“إفتتاحية المسيرة” ــ العهد وعباءة “حزب الله”

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1603: 

لا تتوقف سلسلة الرسائل التي يوجهها “حزب الله” إلى العهد. ما لا يقوله الحزب مباشرة يسرّبه بالواسطة. والنتيجة أنه بعد أربعة اشهر من وصول الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا لم ينطلق العهد باستراتيجيته الواجبة لإعادة بناء السلطة ولا شك في أن قانون الإنتخابات هو المعبر الرئيسي نحو هذه الإستراتيجية من أجل إعادة التوازن إلى السلطة، ومن هنا يمكن فهم الآلية التي يعتمدها “حزب الله” وتمسكه بطرح النسبية الكاملة في دائرة واحدة لتعطيل كل الإقتراحات التي تؤدي إلى تصحيح الخلل على قاعدة إفهام العهد أنه لا يمكنه إلا أن يكون تحت عباءة أمينه العام السيد حسن نصرالله.

ربما بات من الممكن أكثر من السابق التأكيد أن “حزب الله” ما كان يريد وصول العماد عون إلى قصر بعبدا وأنه مشى في النهاية في هذا الخيار مضطرًا وعلى أمل أن يعطل العهد ويمنعه من الحكم ويحاول السيطرة على قراراته. ومن هنا بدا كأن العهد موضوع تحت المراقبة اللصيقة والتامة في كل تحركاته واتصالاته ومواقفه. ومن هنا أيضا يمكن قراءة المواقف اللصيقة بـ”حزب الله” التي تنتقد العهد وتحاول أن توجهه نحو خيارات محددة وتتهمه أحياناً بالإنحراف.

رسائل كثيرة وجهت إلى رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل في محاولة للفصل بينه وبين الرئيس وعلى أساس أنه يمثل التيار، ولكن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد بحيث ذهبت الرسائل إلى الرئيس مباشرة على قاعدة “إنتبه… ولا تقع في التجربة ونحن الذين نحكم البلد ونتحكم به..”

الرسائل الموجهة بانت معالمها الأولى في عملية تشكيل الحكومة وتظهّرت أكثر مع الإقتراب من موضوع قانون الإنتخابات وتهديد الرئيس عون بأنه يفضل الفراغ على التمديد للمجلس النيابي وعلى قانون الستين.

ماذا فعل “حزب الله” عند تشكيل الحكومة؟ حاول أن يفرض شروطه على الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري من خلال التمسك بتمثيل حلفائه خصوصا “تيار المردة” و”الحزب السوري القومي الإجتماعي”. كانت الحجة منع “القوات اللبنانية” من الإستئثار بحصة وازنة داخل الحكومة ومن أن تكون شريكة في القرار مع العهد على قاعدة تفاهم معراب الذي فتح الطريق أمام العماد عون نحو قصر بعبدا وأحرج “حزب الله” الذي لم يعد بإمكانه تبرير تهربه من انتخابه رئيسًا للجمهورية. وكانت العقدة التي استغلها الحزب هي أن العهد لا يمكنه أن يغرق في عملية تشكيل الحكومة وأن التأخير ليس في مصلحته ولا يمكن أن يبدأ ضعيفا. فإذا كان عون في بعبدا مشكلة فإن عون مع سعد الحريري في السراي مشكلة أكبر ومع وجود سمير جعجع بين القصر وبيت الوسط تصبح اللعبة خطيرة لا يمكن أن يتهاون فيها الحزب.

أو تقبل بشروطنا أو لا حكومة. اعتبر الرئيس عون أن حكومة العهد الأولى هي التي ستتشكل بعد الإنتخابات النيابية فكانت حكومة الرئيس سعد الحريري على أساس أن تكون الخطوة التالية السياسية في الذهاب نحو قانون انتخابات جديد يؤمن صحة التمثيل ويشكل انطلاقة حقيقية من أجل إعادة التوازن إلى الدولة وإعادة بناء المؤسسات. ولكن ما ظهر بعد أربعة أشهر من عمر العهد يكشف أن ما طبق في عملية تشكيل الحكومة يطبق في عملية الوصول إلى قانون للإنتخابات: نريد هذا القانون أو لا انتخابات.

أي قانون يريده “حزب الله”؟ النسبية الكاملة على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة. لا العهد يقبل بهذا الطرح ولا “القوات” ولا “المستقبل” ولا “الإشتراكي”. وعلى رغم ذلك يتمسك الحزب بهذا الطرح حتى لو كان أعلن أنه يقبل الحوار فيه ولذلك تساقطت اقتراحات المشاريع التي تقدم بها رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل واحدًا بعد الآخر.

ماذا يريد “حزب الله” من الإنتخابات؟ لا يريد الحزب أن يكون هناك تحالف انتخابي بين “القوات” و”التيار”. لا يريد أن تتمكن “القوات” مع “التيار” من تمثيل الشارع المسيحي تمثيلاً حقيقيًا وواقعيًا. لا يريد أن تتمكن “القوات” مع “التيار” من تأمين الحصول على ثلث عدد النواب. لا يريد أن تكون هناك أي إمكانية لـ”القوات” و”التيار” بالحصول على أكثرية الثلثين النيابية بالتحالف مع أي مكوّنات أخرى.

ماذا يريد الحزب أكثر؟ يريد عكس ذلك. يريد أن يحفظ مواقع حلفائه من المسيحيين وغير المسيحيين. يريد أن يحصل مع حلفائه المقربين من دون “التيار الوطني الحر” على الثلث النيابي ومع حلفائه الأبعدين ومن خلال تحالفاته على أكثرية الثلثين أولاً لمنع انتخاب رئيس لا يريده ربما من أجل فرض انتخاب رئيس يريده.

ولكن لماذا يعترض اليوم على محاولات استعادة التوازن النيابي مع أن هذا المجلس لن ينتخب الرئيس المقبل في العام 2022؟ يعرف الحزب أن التنازل في تركيب المجلس النيابي الجديد من خلال التهاون في موضوع قانون الإنتخاب يشكل مسارًا لا يعود من الممكن وقفه بعد أربعة أعوام. يدرك الحزب أن أي تفاهم انتخابي بين “القوات” و”التيار” سيشكل تصحيحًا للخلل الوطني وسيكون قوة إضافية دافعة نحو الإنتخابات النيابية المقبلة بعد أربعة أعوام. وإذا تمكن هذا التحالف اليوم من إنجاز قانون الإنتخابات الذي يؤمن التمثيل الصحيح لن يكون بالإمكان وقف تقدمه. وبالتالي لن يسمح الحزب لهذا التحالف بأن يحقق أي هدف وبأن يثبت نفسه فريقاً داخليًا صعبًا بينما يريد الحزب أن ينهي كل الأرقام الصعبة في الداخل مع إدراكه أنه كاد يصل إلى هذه المرحلة وبالتالي لا يجوز أن يتساهل.

ماذا يعرض الحزب في المقابل على العهد؟ يدعو الحزب العهد إلى أن يستمد قوته منه مباشرة. يحاول أن يقول له إنه هو الذي يشكل ضمانة استمرار حكوماته. وأنه إذا أراد يستطيع أن يمنع تشكيل أي حكومة برئاسة سعد الحريري أو غيره. يدعوه أيضا إلى أن يسير بقانون الإنتخابات الذي يريده دائرة واحدة ونسبية كاملة وهو، أي الحزب، يعطيه الكتلة النيابية التي يريدها. يريد الحزب عمليا أن يكسرالقاعدة التي أوصلت العماد عون إلى السلطة. يريد أن يفهم عون وغير عون أن مقولة الرئيس القوي في قصر بعبدا ساقطة في مفهومه. وأن الرئيس القوي حتى لو كان إسمه ميشال عون لا يمكنه إلا أن يكون إميل لحود آخر. وما يحصل بين الحزب والعهد منذ ما قبل انتخاب عون حتى لا يهدف إلا إلى امتصاص نقاط القوة التي مثلها الرئيس الجديد بشخصيته وبتحالفه مع “القوات اللبنانية”.

يعتبر “حزب الله” أنه بفعل انغماسه في الحرب السورية وحروب المنطقة بات قوة إقليمية أكبر من لبنان ويعتبر أن عباءته أيضا باتت أكبر من لبنان وبالتالي إن كل ما في لبنان لا يمكن أن يكون خارج هذه العباءة حتى قصر بعبدا وسيد هذا القصر. هكذا تعاطى الحزب مع الرئيس عون قبل وبعد زيارته إلى المملكة العربية السعودية ومصر وقطر وهكذا يتعاطى بكل ما يتصل بالسياسة الخارجية وخصوصا مع مجلس الأمن والإدارة الأميركية بعد التحول الكبير الذي بدأ مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالحزب ليس في مرحلة يمكنه فيها أن يتهاون ويتنازل. هو يعتبر أنه لم يخسر في الحرب السورية ولكنه لم يتحدث أبدًا عن نصر. حتى بعد الحسم الذي حصل في حلب جل ما قاله يختصر في أن النظام في سوريا لم يعد مهددًا بالسقوط. ولذلك يريد الحزب أن يكون العهد ضامناً لحمايته أولاً وأخيرًا لا ضامناً لحماية لبنان أولاً. وأن الرئيس الذي لا يمكن أن يصل إلى بعبدا إلا بموافقة “حزب الله” لا يمكنه أن يبقى إلا بموافقة “حزب الله”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل