سُبُلُ المواجهة

تزداد الهجمة الشّرسة على العهد الجديد يومًا بعد يومٍ وذلك من خلال جبهات مختلفة، ليس أوّلها قانون الإنتخاب والتّعيينات الأمنيّة وصولا حتّى الملفّ الإقتصادي في ظلّ عجزٍ للخزينة بلغ 10%، وهذه مسألة غير مقبولة في أدنى المعايير العالميّة. من دون إغفال الدّور الذي اطّلع به الشّارع بكلّ ما يعنيه من عدم القدرة على السّيطرة على كلّ تحرّكاته وغوغائيّته والشّعبويّة التي قد تعمل بعض الأطراف على الإستفادة منها لتعزيز قواعدها المتهاوية، مع الأخذ بعين الإعتبار وجود مستغلّين وطوابير خامسة في كلّ لحظة.

من هذا المنطلق نقارب الوضع اليوم على السّاحة الوطنيّة. صحيح أنّ المزيد من الضّرائب في أيّ بلد كان، هي مسألة مرفوضة من قبل النّاس. لكن الوضع في لبنان يختلف قليلا لأنّ الشّعب يطالب بحقّه في إقرار سلسلة رتبٍ ورواتب مفروض عليها أن تعيد عجلة الإقتصاد إلى الدّوران أمامًا؛ لكن المفارقة ستكون واضحة في بلد أجهزة الرّقابة فيه غير معزّزة، لا بل أكثر من ذلك، الجهة التي يفترض أن تراقب، ملوّثة بالتجاوزات والفساد. مطلوب حصر النّفقات لا زيادتها، لكن الإشكاليّة الكبرى تكمن في طبيعة النّظام الذي قام على المحاصصة. فهل سيستطيع هذا النّظام أن يحصر نفقاته؟ هل سيتمكن من أثقل الدّولة بموظّفين متعاقدين، وأحيانًا مثبّتين، خارج معيار الكفاءة والحاجة، أن يقيل هؤلاء؟

هذه ثّوابت نعيشها ولكن كما يوجد جهات رعت الفساد ولطّخت بياض سجلّاتها بسجلّاته منذ العام 1990 إلى حينه، كذلك يوجد جهات، وأبرزها “القوّات اللبنانيّة”، إن شاركت يومًا في الحكم، فنظافة سجلّاتها كفيلة بأن تُعتبر محارِبة الفساد الأولى. وهذه المسألة لا فضل لنا بالشّهادة فيها، يكفي أن نسمع شهادات الخصوم والأعداء قبل الحلفاء، وما المشاريع التي قدّمتها “القوّات” لتمويل السلسلة من ملف خصخصة إنتاج الكهرباء سوى الطّرح التطبيقي الذي رافق حملتها على الفساد ومن يريد العمل بالهدوء والجديّة لا بالضّجيج والعشوائيّة فهو مرحّب به أيًّا يكن. أمّا كلّ اولئك الذين يأخذون القرقعة وسيلة لإثبات حضورهم، فعندما يخفت هذا الضّجيج سيزولون حتمًا.

لا يزايدنّ أحدٌ على “القوّات” بموضوع قبول الضّرائب أو رفضها لأنّها حزب قائم على القواعد الشّعبيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، لذلك هي ضدّ الضرائب ومع حريّة التّعبير شرط ألا تتخذ ذريعة لتطيير الإستقرار في البلد، ممّا سيدفع حتمًا إلى تطيير التّوافق الذي بدأ يلوح في الأفق حول قانون انتخابيٍّ كانت “القوّات اللبنانيّة” قد أرست قواعده ووضعت خارطة طريقه.

ولا يأخذنّ أحدٌ قانون الإنتخاب حجّة لترحيل السلسلة وتثبيت الضّرائب التي تمّ إقرار الجزء الأكبر منها بغرض تغطية المزيد والمزيد من الفساد. فللمواطنين حقوق وواجبات على دولتهم، ومن واجبهم احترام الدّولة والرّؤوساء فيها حتّى لو اختلفوا معهم في الآراء والطروحات. فمشهد وجود رئيس الحكومة أمام المتظاهرين يحاورهم، إنّما لهو قمّة في الحضارة والأخلاق، فيما ردّة الفعل التي قوبل بها دولة الرّئيس سعد الحريري والقوى الأمنيّة فهي مسألة مدانة ومرفوضة.

لذلك يجب أن يعي الكلّ خطورة المرحلة التي نواجهها محليًا وإقليميًّا وحتّى عالميًّا. فالدين العام وخدمته في تزايدٍ، لذلك المطلوب اليوم خطوات جريئة من العهد، والمطلوب من القوى السياسيّة التي تحمي الفساد سواء بالغطاء السياسي أو بغطاء السلاح غير الشّرعي، أن تزيل هذا الغطاء. كذلك المطلوب أيضًا تفعيل دور القضاء وكلّ أجهزة الرّقابة لضبط كلّ أشكال التّفلّت والرّفع العشوائيّ للأسعار بالإضافة إلى ضبط التّهرّب الضّريبي، الذي بات على لسان الأطفال، مطلوب ايضاً خطوة جريئة من الدّولة في ملف تنظيم اللاجئين والعمالة الأجنبيّة التي باتت تشكّل احتلالا مقنّعًا طاول البشر والحجر.

أمّا إقليميًّا، فتتحرّك إسرائيل وتصطاد قوافل الأسلحة المنقولة من سوريا إلى لبنان لحزب الله تحت أنظار الرّوس الذين اعترفوا بأن الحزب في سوريا بات تحت سيطرتهم. فمن البديهي ألا تقبل روسيا بمن يواجه سياستها في سوريا لأنّها هي التي تدفع الأموال لتحقّق هدفها. والهدف الرّوسي يختلف تمامًا عن هدف “حزب الله” وحتّى النّظام السّوري. ويخطئ من يرى تقاطعًا في الأهداف. فضلا عن التّسريبات الأخيرة عن ضرب صاروخ بركان 2 من اليمن من قبل الحوثيّين على قاعدة الملك سلمان في الرّياض وتحطّم 20 طائرة F15 ومقتل ما لا يقلّ عن 80 عسكري سعوديّ بحسب قناة الميادين.

كذلك لا نستطيع إغفال البداية التي انطلق منها ترامب الرّئيس الجديد للولايات المتّحدة الأميركيّة، فيكفي أن نقرأ توجّهه في خفض موازنة الخارجيّة وزيادة ميزانية الدفاع والأمن الداخلي كذلك بخفض المبالغ التي تدفعها دولته لدعم وتمويل مهمات حفظ الأمن في منظّمة الأمم المتّحدة، من دون الإغفال بأنّ حجم الدخل القومي الأميركي 22 % من الدّخل القومي العالمي، ممّا ينذر بتغيير جذريّ في السياسة الأميركيّة الدّاخليّة، ولا سيّما الخارجيّة، حيث ستتأجّج المناطق السّاخنة في العالم، ولعلّ أسخنها منطقة الشّرق الأوسط.

لذلك كلّه علينا الإستعداد لعالم أقلّ استقرارًا، ويجب العمل على تثبيت الإستقرار أكثر في لبنان، وأوّل الغيث الإستقرارين الإقتصادي والأمنيّ، ومن ثمّ العمل على تقوية الدّولة من خلال ركون جميع الفرقاء في لبنان وخارجه إلى كنفها وحدها، كذلك وتخلّيهم عن كلّ العقائد التي تخرج عن عقيدة الوطن. ماذا وإلا فسيصيبنا ما قد يصيب المنطقة، وعندها البكاء وصرير الأسنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل