
من خلف “الغبار” السياسي الكثيف الذي أحدثه الحِراك الاعتراضي في الشارع على سلّة الضرائب الجديدة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، أطلّ من المقرّ الرئاسي اللبناني في قصر بعبدا امس إعلانٌ جاء بمثابة “وضْع الحجر على قبر” “قانون الستين” الانتخابي النافذ مع تأكيد وزير الداخلية نهاد المشنوق “أن لا إنتخابات من دون قانون جديد، وهذا بات أمراً واقعاً”.
وهذا الموقف الذي أعلنه المشنوق بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي رفض توقيع المرسوم الثاني الذي وجّه بموجبه وزير الداخلية (يوم السبت) دعوة للهيئات الناخبة لإنتخابات في 18 أيار المقبل، يعني السقوط الرسمي لآخر مهلة كانت ممكنة لإجراء الانتخابات بموجب “الستين” قبل انتهاء ولاية البرلمان في 20 حزيران.
وبـ”دفن الستين”، تكون “ورقة مناورة” رئيسية تهاوتْ في سياق لعبة “ليّ الأذرع” الدائرة لإقرار قانون إنتخاب جديد لم يعد من مفرّ منه في الأشهر الثلاثة المقبلة لتفادي مسألتين:
– الأولى فراغٌ في البرلمان من شأنه إدخال البلاد في نفقٍ خطير يمكن ان يضع مجمل النظام اللبناني على المحكّ وترفضه حتى إشعار آخر الطائفة الشيعية التي تمثّل رئاسة مجلس النواب حصّتها من “كعكة السلطة”.
– والثانية، تمديدٌ ثالث للبرلمان تُجمِع القوى السياسية على انها لا تريده إلا تقنياً الأمر الذي لا يَتحقق الا من ضمن قانون جديد يتضمّن في متنه “إطالة عمر” مجلس النواب لأشهر قليلة لزوم “التكيُّف” اللوجستي والإداري والإنتخابي.
ويعني “نعي” إمكان إجراء الإنتخابات قبل انتهاء ولاية البرلمان، دخول لبنان مرحلةً حدّد ملامحها بوضوح الثنائي الشيعي “حزب الله” ورئيس البرلمان نبيه بري اللذين رسما “خريطة أولويات” عنوانها “قانون الإنتخاب أولاً”، وصولاً الى رفْع الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله شعار “الوقت انتهى” محذّراً من مخاطر اللعب “على حافة الهاوية”.
وبدا واضحاً في بيروت ان “وهج” الشارع الذي تَحرّك الأحد، ويستعدّ لإعادة “الكرّة” غداً تحت عنوان رفْض تمويل سلسلة الرتب من “جيوب المواطنين”، صار بمثابة “الحديقة الخلفية” للمعركة حول قانون الإنتخاب انطلاقاً من نقطتين:
– الأولى، كلام بري عن ان ما يحصل على خلفية “السلسلة” هو “حملة منظّمة على مجلس النواب والهدف سياسي وهو تطيير قانون الإنتخاب والإنتخابات”.
– والثانية، إعتبار أوساط سياسية ان إرجاء “الثنائي الشيعي” ملف السلسلة الى نيسات (كما نُقل عن بري امس) هدفه ان يكون الشارع الغاضب على الضرائب أحد عناصر الضغط على القوى السياسية الأخرى لملاقاة هذا الثنائي على “السرعة الجديدة” التي اعتمدها لمسار قانون الانتخاب، ولجرّها الى تنازلاتٍ فيه بما يخدم رؤية “حزب الله” خصوصاً الى هذا القانون وتحديداً لجهة الرغبة في تحجيم خصومه وحفظ أوزان حلفائه ربْطاً بالانتخابات الرئاسية المقبلة وبمجمل مقاربته للتوازنات في البرلمان الجديد باعتبارها من “المفاتيح الرئيسية” في “لوحة التحكم” بالساحة اللبنانية ومساراتها الداخلية والخارجية.
واذ توقّفتْ هذه الأوساط السياسية عند خروج وزير المال علي حسن خليل يوم امس في مؤتمر صحافي مدافِعاً عن مكامن ضريبية لتمويل السلسلة “كانت محمية” سابقاً وتأكيده انه لم تتم إضافة اي بند ضريبي على المشروع الذي كان أُقر عام 2014 في الهيئة العامة، لفتت الى ان المشهد الذي ارتسم في الشارع اول من امس على تخوم السرايا الحكومية بدا مريحاً لخصوم رئيس الوزراء سعد الحريري الذي وجد نفسه “متروكاً” بعدما انكفأت غالبية القوى عن دعم مستلزمات تمويل السلسلة.
وحسب الأوساط نفسها، فإن الحريري بدا وكأنه يدفع ثمناً مزدوجاً لتصفية حسابات ينخرط فيها المتضررون من التسوية التي أنهت الفراغ الرئاسي وأعادته الى رئاسة الحكومة، كما لرغبة خصومه في وضعه بمواجهة الشارع وفي ان تنفجر “الهدية المفخخة” (السلسلة) بين يديه فيدخل الانتخابات النيابية “جريحاً”.
إلا ان نزول الحريري شخصياً الى الشارع ومحاولته محاورة المتظاهرين وجهاً لوجه في الساحة ومقابلته من بعضهم برشْقه بالزجاجات الفارغة والعصي (لم يصبه اي منها)، انقلبتْ لمصلحة هذا القيادي السياسي الشاب الذي ربما يكون الوحيد في لبنان الذي “تجرّأ” على ملاقاة متظاهرين “على الأرض”.
فلم يمرّ وقت طويل على مشهد التعرّض للحريري، حتى سادت الشارع الداعِم له غضبة تُرجمت بتحركاتِ دعم له على الأرض في مناطق عدة في بيروت والشمال، وسط ردودٍ مستنكرة رفضت المسّ بشخص الحريري او مقام رئاسة الحكومة وبينها من خصومه في الطائفة السنية ومنهم الوزير السابق أشرف ريفي، قبل ان يزوره امس في مشهد تَضامُني رؤساء الحكومة السابقين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام.
واذ كان الحريري، الذي يتوجّه اليوم الى القاهرة في اول زيارة للخارج منذ تسلمه رئاسة الحكومة حيث سيترأس الخميس الجانب اللبناني في الهيئة اللبنانية – المصرية العليا وسط معلومات عن انه سيلتقي غداً الرئيس عبد الفتاح السيسي، استقبل ليل الأحد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي عقد عصر أمس مؤتمراً صحافياً تناول قضية “السلسلة” و قانون الإنتخاب ، فإن “المرافعة” التي قدّمها أمين سر تكتل “التغيير والإصلاح” النائب إبراهيم كنعان رداً على الحملة ضدّ الإجراءات الضريبية لتمويل السلسلة (من ضمن المشروع الذي حُوّل قبل نحو 4 اعوام من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي) و”اللوائح المزّورة” التي تمّ ترويجها وما اعتبره “مسرحيات” لضرب السلسلة، عكست تحسُّس “التيار الحر” الأضرار التي يمكن ان تصيب عهد العماد ميشال عون جراء “لغم” السلسلة الذي يُمسكه بيدٍ، فيما اليد الأخرى تحاول “إلتقاط” مخرج لقانون الانتخاب الذي تكثّفت الاتصالات في شأنه وسط معلومات عن تقدُّم على طريق بحث الصيغة الأخيرة التي طرحها رئيس “التيار الحر” جبران باسيل (المختلط بين النسبي والأكثري)، تقابلها معلوماتٌ أخرى عن مسارٍ آخر موازٍ يبحث في النسبية الكاملة ودوائرها.