


كتبت فيرا لو منصف في “المسيرة” – العدد 1603:
كان المساء، أسبوع الآلام، نذهب الى كنيسة الحكمة او الشحروري لنشارك بدرب الصليب، كانت الكنائس دائما مكتظة بالمؤمنين، شبان من عمر المراهقة والكثير من الرجال والنساء والأطفال، أين الشباب؟ “ليش بعد في شباب بالأشرفية، طالعين كلن ع زحلة” همست سيدة في أذن رفيقتها، لا أنسى. “يا دللي شو في بزحلة؟” بصوت متهدّج،”هيك بدو الشيخ بشير، يبعتلو علّة حافظ الأسد بدو ياخد زحلة وياخد شبابنا”… وبعد قليل صعد الأبونا الى المذبح، وقبل أن يبدأ رتبة درب الصليب أعلن ما يلي…
“اليوم صلاتنا على نيّة أهل زحلة حتى ربنا يحفظ هالمدينة ويردّ عن أهلها، صلاتنا على نية الشباب لـ طلعوا ودمّن على كفّن تـ يدافعوا عن زحلة، بدنا كلنا نتعاون تـ نساعدن بهالمعركة” وتسأل سيدة “وكيف منساعدن يا أبونا؟” وطالب كاهن الرعية الأهالي المساهمة في إرسال المواد الغذائية والأدوية الى زحلة المحاصرة، بناء على طلب الشيخ بشير. وبدأت الهمهمات في الكنيسة، وانتهت صلاة المساء وخرج الناس وعلى وجوههم معالم جديدة غير تلك التي دخلوا بها الى بيت الربّ، بدوا أكثر قوة، أكثر حزما، بدوا وكأنهم شخص واحد والكل يتحدث عن نداء الباش لأهل المنطقة المحررة. مسرعة عدت الى الييت سألت أبي “شو يعني نداء الشيخ بشير؟” وفهمت أن الشيخ وجّه نداء عاجلا لشباب المناطق المحررة كافة للالتحاق بشباب زحلة للدفاع عن المدينة التي كان بدأ يحاصرها جيش الاحتلال السوري، وكانت الأجواء تنذر بالمخيف الآتي، أو لعل الأصح، بالنصر والعزّ الآتي ولو كان على دماء عشرات الشهداء وكل ذاك الدمار، وكان ذاك في الأول من نيسان عام 1981…
…وفرغت الأشرفية من الشباب، أقول الأشرفية لأني كنت من سكّانها، وعمليا فرغت جونيه أيضا ودير الأحمر وغالبية المناطق المحررة من الكثير من شبابها، تسأل عنهم فيجيب الجميع “طِلعوا لفوق”، كيف تمكنوا من الذهاب الى فوق وفوق محاصر بالنيران السورية “الشقيقة” بالطبع؟! ليس لأحد أن يسأل أو يجيب عن هذا السؤال تحديدا، كان يجب أن يذهبوا، أن يكونوا هناك مع الزحالنة لتبقى زحلة لناسها وليصمد أهل المكان. ثمة الكثير بعد من الصور، أفلفش ألبوم مقاتل، تبدو الصور باهتة الألوان، طبيعي، مر زمن على الحدث ولم يمر على زمن الحدث النسيان. كل نيسان يعبر، يقف عند تلك المحطة يقلّب الألبوم، صورة بعد صورة، شهيدا تلو الآخر، مقاوما بعد مقاوم، لا ننسى تلك الصورة لدبابة سورية مدمرة عند منطقة الجسر، بهتت الوانها ولكنها تبقى الصورة الحيّة النابضة الناطقة لما حصل في زحلة، لا ننسى ما قالته تلك السيدات من قعر الملجأ للتلفزيون الفرنسي آنذاك، التلفزيون الوحيد الذي تمكن يومذاك من اختراق النيران بمساعدة المقاتلين من شباب “القوات اللبنانية” ومن أهل زحلة، وحين صرخت إحداهن “راح طفل وبعد عندي تنيَن هودي فدا زحلة بدي قدّمن للوطن، سرق ابني من قلبي سرقة يا ويلو من الله، شو إلوعنّا حافظ الأسد ينقبر ياخد جيشو ويفل عنا بقا” وتهبّ أخرى الى الشاشة وتصرخ ضاحكة للكاميرا وبقوة غريبة “أرنب بالجولان جايي يعمل حالو هون بطل بلبنان؟ بس نحنا الزحالنة شايفين حالنا برجالنا، هيدا واحد جبان، شو إلو عنا هوي ورجالو هالعكروت، بدو ياخد زحلة؟” وتكيل له الشتائم ما اضطر المراسل التلفزيوني لقطع حديثها.
يومذاك لم نصدّق ما رأيناه، كنا نسمع أخبار الشباب وبطولاتهم، لكن لم نكن لنستوعب ما يفعله الناس فعلا، وحتى اليوم لم نستوعب ما فعله المقاومون. قرأنا عن أخبارهم، عن معركة زحلة من ألفها حتى يائها، كيف انطلقت ولماذا وما حصل بتفاصيل الشوارع والأحياء والتلال، وفي كل مرة كأنها المرة الأولى، لكن ثمة تفصيل كبير، كبير جدا لا ينتسى، الشباب الذي صعدوا الى زحلة سيرا عبر جرود عيون السيمان واستشهدوا هناك فوق تلك التلال، منهم صقيعا، ومنهم من أصابتهم مدفعية ذاك المحتل الحاقد التاريخي على لبنان.
كان الثلج يغطي القمم، حتى القذائف تجمّدت في صقيعها ما صعّب المهمة على الشباب المنتشرين في جرد الصقيع ذاك، وأصرّوا على الاستمرار بالمقاومة، صعد الشيخ بشير اليهم، وأطلق من فوق قمم الثلج والنار تلك، تسميته الشهيرة لمعركة زحلة، “هذه معركة الحرية والكرامة، معركة زحلة الأبية” كما قال حرفيا للشباب، وصار ما صار، واحترقت المدينة تحت وابل النيران، اخترق الحقد عمق الملاجئ وما استسلمت، انقطع عنها الماء والكهرباء والإمدادات العسكرية، وصمدت، أنارت في العتمة آلاف الشموع، ضمد الناس جرح بعضهم البعض، تكاتفوا، قاوموا، ناصروا الشباب، وانهال الشهداء، بقي بعضهم في الأكياس من دون جنازة تليق باستشهادهم، صلوا لهم في قلوبهم، دفنوهم سريعا أجّلوا حتى الدمع والحزن الى حين انتهاء المقاومة من معركتها، وتراجعت دبابات حافظ الأسد ذاك مترنّحة عن تلال زحلة ومن قلب أحيائها، وخرج الناس من ملحمة الملاجئ، ملحمة وليس أقل من هذا التعبير، بعدما تحوّلت الى متاريس ومستشفيات ومستوصفات ومطابخ للناس وللمقاومين.
جنّ العالم بأسره بحكايا الناس ومقاومتهم، ببطولات الشباب التي قاربت حكايات الخيال، بالمعركة التي تفرّج عليها العالم كله وكان متأكدا أن الجبروت والعتاد المتكامل والحقد المتراكم سيغلب أبناء الأرض، وإذ بالأرض تدفن الجبروت المزيّف في التراب، تمرمغ وجهه الأسود في حفنة الذل وتطرده خائبا باكيا أكثر حقدا وذلا الى ما خلف حدودها، حدودها التي سيجّت بالنار لتخرج مكللة بزغاريد النساء الضاحكات الدامعات على أبنائهن الشهداء، الفخورات بما فعله هؤلاء لتبقى للبنان زحلة كما بقيت من قبلها الاشرفية وقنات ودير بلّا والقبيات، وغيرها وغيرها وغيرها في معارك شرف ووجود.
اين زحلة اليوم؟ جاء نيسان يا مدينة الربيع، تبقين في الربيع ولو اجتاحك أحيانا ألف خريف، الخريف هناك تمهيد لانتصار الطبيعة، وأنت في طبيعتكِ شامخة. لا صمت هنا، لا تسكت زحلة لا على ضيم ولا على انتصار، كم مرّ من زمن على ذاك النيسان؟ لا تحسبوا الأعوام بالأرقام انما بتواريخ العز المتعاقب. تعبر غيوم لا تشبهها أحيانا، هذه مدينة الحياة وفيها من كل شيء القليل، لكن الغالبية للمقاومين وأولادهم وأحفادهم وأجيالهم المتعاقبة على مستقبل الشرف ولا مستقبل هنا سوى لهؤلاء، لم تنس زحلة نيسانها، وان بدا الزمن وكأنه مثقوب الذاكرة أحيانا، لكن ثمة تواريخ تصنع كل الذاكرة وكل التواريخ التي تأتي من بعدها، وهذا ما فعله نيسان زحلة قبل أن يصل تموزها معلنا النصر…
…وكان المساء في كنيسة الضيعة البقاعية البعيدة، الطقس حار وتموز يلفح لبنان بألف سؤال عن مصيره، أخبار معركة زحلة كانت وصلت اصداؤها الى كل الدنيا، وضيعتي البقاعية الصغيرة كانت كل الدنيا، صعد الأبونا الى المذبح “الحمدلله خلصت معركة زحلة وانفك عنها الحصار، الله يرحم الشهدا ويصبّر قلب أهاليهن، وزحلة رجعت فتحت أبوابها الحمدلله على السلامة”. خرجت من القداس لأبشّر رفاقي، “ربحت زحلة ربحت زحلة” وصرنا نهتف في الطرقات سعداء بالخبر، ونروي حكايات البطولات التي كانت أحاديث أهل الضيعة، والمفارقة أن كلما جاء نيسان، وان كان المكان ما عاد يضجّ بحكايات زحلة، لكن نقول نيسان فيصرخ الزمن الراكد فينا “ربحت زحلة ربحت زحلة”، ونذهب لنحكي للأيام عن المدينة، دار السلام مربى الأسودة التي دفنت جبروت ذاك الأسد المفترض “أرنب بالجولان وبطل بلبنان؟” ومن ينسى كلام تلك الزحلاوية الأصيلة؟….
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
