذا الاتفاق تحت ضغط النزوح السوري الذي أدى الى خلاف كبير في أوروبا والى سجالات داخلية حول السياسات الواجب اعتمادها تجاه اللاجئين والعمالة الأجنبية وغيرها من المواضيع. وقد احتدمت تلك السجالات بعد موجات الإرهاب التي ضربت فرنسا وألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي لتصبح اليوم جزءًا من الخطابات في الحملات الانتخابية التي تجري في تلك الدول.

ثالثاً، ان الطرفين أعضاء في حلف الأطلسي. وإذا ما تدهورت العلاقات ستتدخل الولايات المتحدة الأميركية لرأب الصدع، بخاصة وان الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت على لسان رئيسها ووزير خارجيتها أنها ستعمل على استعادة العلاقات التاريخية مع الحلفاء الاستراتيجيين. وتأتي تركيا والاتحاد الأوروبي في مقدّمة هؤلاء.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن الأزمة المستعرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي أغراضها انتخابية لتجييش الرأي العام التركي مع نظام أردوغان والحصول على أصوات الجاليات في الخارج في الاستفتاء المقبل. ولكن أسبابها عميقة. ويمكن ان تكون تداعياتها استراتيجية. فيبدو ان الثقة مفقودة بين الطرفين. والتحوّل التركي الداخلي (دستورياً) والإقليمي والدولي (تجاه روسيا) يثير مخاوف أوروبا. فإلى ماذا ستؤدي هذه الأزمة الحالية؟ الأشهر او السنوات المقبلة ستعطينا الجواب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل