#adsense

المطران تابت: الكنيسة سند للدولة..المتضررون من العهد ومن تفاهم معراب يعطِّلون

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في مجلة المسيرة – العدد 1603:

ليست المرة الأولى التي يزور فيها راعي أبرشية كندا للموارنة المطران بول مروان تابت وطنه وناسه وأبناء رعيته منذ توليه مهامه الرعوية هناك في شباط 2013. لكنها الأولى منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وتولي الرئيس سعد الحريري رئاسة حكومة استعادة الثقة. في مفكرته برنامج عمل رعوي مكثف، لكن الحراك المدني والتظاهرات على خلفية سلسلة الرتب والرواتب والذي تزامن مع زيارته شكل بندا أساسيا على مفكرة جدول أعماله نظرا إلى انعكاسه على مستوى الإنتشار والحراك الحاصل في عالم الإغتراب لجهة تسجيل المغتربين في السفارات للإدلاء بأصواتهم في الإنتخابات النيابية المقررة. كيف قرأ المطران ثابت المشهد اللبناني بين الواقع والمرتجى؟ وما هو الدور الذي يفترض أن تلعبه الكنيسة في ظل غياب الدولة؟ وهل ما فعلته حتى اليوم أعطى نتائج إيجابية ورجاء للمسيحيين في زمن الصوم والصلب والقيامة؟

أسئلة عديدة طرحها المطران بول مروان تابت على نفسه وهو يتابع مشاهد تظاهرة المعترضين على آلية تمويل سلسلة الرتب والرواتب في ساحة رياض الصلح ذاك الأحد الرابع من زمن الصوم. مشهد ليس بجديد ولا حتى بمألوف مع تقليعة عهد جديد يرسو على تفاهم معراب التاريخي وتوافق غالبية المرجعيات السياسية من داخل الحكم وخارجه على إنجاح العهد وانتشال البلاد من تداعيات عامين ونصف العام من الفراغ. صور ومشاهد كثيرة عبرت أمام أنظار اللبنانيين ذاك الأحد والمطران ثابت بقي على رجائه وقناعاته: “لا تزال توقعات اللبنانيين من هذا العهد عالية جدا على رغم ما حصل من خضات شعبية على خلفية آلية تمويل سلسلة الرتب والرواتب”. ويضيف: “لا يختلف عاقلان على أنه من المبكر جدا إصدار أحكام على مسيرة العهد الجديد ومن الضروري إعطاء الوقت لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريق عمله للبدء بخطة إنهاض البلاد من كبوة الفراغ الرئاسي على كل المستويات لا سيما الإقتصادية والسياسية. لكن الواضح أن هناك جهات سياسية كبيرة متضررة من خطوات العهد الجديد الذي يفترض أن يمهد في ظل تفاهم معراب إلى زمن قيامة الوطن، وهذا الإنزعاج ليس صدفة إنما هو مبني على قراءة واضحة من المعطلين الذين لمسوا جديا مع انتخاب الرئيس ميشال عون وتشكيل حكومة الثقة برئاسة سعد الحريري انحسار أدوارهم على الساح اللبنانية من جهة أو بسبب خسارة مقعد نيابي ما”.

لا يخفي المطران تابت خشيته من أن يضاعف المعرقلون مساعيهم لوضع العصي في دواليب مسيرة العهد وتحديدا في مسألة إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية والدليل رفض كل مشاريع القوانين والمبادرات التي طرحت من دون تقديم أي بديل. في حين كان يفترض ملاقاة اصحاب هذه المبادرات في منتصف الطريق. ويقول: “في الماضي كانت الخلافات تحصل على الإيديولوجيات بين كبار رجالات السياسة. اليوم “تقزّم” المشهد وبات الخلاف محصورا بالمصالح الضيقة والعامة”.

لكن كيف يقرأ المطران تابت وجع الناس وصرخاتهم بغض النظر عن محاولات بعض السياسيين استغلال هذا الوجع لمنافع شعبوية وحسابات انتخابية؟ وكيف يقيّم مشهد التظاهرات التي تزامنت مع موعد زيارته إلى لبنان؟ بخلفية إيمانية وقراءة تحليلية هادئة بعيدة كل البعد عن النقد يجيب: “أعتقد أنه كان من الخطأ الكبير أن تقدم الحكومة التي أعطت لنفسها عنوان حكومة الثقة على فرض ضرائب جديدة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب على رغم أحقيتها، قبل أن تقدّم لهم الحد الأدنى من الخدمات التي كانوا يعولون عليها أو على الأقل قبل أن تقدم على خطوة لوقف الهدر والفساد من مكان ما أو مرفق ما ولو بالحد الأدنى، لأننا نعلم أن عملية وقف الهدر والفساد المستشري في القطاعات الرسمية والمرافق العامة تحتاج لسنوات لأنها متجذرة في هيكلية الإدارات العامة وباتت جزءا لا يتجزأ من ثقافة غالبية الموظفين في القطاع العام. فقانون الإنتخابات أولى من الضرائب والأمور الخدماتية الأخرى العالقة والتي تعيق مسار حياة المواطن اللبناني مثل المعاينة الميكانيكية والنفايات وأزمة السير أهم من فرض الضرائب. هذا لا يعني أن تمويل السلسلة لا يحتم فرض ضرائب جديدة إنما كان أجدى على الحكومة أن تنظر في هذه الأمور قبل إقرار سياسة ضريبية على الناس”.

تداعيات المشهد اللبناني على خلفية فرض ضرائب جديدة وضرب استحقاق الإنتخابات النيابية في موعدها بدأت تنسحب على الإنتشار اللبناني. وفي هذا المجال يوضح المطران تابت: “الضرائب التي ستفرض على بطاقات السفر ستحد حتما من حماسة المغتربين اللبنانيين الذين كانوا يستعدون للمجيء إلى لبنان هذا الصيف لأن الكلفة ستكون عالية جدا، ومنهم من بدأ يفكر في تحويل وجهة السياحة من لبنان إلى قبرص أو إحدى الدول السياحية المجاورة. أما على مستوى الإنتخابات النيابية الكل في حال ترقب لكن الحماسة غير موجودة لأن القانون يمنع على المغترب اللبناني الذي تسجل في بلد الإنتشار أن ينتخب في لبنان في حال صادف موعد الإنتخابات مع فترة مجيئه إليه في فصل الصيف. أكثر من ذلك لا يمكن فتح قلم لمطلق أي منطقة أو بلدة إذا لم يصل عدد المسجلين إلى 200. هذا عدا عن الثغرات الأخرى الموجودة في القانون. وعلى رغم الأجواء الإيجابية التي لمسناها في بلاد الإغتراب بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وبداية عهد جديد إلا أن ما جرى في الأيام الأخيرة قد يشكل “نقزة” ويأخذ منحى جديدا إلا إذا تعاون القيّمون على حلّه ونحن على ثقة بحكمة السياسيين العقلاء في هذا العهد”.

بين الواقع والمرتجى خيط رجاء يتمسك به اللبنانيون ويستمدونه إما من مرجعياتهم السياسية أو الروحية لإعادة إنتاج واقع جديد. لكن ماذا لو كانت هذه المرجعيات تتعاطى مع الظرف غير العادي بطريقة جد عادية؟ يقول المطران تابت: “الرجاء فضيلة مسيحية تذهب إلى ما وراء الوجوديات. لكن عندما يمس الموضوع وجود الإنسان واستمراريته ويومياته خصوصا على مستوى العائلة والأطفال قد يصبح أي شيء مباحًا يؤدي الى التمسك بالحالة الروحية أو الإبتعاد عنها. أمور كثيرة هي مسؤوليات الدولة اليوم ويجب أن توفرها للناس منها الطبابة والتعليم والسكن وتأمين فرص عمل.لكن مع انعدام توفير الدولة لهذه المقومات وتقصيرها في مجالات أخرى يجد المواطن نفسه أمام أبواب مرجعياته الدينية وينتظر منها أن تساهم في ترسيخ وجوده في المجتمع اللبناني. وفي هذا الإطار فإن الكنيسة عملت منذ بداية الحرب اللبنانية وحتى اليوم على ترسيخ المسيحيين في المجتمع اللبناني وإبقائهم من خلال مؤسساتها التعليمية والإجتماعية والإستشفائية عدا عن الجمعيات والمؤسسات الخيرية.لكن مع سياسة الفساد المستشرية في البلد التي يحميها بعض السياسيين انفسهم بالتضامن والتكافل، تجد المؤسسات الإجتماعية والروحية نفسها أمام طريق مسدود. إنطلاقا من ذلك نرى اليوم أن البطريركية المارونية بشخص سيدها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي والأساقفة والجمعيات كلهم يقفون على مفترق طرق ويساهمون في مساعدة الناس والناس في معظمهم غير راضين لأن الواقع المعيشي بات يضيق أكثر فأكثر على أعناقهم. من هنا يفترض على الكنيسة أن تركز في هذه المرحلة على المقومات الأساسية التي تساهم في تثبيت الوجود المسيحي في لبنان وهي الطبابة والتعليم والسكن وتأمين فرص العمل للشباب”. وكشف المطران تابت عن سلة اقتراحات ومشاريع إجتماعية سيطرحها البطريرك الراعي في الذكرى الخامسة على توليه سدة البطيركية المارونية في يوم عيد البشارة في 25 آذار الجاري من شأنها أن تساهم في مساعدة أبناء الكنيسة على الوقوف والتمسك بالرجاء. ويختم مشددا على أن “الكنيسة هي سند بديل للدولة لكنها لا تستطيع ان تأخذ مكانها إلا في حال طرح مشروع واضح، عندها يمكن أن تلزم الدولة بجزء منه”.

هي سلطة الإقناع التي تمتلكها الكنيسة والشارع يبقى الملاذ الأخير. وإذا سلمنا جدلا بأن الكنيسة كانت وستبقى الملاذ الآمن والبديل لأبنائها في ظل غياب الدولة يبقى سؤال، لا بل أسئلة يطرحها المطران تابت قبل أن يقفل حقائبه ويعود إلى أبرشيته في كندا: “هل ما فعلته الكنيسة حتى اليوم لتثبيت الوجود المسيحي في المجتمع اللبناني أعطى النتائج الإيجابية المطلوبة؟ هل أبناء الكنيسة مقتنعون أنها تؤدي واجباتها الإجتماعية تجاههم كاملة؟ أسئلة تبقى مطروحة على كل المعنيين وربما يجب إعادة جدولة هذا الموضوع وبحثه في العمق في اجتماعات مغلقة وبعيدا من الضوء والتجاذبات”.

هو الرجاء وحده في زمن الصوم والآلام الذي يثبتنا على خشبة هذا الوطن والإيمان بأن ثمة مرجعيات روحية وسياسية لا تزال تؤمن بأن لبنان وطن نهائي وعابر لكل الأزمات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل