الولادة المنتظَرَة

 

تقدّمت بورصة قانون الإنتخاب في الآونة الأخيرة على غيرها من البورصات، لا سيّما المعيشيّة منها. فلم نعد نسمع لا بسلسلة رتب ورواتب ولا حتّى بضرائب. تجمّدت كلّ المفاعيل الإجتماعيّة على وقع تقاذف القوانين الإنتخابيّة بين الضّاحية وعين التّينة وقريطم وبعبدا ومعراب والمختارة. فهل سيولد هذا القانون ولادة طبيعيّة، أم ستكون ولادته قيصريّة تكون على حساب حياة من حمَلَهُ؟

ممّا يبدو حتّى هذه اللحظة بأنّ الطّرح الذي يسوّق له “حزب الله”، أي النّسبيّة المطلقة على أساس لبنان دائرة انتخابيّة واحدة، لا يلاقي تجاوبًا لدى كلّ اللبنانيّين. بل قل بأنّه مرفوض من الأساس، لأنّه يعطي الغلبة للعدد، ممّا ينسف كلّ فلسفة الدّولة التي قامت على أساس اتّفاق الطّائف، ولا سيّما من حيث المناصفة التي ستُسقَطُ، وستكرَّسُ عمليّة انتخاب النوّاب من قبل ناخبين من غير قواعدهم السياسيّة. فنكون بالتّالي استنهضنا حقبة الوصاية السّوريّة في أوائل عهدها يوم لهث بعض الذّمّيّين ليتبجّحوا بكلّ وقاحة ويعلنوا أنفسهم ممثّلين عن الشّارع المسيحيّ الذي قاد المعارضة في العام 1992.

فليعلم الجميع بأنّ عقارب السّاعة لن تعود إلى الوراء مهما كلّف الأمر. لن نقبل بأن ينتخب النّواب المسيحيّين غير ناخبيهم الحقيقيين. ولن نسمح بوصول غير المستحقّين إلى النّدوة البرلمانيّة. فالمخطّط المستور وراء قانون الإنتخاب يكمن في السّيطرة على انتخاب رئيس الجمهوريّة العتيد، الذي سيخلف فخامة الرّئيس العماد ميشال عون. وهذا ما يسعى الحزب بإيعازٍ إقليميٍّ لتحقيقه. حتّى لو لم يكن الرّئيس المقبل رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة”، بل أيّ شخصيّة مرموقة تدور في فلك معراب، ففي قاموس الحزب هذه المسألة مرفوضة ورئاسة الجمهوريّة المقبلة هي المستهدفة.

من هذا المنطلق، سيحاول المحور الإيراني – السّوري، المدعوم من سلاح “حزب الله”، تقويض الدّولة اللبنانيّة لمصلحة عقيدته التي تبتعد كلّ البعد عن فلسفة الدّولة وعقيدتها. فالمجلس النّيابيّ هو الهدف المنظور، أمّا الهدف غير المنظور فهو رئاسة الجمهوريّة ومِن ورائها كلّ الجمهوريّة وليس أقلّ من  ذلك بقيد أنملة.

لذلك كلّه، بات غير مسموح بأن يكون هنالك قانون انتخاب لا يحقّق الفلسفة التي قام عليها الدّستور والرّؤية التي تحكم على أساسها الدّولة والتي تتجلّى بالحريّة وبالإنسان. ونعني هنا الإنسان الحرّ الذي يعيش في وطن تجتمع فيه كلّ مكوّنات المجتمع اللبناني على تعدّدها وتنوّعها. لن تقوم الدّولة إلا انطلاقًا من تصوّرٍ ديمقراطيٍّ تحترم فيه حقوق كلّ المكوّنات اللبنانيّة، وتحترم فيها خصوصيّاتها من دون أن تتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.

أمّا التّعاطي في الشّأن العام فيجب أن يكون محكومًا بمبدأ إدارة الخير العام بكلّ شفافيّة ونزاهة لخدمة الجماعة ولصالح أفرادها. ولن نحقّق الإنتقال من الليفنتينيّة اللبنانيّة الإنتفاعيّة إلا عندما يتمّ إسقاط كلّ العقائد التي شكّلت طفيليّات عاشت على حساب الوطن الحقيقي.

كلّ هذه المسائل تبدأ بالتّحقُّقِ عندما يصل اللبنانيّون إلى قانون انتخابيّ يضمن لهم حرّيّاتهم الكيانيّة والإنسانيّة بعيدًا من كلّ المصالح الذّاتيّة والفرديّة الضّيّقة التي تضمن ديمومة الأشخاص أو الكيانات على حساب الكيان الأمّ، أعني الدّولة.

ويبقى القانون المختلط، مهما اختلف شكله، الوحيد الذي يؤمّن تحقيق فلسفة الدّستور، فبالنّسبيّة الجزئيّة نضمن تحقيق التّمثيل الصّحيح في الدّوائر المختلطة، مع الصّوت التّفضيلي الذي يرجّح كفّة أكثريّة داخل النّسبيّة. أمّا الأكثريّة فلتطبّق في الدّوائر التي لا تشكّل فيها التّعدّديّة أيّ فارق. وعندها يكون كلّ نائب تحت قبّة البرلمان بأصوات ناخبيه فقط. وبهذه الطّريقة نستطيع أن نطبّق مبدأ المحاسبة الدّوريّة.

ما يلوح في الآفاق بات حتميّة ولادة قيصريّة لهكذا قانون. وكلّنا ثقة بأنّ حكمة قادتنا ستنجح بالحفاظ على وجود هذا القانون.

ما نأمله ألا يتمّ استغلال المطالب الإجتماعيّة التي نراها محقّة، عند كلّ مرّة يحين فيها موعد هذه الولادة. ماذا وإلا، قد نعود إلى قانون السّتّين في حجّة الحفاظ على الحياة السياسيّة وعدم التّمديد مجدّدًا، لكن مع بعض التّعديلات التي تؤمّن المزيد من الحقوق، للمسيحيّين تحديدًا. وهذا ما نرفضه لأنّ فلسفة عملنا في هذا الموضوع تقتضي بإنصاف الكلّ وليس فئة على حساب أخرى.

فالظلامة التي رفضناها في الماضي لن نرضاها لغيرنا لا في الحاضر ولا في المستقبل. ولن نقبل إلا بأن نحقّق العدالة للجميع، هكذا كنّا وهكذا سنبقى إلى أبد الآبدين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل