
في تلك اللحظة بالذات بدأ الربيع، 23 آذار 1994، أزهرت القوات أبطالاً ومقاومين.
سكتوا سكتوا وزير الاعلام بدو يحكي، تحلّقنا حول تلك الـ lbc التي كانت، وتسمّعنا الى “معاليه” ينطق جواهره: “نعلن حلّ الجمعية المسماة حزب القوات اللبنانية”، قالها بجدية وعبوس مفتعل، وبصوت تتزاحم فيه الحروف لفرط السعادة. عظيم، انتهت “القوات” اذن؟ متنا ونحن بعد أحياء ماذا سنفعل؟ ساد الضياع لوهلة خوف، اكيد خفنا، دبّت حركة الدبابات في الشوارع، اعتقالات “عن بو جنب”، كيفما اتجهوا شباب يساقون بالعشرات في الكميونات، احلا الهدايا الطازجة وصلت الى الجهاز الامني اللبناني السوري، سَكِروا، سَكِروا من أصوات رجالنا وهم يتهاوون في الزنزانات ومن صراخهم تحت آلات التعذيب، ساد العتم لبنان، لا ابالغ، كان الربيع ولا زهور، عتم ما يلفح كل تلك الامكنة، حاولوا اقناع الناس ان “القوات اللبنانية” فجّرت كنيسة سيدة النجاة وقتلت الاطفال على مذبح يسوع بأوامر مباشرة من سمير جعجع. ظبطتت معن لوهلة، ادخلوا الشك الى قلوب الناس، لم يكن الناس ليعرفوا ان ثمة حقد قد يهدم الجبال حين لا يواجه بالايمان، بالحقيقة، صدّق الناس لوهلة وضحك المجرمون الحقيقيون، قهقهوا في أروقة عمالتهم وزحفهم في بلاط الاسد، وبدأت رحلة النضال الطويل المرير الجميل!!
صاروا ثلاثة وعشرون عاماً يا ميشال يا سماحة أتذكر تلك اللحظة؟ فليدخل أحدهم اليه في زنزانته الذليلة، ثمة زنزانات عمّرت صرحاً للكرامة والحرية، تلك التي اُدخل سمير جعجع اليها، فكان الحر ونحن وهم السجناء، فليدخل أحدهم اليه وليخبره ما يحصل في شوارع الحرية، اليوم في 23 آذار وكل 23 آذار، قولوا له ان “القوات اللبنانية” على رأس قائمة الاحزاب اللبنانية الاكثر شعبية ومن اكثر الاحزاب تنظيماً، انها في الحكومة ووزراؤها من اكفأ وانظف الوزراء، ان نوابها من انشط وأنظف النواب، أخبروه اننا تصالحنا نحن و”التيار الوطني الحر” وأصبحنا كتلة متراصة لا تتجزأ ولا تُخرق ولا تُحرق، واننا أوصلنا ميشال عون الى الرئاسة كي نحرق مشاريع من لا يريد لبنان جمهورية حرة مستقلة، نحكي عن حلفائه ومشغّليه سفاح الشام ذاك، أخبروه ان في عديد “القوات” جيوش لاجل لبنان، في السلم هي الايد لـ بتعمر وفي الحرب نعود “قوات” لنحارب امثاله وكل معتد على هذه الارض.
صاروا ثلاثة وعشرون عاماً يا جميل السيد، يا من ترجو الزمن ليعود الى الوراء، الى القعر حيث كنت لتطالب باعدام جعجع، لو عاد الزمن الى الوراء لاغتال اللحظة التي كنت فيها “سيدا” مفترضاً، تتحكّم باللبنانيين وبمصائرهم استرضاء لمجرم يجلس الى عرش الدم في سوريا ويحكم بحقده في لبنان، اين الحكيم واين انت، نور وظلام ويكفي.
صاروا ثلاثة وعشرون عزاً ربيعاً فخراً… نضالاً لم يتوقف منذ قبل تلك اللحظة وما بعدها وسيدوم، طالما القلب لبنان، وعمرنا كله لاجل تلك الجبال، تلك القيمة الربّانية التي نعيش في ظلالها، لا ظلم في الارض يدوم، فكيف اذا كانت هذه ارض لبنان المسيّجة بالقديسين وبالعز وان بدا انها في قبضة المجرمين الطارئين التافهين الفاسدين.
23 آذار حلوا حزب “القوات اللبنانية” وكان عيد القديسة رفقا، تلك التي حملت صليب الالام وبقيت تبتسم للمجد الذي شاء يسوع ان تحمله، فعلت اعجوبتها معنا، مع الشباب المقاومين، قالت لهم احملوا صليبكم فلكم مجد من مجد القيامة لاجل يسوع، ومرّت الاعوام وحفر الصليب اخدوداً في قلب الارض اسمه المقاومة، الصمود الحرية لتبقى الارض ارض رفقا وشربل والقديسين ولا يهم هؤلاء الخونة الصغار، لهم حكم الناس ولا زاوية في التاريخ ستحكي عنهم، التاريخ محجوز فقط للكبار ونحن بالتاكيد منهم…
