أبعاد التدخل الأميركي المباشر في الشمال السوري: موقع تفضيلي للأكراد ومناطق حكم ذاتي

خاص المسيرة من واشنطن – العدد1602:

لخص مسؤولون أميركيون كبار الوضع في الشرق الأوسط لا سيما في ضوء الحرب على تنظيم “داعش”، والنزاع السوري وفق الآتي: التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط صعبة ومعقدة، ومع ذلك وفي ظل التوجهات الجديدة لإدارة الرئيس دونالد ترامب تتوفر فرصة لرسم مسار جديد ومختلف. واغتنام هذه الفرصة يتطلب أكثر من مجرد خطة لهزيمة متسارعة لتنظيم “داعش”. الولايات المتحدة يجب أن تخطط منذ اليوم لأبعد من المعركة التكتيكية والعملانية على الأرض، والبدء في الإجابة على بعض الأسئلة الاستراتيجية الأساسية ولكنها صعبة. منها حول طبيعة الأهداف الدائمة التي تنوي تحقيقها في منطقة الشرق الأوسط؟ كيف سنحقق تلك الأهداف؟ ووفق أي جدول زمني؟ وبأي ثمن؟

يعتبر المسؤولون الأميركيون أن الخطط العسكرية بين مختلف المجموعات في شمال سوريا ستؤدي في نهاية المطاف إلى إنجاز معركة الرقة وطرد تنظيم “داعش” منها، ولكنهم يشيرون إلى أنه كلما إقترب ذلك اليوم، فإن التحديات تبقى ماثلة لجهة كيفية وضع حد للنزاع السوري، وبالتالي العمل على تحديد واضح وصريح للإستراتيجية التي يجب أن تتبع لتحقيق الانتقال السياسي في سوريا، والبحث جدياً هذه المرة على عكس ما كان يحصل في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بمستقبل رأس النظام السوري بشار الأسد بل وبمصير نظامه أيضاً، على أن مقاربة هذه المسألة تشمل أيضاً بحث مصير الأكراد في سوريا؟ وتأثير قوى التطرف المزدوجة إن من الإرهابيين السنة، أو من الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران.

ويؤكد المسؤولون ذاتهم أن خطة الولايات المتحدة يجب أن تشمل مكافحة التأثير الضار من إيران وميليشياتها حيث كان لافتاً ما أعلنه في هذا السياق قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزف فوتل خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس من أن إيران تمثل التهديد الأكبر والطويل المدى على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط حيث أن طهران تسعى إلى السيطرة على منطقة الشرق الأوسط من خلال تقويض الاستقرار في هذه المنطقة.

خطة مواجهة “داعش”

بعدما رفعت وزارة الدفاع الأميركية إلى الرئيس دونالد ترامب خطة تسريع القضاء على تنظيم “داعش”، بدأت الإدارة الأميركية درس اقتراح عملي يقضي بنشر ما يصل إلى ألف جندي أميركي في الكويت كقوة احتياطية في الحرب على هذا التنظيم في سوريا والعراق. وهذه الزيادة في عدد الجنود ستتيح للقادة الأميركيين على الأرض قدرا أكبر من المرونة للاستجابة بسرعة للفرص التي قد تسنح فجأة والتحديات التي قد تطرأ في ساحة المعركة. وتشير المصادر الأميركية إلى أن تركيز القوة وترابطها في الكويت يجعل بالإمكان تحريكها بسرعة أكبر حيث يوجد اليوم نحو ستة الآف جندي جندي أميركي في العراق يتركز نشاطهم في الأساس على دور استشاري.

ويشكل قرار زيادة القوات على الأرض خارج الولايات المتحدة في موازاة زيادة عدد عناصر القوات الخاصة إن في العراق وسوريا، أول تغيير واضح في سياسة الإدارة الأميركية مقارنة مع كان مطبقاً في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وهو سيترك للقادة الميدانيين القرار النهائي في نقل بعض هؤلاء الجنود الاحتياطيين المرابطين في الكويت إلى سوريا أو العراق. والإستراتيجية الجديدة التي وضعتها إدارة الرئيس ترامب تختلف أيضاً عما كانت تفعله إدارة أوباما التي كانت تتدخل في إدارة الشؤون الدقيقة حتى أدق التفاصيل التكتيكية في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية وتدلي برأيها في استخدام طائرات الهليكوبتر أو نقل أعداد صغيرة من أفراد القوات الأميركية. وكانت إدارة أوباما قد فرضت كذلك قيودا على نشر القوات الأميركية التي يتم تعديلها تصاعديا وهي استراتيجية تهدف لتفادي خروج الجيش على أهداف المهمة الموكلة إليه والحيلولة دون حدوث تحركات عسكرية قد تبدو ملائمة في ساحة القتال لكن قد تأتي بنتائج عكسية على المستوى الدبلوماسي أو السياسي.

معركة الرقة وضبط منبج

ربما تدفع الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا الرئيس ترامب إلى سلسلة خيارات حاسمة قد تفرضها وقائع المعركة على الأرض، مع تفضيل سيناريو إدارة المعركة مع المجموعة الحليفة للولايات المتحدة وهي قوات سوريا الديمقراطية، وجعل الدور التركي في المواقع الخلفية.

وقد شكل وصول مئات من عناصر مشاة البحرية الاميركية إلى شمال سوريا قبل أسبوعين، بمثابة الترجمة العملية لتغيير الخطط العسكرية، وسيعمل هؤلاء الجنود على إقامة قاعدة يطلقون منها عمليات دعمهم للوحدات المحلية التي ستتولى طرد تنظيم “داعش” من الرقة، وتكشف المعلومات أن عديد القوة الجديدة بلغ نحو أربعمئة عنصر يضافون إلى الخمسمئة الموجودين حالياً في المنطقة، على أن وجودهم سيكون تحت وضع” الانتشار الموقت للقوات” وكل ذلك يهدف إلى التعجيل في هزيمة “داعش” في معقله السوري في مدينة الرقة.

ووفقاً للمعلومات فإن هذه القوات الإضافية سوف تعمل مع من تصفهم الولايات المتحدة بالشركاء المحليين في سوريا ومنهم قوات سوريا الديمقراطية والتحالف العربي السوري لمساعدتهم وتقديم المشورة العسكرية لهم، إلا أن الشيء الحاسم هو أنه لن يكون لهذه القوات دور في الخطوط الأمامية .ولهذا السبب فإن القوات الأميركية الجديدة في سوريا ستنفذ خطة تقضي بنشر بطاريات مدفعية ثقيلة من أجل أن تتولى دعم القوات المحلية، وهذه القوة هي من فرقة مشاة البحرية الأميركية الحادية عشرة، وتتضمن وحدة مدفعية متخصصة بمدافع من عيار 155، ومدافع هاوتزر من عيار أم 777، وبحسب المعلومات فإن حدود انتشار القوة الأميركية بما فيها مواقع مدفعيتها سيبقى ضمن حدود عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً من خطوط المواجهة مع مدينة الرقة، وستحرص القوات الأميركية على البقاء ضمن هذه الحدود لكي تضمن أن يصل مدى مدفعيتها إلى عمق الأهداف التي ستضربها في مدينة الرقة.

وقد سبق قرار نشر الوحدة المدفعية الأميركية في الشمال السوري رصد ثماني آليات عسكرية مدرعة أميركية تنقل جنوداً في نطاق مدينة منبج السورية حيث إضطرت الولايات المتحدة لنشر هذه القوة لضمان عدم وقوع إشتباكات بين الفصائل السورية المعارضة والعمل فقط على تركيز جهود المعركة ضدّ تنظيم “داعش”، حيث أنه منذ إخراج هذا التنظيم والجماعات الإرهابية من منطقة الباب السورية التي كانت معقلا لهم، تركز القتال على قرى غربي منبج مما جعل مقاتلي المعارضة المدعومين من تركيا في مواجهة مجلس منبج العسكري وهو جزء من قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تضم وحدات حماية الشعب الكردية.

التباين مع تركيا

وجاء قرار نشر القوات الإضافية في الشمال السوري، إضافة إلى تسيير دوريات مباشرة لضبط الوضع في منبج، ليكشف بوضوح حجم التباين الأميركي التركي حول كيفية إدارة المعركة في هذا الجزء من سوريا، مع القلق التركي الدائم من تعاظم دور الأكراد ودعم الولايات المتحدة المباشر لهم.

وظهرت أهداف متباينة للجانبين الأميركي والتركي بوضوح في منبج حيث أبلغت أنقرة واشنطن خلال الاجتماع العسكري الأخير في أنطاليا بين رؤساء أركان الجيوش الأميركية والروسية والتركية، الحساسية التركية من وجود الجماعات الكردية المسلحة في مدينة منبج التي تعتبرها أنقره النقطة التالية في إقامة منطقة آمنة تخلو من النفوذ الكردي غربي نهر الفرات.

وفي حين تحرص واشنطن على دور تركيا في التحالف الدولي ضدّ تنظيم “داعش” ومن منطلق أن تركيا دولة عضو في حلف شمالي الأطلسي إلا أن التباين السياسي بين الدولتين لا سيما في ظل عدم رضى واشنطن على أداء النظام الحالي في تركيا، دفع بالولايات المتحدة حتى في ظل الإدارة السابقة إلى فتح خطوط التواصل والدعم على أشكاله مع الأكراد، إنطلاقاً من نظرة الأميركيين لدور الأكراد الإستراتيجي في رسم خريطة المنطقة في المستقبل.

إلا أن تركيا تأمل أن تضطر واشنطن للاعتماد على دعمها بطريقة أو بأخرى في الهجوم النهائي على الرقة ووفقا لتصور طرحته تركيا على الولايات المتحدة فإنها إقترحت خطة للهجوم على الرقة تتضمن نشر قوات تركية خاصة إلى جانب قوات أميركية خاصة وجماعات الجيش السوري الحر والوحدات العربية في قوات سوريا الديمقراطية وقوات كردية عراقية.

غير أن مثل تلك الخطة تحتاج لتفادي العداء بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الجيش السوري الحر التي سبق أن تقاتلت في شمال سوريا من حين لآخر منذ أكثر من عام وكذلك العداء بين الجماعات الكردية الرئيسية السورية والعراقية. وبينما تعمّدت تركيا القول إن الاجتماع العسكري في أنطاليا ناقش بالتفصيل كيفية شنّ معركة أكثر فعالية ضدّ تنظيم “داعش” والتنظيمات الإرهابية، سارعت وزارة الدفاع الأميركية إلى نفي هذا الأمر وأعلنت صراحة أن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزف دانفورد لم يبلغ نظيره التركي بأي قرار في شأن هجوم الرقة.

تصاعد دور الأكراد

في ضوء كل هذه المعطيات يبدو واضحاً أن تركيا فقدت زخمها في الحرب الدائرة للسيطرة على شمال سوريا مع اعتماد الولايات المتحدة على حلفائها الأكراد في الهجوم على الرقة معقل تنظيم الدولة الإسلامية، وبات الأكراد السوريون متأكدين من أن واشنطن تقف خلفهم وتدعمهم بثبات أكبر من ذي قبل، وهذا الأمر رفع من منسوب القلق لدى تركيا، التي تخشى من أن يتيح تطور العلاقة بين الولايات والأكراد إلى تقوية طموحاتهم في نهاية الأمر لنيل الحكم الذاتي بعد سنوات من اضطهاد النظام السوري لهم وووقوف تركيا ضدّهم لأنها لم تغير موقفها من تصنيف هذه الجماعات الكردية بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا على الأرض التركية منذ أكثر من ثلاثين عاما. ويشير مراقبون إلى أن أنقرة لم تستطع فرض وجهة نظرها وقرارها في شمال سوريا وفشلت فشلاً ذريعاً في إقناع واشنطن بالتخلي عن حلفائها الأكراد وتحويل الدعم لجماعات الجيش السوري الحر من أجل شن الهجوم النهائي على الرقة المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.

ودافعت الولايات المتحدة بقوة وبشكل غير معتاد عن وحدات حماية الشعب وأكدت أنها لم تجد أي دليل يربط هذه الوحدات بهجمات على تركيا، ولذلك قرّرت الولايات المتحدة المضي قدُماً في دعم وحدات حماية الشعب بدلاً من الموافقة على دعوة أنقرة لها لدعم المعارضة السورية التي درَّبتها تركيا وقادت الحرب على التنظيم في العام الأخير. وبخلاف الجيب الذي تسيطر عليه تركيا على الأرض تسيطر وحدات حماية الشعب وجناحها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق في شمال سوريا حتى الحدود مع العراق. وتسيطر على ركن في الشمال الغربي لسوريا على الحدود التركية.

 

ويراهن الأكراد على دعم سياسي أميركي في نهاية المطاف لا سيما بعد مرحلة القضاء على الجماعات الإرهابية في سوريا ونجاح الجهود الجارية لبدء الحلّ السياسي للنزاع في سوريا، وفي حين لم تشأ واشنطن الإعلان صراحة عن دعمها لأي سنياريوهات قد تسمح بفرض خريطة جديدة للمنطقة قد تفرز كيانات جديدة على كتف شبه الدول القائمة في العراق وسوريا، إلا أن الخطط المستقبلة قد تتضمن بحسب مراقبين، رسماً جديداً يقود إلى اتحادات فدرالية قائمة على أساس تقسيم جغرافي لا مركزي يضمن حدود الدول الحالية، ولكنه يسمح بالمناطق ذات الكثافة العرقية الواحدة مثل مناطق الأكراد في سوريا والسنة في العراق بإدارة أنفسهم ذاتياً من ضمن مفهوم “الحكم الذاتي الإداري البحت” من دون الوصول إلى إعلان إستقلالهم الذاتي أو انفصالهم إلى حدود دول أخرى، ولكن بحسب مراقبين فإن مثل هذا السيناريو قد لا يأخذ طريقه للتنفيذ إلا في المدى المتوسط أو البعيد إلى حين إتضاح المعركة القائمة ضدّ التطرفين السني والشيعي في المنطقة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل