
كتبت “المسيرة” في عددها – 1602- من واشنطن: الانتخاب في بلاد الاغتراب
كسّاب: نرفض إعطاءنا مقاعد للمغتربين
الخوري: لقانون يضمن التمثيل الحقيقي
مهما بَعُدت المسافات وطال الزمن تبقى” نوستالجيا الحنين” إلى الوطن الأم تسري في روح اللبنانيين وعقولهم، ومهما إندمجوا في المجتمعات المهاجرة حيث هم وحققوا النجاحات الباهرة ووصلوا إلى أعلى المراكز في القطاع الرسمي والخاص، إلا أن رابط الانتماء إلى وطن الأرز، يبقى أقوى من أي انتماء آخر.
مجريات التاريخ تثبت أن الأحداث الأمنية المتلاحقة التي مر بها لبنان عبر تاريخه شكلت مفصلاً أساسياً في مراحل الهجرة اللبنانية•
وعلى الرغم من عوامل الهجرة، وظروف العيش في أوطان الانتشار في معظم القارات، انخرط المغتربون منذ إستقلال لبنان وحتى اليوم في الحياة السياسية اللبنانية من وراء البحار ودعموا قضية لبنان المحقة في كل المحافل الدولية، وأسسوا الجمعيات والمنظمات السياسية والثقافية التي سمحت لهم بحشد طاقاتهم دعماً للوطن الأم.
ولهذه الأسباب فإن المغتربين باتوا اليوم ينتظرون أن يشاركوا ترشيحاً واقتراعاً في الاستحقاق الانتخابي في وطنهم الأم، وهو حق حُرموا منه بسبب عدم وضع الآليات القانونية والتنفيذية لذلك منذ حكومات الإستقلال وحتى اليوم.
فما هي مطالب اللبنانيين في الانتشار من قانون الانتخاب على قاعدة تأمين مشاركتهم في العملية الانتخابية ترشيحاً وإقتراعاً ؟

الياس كساب
يقول الرئيس العالمي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم الياس كساب: “في خضم البحث عن قانون انتخابات جديد، خصوصاً مع بداية عهد الرئيس العماد ميشال عون، ورغبته بتمثيلٍ حقيقيٍّ للبنانيين، فلقد كثرت الاقتراحات وتعددت، وبتنا تائهين بين البقاء على قانون الستين أو وضع قانون إنتخابي يعتمد على النسبية الكاملة، وما بينهما من إقتراحات ومشروعات، ونحن، كمغتربين، ومن واقعِ تمرسنا بالديمقراطية في بلاد الإقامة، نشعر بالمرارةِ المشوبةِ بالخيبةِ أحياناً، وبالخوف على لبنان أحياناً أخرى، فكأنّٓ سنوات الحرب والوصايةِ العجاف لم تنضجنا كفاية بعد”.
ورأى كساب، أن “قانون الانتخاب ليس مجرّد آليّة لتأمين وصول نوّاب إلى البرلمان، بل أضحى حاجة مُلحّة لتأمين التوازن الوطني، عبر التمثيل الصحيح على أساس المناصفة التي أقرّها الطائف. إن استعادة الجنسية للمتحدرين، واقتراع المغتربين، كمًّا ونوعًا، هو الذي يعيد هذا التوازن، ويؤمن صحّة التمثيل، فينتفي الشعور بالغبن لدى كل الطوائف، ونضيف إلى ديمقراطيتنا الفريدة في الشرق، على الرغم من شوائبها، بعداً جديداً وأملاً بغد مستقر”.
ويقول كساب إن المهاجرين اللبنانيين، في موجات هجرتهم العديدة، القديمة منها، والحديثة، بالقهر، والجهد، والنضال، بالتعب والعلم والعمل الدؤوب، بنوا للبنان في كل معقل ملاذاً، وبالتالي فإنهم يستحقون أن يحصلوا على الحقوق، وعلى رأسها حقهم في الاقتراع”..
المهاجرون بين العولمة والتقنيات الحديثة
ويلفت كساب النظر أنه “بعد العولمة والتقنيات الحديثة، وتقريب المسافات، أصبح المهاجرون في قلب الحدث، يتابعون لحظةً بلحظة ما يجري في الوطن الأم، في الإعلام، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأضحوا قادرين على التحليل والاستشراف، وإبداء الرأي بحرية، حتى أكثر من المقيمين، ومنهم المنخرط بالأحزاب اللبنانية، والمؤيد للتيارات السياسية في لبنان، أو المنتقد لأداء السياسيين فيه، وبالتالي يمكن القول إن المهاجرين لم يعودوا مغتربين، بل لبنانيين عاملين في الخارج، وهم أصبحوا مؤهلين لممارسة حقهم بالاقتراع، وواجبهم بالمساءلة”.
وأوضح كساب أن “اللبنانيين في بلدان الانتشار قسمان، القسم الأول ممن يحملون الجنسية اللبنانية، وبالتالي فإن لهؤلاء الحق الدستوري في ممارسة حقهم في الاقتراع في الخارج، في السفارات والقنصليات، وإذا لزم الأمر، يمكن الاستعانة بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية التي تراقب الانتخابات لديمقراطيةٍ أفضل، وأن يكون الشرط الوحيد لممارسة هذا الحق إثبات الجنسية من دون أي شروط أخرى معتمدة حاليّاً، وخصوصًا الإلزام بالتسجيل الرسمي، فحمل الجنسية يكفي، وإن المكننة والتقنيات الحديثة يجب أن تكون كفيلةً بتأمين ذلك على نحو قانوني لا تشوبه شائبة.

إستعادة الجنسية
أما بالنسبة للقسم الثاني من اللبنانيين فلفت كساب إلى أنهم الغالبية العظمى من ملايين اللبنانيين في الخارج ولكنهم خسروا جنسيتهم بسبب تلكؤ الإدارة “العثمانية” في الدولة اللبنانية. وعلى هذا الأساس يشير كساب إلى نقطة مهمة، فيقول إنه مع تقديرنا لمساعي جميع الذين ساهموا في إقرار قانون استعادة الجنسية، ومبادرة كل المؤسسات والجمعيات المشجعة للمهاجرين على تقديم الطلبات الرسمية للمتحدرين، ودعم وزير الخارجية والمغتربين في زياراته لبلدان الإقامة، إلا أن هذه الخطوات تبقى مقصرة في تسهيل معاملات استعادة الجنسية لأنّ الإدارة بطيئة، بل فاسدة، ولا تعتمد التقنيات الحديثة، مما يدفع المهاجرين إلى التوجس والتلكؤ مخافة تعرضهم لعمليات احتيال ونصب. وبما أنَّ المكننة والتقنيات الحديثة ضرورية لتسهيل وتعجيل معاملات استعادة الجنسية، فإننا كمغتربين، مستعدون لتقديم الإخصائيين في هذا المجال”.
ماذا عن مقاعد المغتربين؟
ورداً على سؤال حول المعلومات التي تحدثت عن إعطاء المغتربين حصةً نيابية تراوح بين ست مقاعد واثني عشر مقعداً، موزعة طائفيّاً، وعلى القارات، قال كساب إنه “إذا كان المعيار هو عدد اللبنانيين، وهذا هو المفترض ديمقراطيّاً، فيحق لنا بضعف عدد النواب المقيمين. أما إذا كان ذلك جائزة ترضية للمغتربين، فنحن نرجو أن تُبعد عنا هذه الكأس لأننا لا نريد أن تنسحب الصراعات السياسية اللبنانية على الاغتراب”.
ويضيف كساب: “إنّ اللبنانيين المهاجرين تمرسوا بالديمقراطية في بلدان الإقامة، وسوف يشعرون بالإحراج، إن لم نقل بالخجل، لأن يفرض عليهم الاختيار بناء للتوزيع الطائفي، ولذلك لا بد من المطالبة بأن يقترع اللبنانيون في الخارج أسوة بالكنديين أو الأميركيين، بل أسوةً بالجاليات العربية، في القنصليات والسفارات اللبنانية”.
ويتابع كساب أنه بهذه الطريقة من الإقتراع فإن، أصوات المغتربين تصب في مدنهم، وقراهم، وأقضيتهم، ومحافظاتهم، وفي أرض لبنان، مشيراً إلى أن صوت المغترب، المتمرس بالديمقراطية، هو الصوت الذي سيعكس على الديمقراطية اللبنانية صدقاً، وقوةً، بعيداً عن الضغوط، وعن الترغيب والترهيب، بحيث يؤدي ذلك إلى تصحيح المسار الديمقراطي، ويتمكن المقيمون والمغتربون، من إعادة التوازن إلى البلد ويؤدي إلى إحقاق الحق بتمثيل صحيح وإحلال السلام.
ورداً على سؤال حول هذه المسألة يشدد كساب على ان ما قرأناه عن وجود إقتراح بإعطاء المغتربين ستة مقاعد لا يمكن تطبيقه عملياً لأسباب عدة مشيراً في هذا السياق إلى الصعوبات التي إعترضت عملية إستعادة الجنسية، فضلاً عن أن فتح أي قلم إنتخابي في أي سفارة أو قنصلية في الخارج يستلزم وجود مئتين وخمسين ناخبًا، فلنفترض أن هذا العدد لم يتأمن لكي يصار إلى إعتماد القلم الانتخابي، عندها يبقى الناخب المغترب في عداد أصوات الذي يصوتون في الخارج من دون أن يتمكن من التصويت”.

سامي الخوري
أما رئيس الاتحاد الماروني العالمي سامي الخوري فيرى أن “النظام السياسي في لبنان شكل على الدوام نظاماً سياسياً فريداً، لأنه النظام الأمثل لإدارة الحكم في لبنان، ولفت إلى أنه لا بد للجميع أن ينتبه إلى أن لبنان الوطن والكيان قام على قاعدة الاعتراف بتعدديته السياسية والدينية والاجتماعية”.
وأضاف “على هذا الأساس إننا لن نسمح بأن تدخل إلى الوطن اللبناني أي صيغة أخرى غريبة لأنه قبل كل شيء فإن هذا الكيان المنيع سيلفظها من تلقاء نفسه، ويجب على جميع القوى المؤمنة باستقلال لبنان أن توحد جهودها للدفاع عن لبنان في ظل ظروف المنطقة الحالية وبالتالي العمل على إنجاز الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري المحدد”.
وأضاف الخوري: “لا بدّ لنا من التأكيد على وجوب مقاربة استحقاق الانتخابات النيابية على قاعدة مرتكزات وطنية وسيادية بحتة يجري فيها تقديم مصلحة لبنان على أي مصلحة أخرى، وبالتالي يجب ضمان إجراء الانتخابات من ضمن خطة متكاملة من أجل ضمان ديمومة الوطن الأم وعدم ضياعه من جديد في متاهات سياسات المصالح ولعبة الأمم”. وعلى هذا الأساس قال الخوري إننا نطالب بما يلي:
“أولاً: حسم الموقف من شكل قانون الإنتخابات بشكل نهائي، لأنه مهما تعددت صيغ القانون الإنتخابي فإن الأمر الأساسي هو في الوصول إلى مجلس نيابي يمثل حقيقة كل فئات الشعب اللبناني خير تمثيل، وأنه لا بد اليوم من أن يكون لنا نواب يمثلون قاعدتهم الناخبة لا أن ينتخبوا بأصوات من لا يمثلونهم.
ثانياً: إن أي قانون انتخابي جديد يجب أن يتضمن حق المغتربين بالمشاركة في العملية السياسية ترشيحاً وإقتراعاً”.
تابع الخوري: “يؤكد الاتحاد الماروني العالمي أن للمغتربين الحق في من يمثلهم داخل المجلس النيابي اللبناني. من هنا فإن الدعوة ملحة لأن يلحظ أي قانون إنتخابي جديد ليس فقط حق اللبنانيين المنتشرين في كل أنحاء العالم بالمشاركة في العملية الإنتخابية بل أن يضمن القانون الإنتخابي وجود نواب من لبنانيي الانتشار تماماً كما هو معتمد في جميع الدول الديمقراطية”.
ولفت الخوري إلى إن أي قرار تصدره الحكومة في لبنان بضمان حق المغتربين بالتصويت في البلدان التي يقيمون فيها يجب أن يسبق ويترافق مع ضرورة إتمام الترتيبات اللوجستية لذلك عبر إنطلاق ورشة كبرى في كل السفارات اللبنانية بشكل واضح وكثيف من أجل العمل على تسجيل اللبنانيين الذين يحق لهم الترشيح والاقتراع لأن العمليات الأولى على هذا الصعيد سجلت تقدم عدد قليل من اللبنانيين للتسجيل في السفارات في الخارج مقارنة مع عدد الذين يحق لهم الإقتراع والذين يحتفظون بجنسية الوطن الأم”.
وقال رئيس الاتحاد الماروني العالمي: “إننا نحمل الحكومة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن عدم تطبيق هذا المبدأ القانوني وهو مبدأ حق لطالما حرم منه اللبنانيون في بلدان الإغتراب لسنين طوال، ونطالب كل المسؤولين بالتحرّك سريعاً من اجل تأمين تصويت اللبنانيين في الخارج حيث يقيمون”.
وختم الخوري حديثه بالقول إن الإنتخابات النيابية المقبلة تشكل الخط الفاصل والحاسم بين من يريد حقيقة بقاء الوطن كما عهدناه وطن السيادة والحرية والإستقلال وبين محاولات البعض جعل لبنان صندوقة بريد وساحة لصراعات الآخرين على أرضه. وهنا تكمن أهمية إقرار القانون الانتخابي بشكل نهائي وحاسم لضمان شرعية التمثيل الحقيقي داخل البرلمان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]