كتب فادي الاحمر في “المسيرة” – العدد 1603
صدرت ترجمة كتاب “الطريق الى الثورة العربية الكبرى 1906 – 1916” عن دار “سائر المشرق”. مؤلف الكتاب أوجين يونغ. إنه دبلوماسي فرنسي. خدم بلاده في “الهند – الصينية” وتحديداً في فييتنام. ومن ثم عمل كخبير لدى “الكي دورسيه” (وزارة الخارجية الفرنسية) حول شؤون السلطنة العثمانية وشعوبها ومستقبلها. ومن بين القضايا التي أعطى يونغ رأيه فيها الثورة العربية. كتابه هذا، الصادر عام 1924، عبارة عن “قصّة” تلك الثورة وليس تأريخا لها. وقد جاء في مقدمته: “لا ندّعي تأريخ الثورة العربية من مختلف جوانبها. فقد توفّي صديقنا، نجيب بك عازوري، أحد كبار زعماء الحركة، في القاهرة عام 1916، ولم نتمكّن من الحصول على مستنداته التي كان من شأنها ان تساعدنا على استمكال معلوماتنا”.
اللافت في هذه “القصّة” صداقة الكاتب مع اللبناني نجيب عازوري. فقد تعارفا في العام 1905 واصبحا “مثل شقيقين”. أسّسا معاً مجلة “الاستقلال العربي” التي صدرت في باريس بين عامي 1907 و 1908. لا شك ان التقاء المصالح السياسية لعب دوراً كبيراً في تلك الصداقة. فاللبناني، أحد كبار الحركة القومية العربية وأبرز المناضلين فيها، كان يبحث عن دعم لقضيته وهي تحرّر العالم العربي عن السلطنة. ويونغ كان يعمل من أجل توسيع نفوذ بلاده في شرق المتوسط ذي الموقع الاستراتيجي على خط التجارة العالمي. ذاك النفوذ أصبح أكثر إلحاحاً بعد بناء خط السكة الحديدية الذي يصل برلين (في ألمانيا) ببغداد (في العراق). فسيطرت ألمانيا على الطريق البرية وبريطانيا على الطرق البحرية. وللتذكير، كان الأسطول البريطاني الأقوى في البحار والمحيطات ويسيطر على المضائق والممرات البحرية. ذاك الوضع الجيوسياسي هدَّد على اقتصاد الإمبراطورية الفرنسية ومصالحها في العالم، وتحديداً في جنوب – شرق آسيا.
عاملان آخران ربما ساهما في توطيد الصداقة بين أوجين يونغ ونجيب عازوري. الأول هو الأصول الفرنسية لهذا الأخير. فبحسب متحدّرين من آل عازوري، إن عائلتهم تتحدّر من عائلة “باسيل” الفرنسية. سكنت عازور في قضاء جزين. وتكنّت بإسم المنطقة. بالتالي تكون رابطة الدم قد لعبت دوراً في إصرار عازوري على دور فرنسي داعم للثورة العربية من دون غيره. فهو لم يتقلّب في البحث عن دعم أحياناً بريطانياً وأحياناً أخرى روسياً، كما غيره من الناشطين حينذاك. أما العامل الثاني فهو قناعة أوجين يونغ بضرورة “الوفاء” للحركة التحرّرية العربية ودعمها. فهو خاض صراعاً ضد موظفين في الـ “كي دورسيه” تصرّفوا أحياناً انطلاقاً من أنانياتهم ومن أجل مصالح اقتصادية ضيّقة.
قراءة الكتاب دفعتني للتفكير في المرحلة الحالية. منذ مئة عام كان العالم العربي يزخر بالقوميين الذين نظّروا وكتبوا في القومية العربية. هؤلاء شعروا بقدوم حدث جيوسياسي سيغيّر المنطقة، ألا وهو اقتراب سقوط السلطنة العثمانية “الرجل المريض”. تحضّروا له. لا شك في أنهم تأثروا بفكرة القومية – الأمة (état – nation) الأوروبية. وشكّلوا تياراً سياسياً قومياً عربياً. في الوقت ذاته كان هناك تيار ديني سلفي. ولكن التيار القومي غلب. بينما اليوم فالتيارات السياسية شبه غائبة في العالم العربي. والتيارات الإسلامية السلفية هي البارزة. لماذا؟ الأسباب كثيرة نختصرها بالآتي:
اولاً، الفراغ في الفكر السياسي العربي بعد سقوط الإيديولوجيات الوحدوية. الناصرية انتهت مع فشل الوحدة السورية – المصرية وسقوط “الجمهورية العربية المتحدّة” عام 1961. ومشروع الوحدة العربية البعثي تحوّل الى مشاريع سيطرة بين بعثين عدّوين (عراقي وسوري). والاثنان ساهما في إضعاف العالم العربي. الأول بحربه ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات استنزف خلالها دول الخليج العربي. والثاني بتحالفه مع تلك الجمهورية ومساعدتها على بسط نفوذها في قلب العالم العربي وصولاً الى البحر المتوسط في اللاذقية وبيروت.
السبب الثاني هو تحكّم ديكتاتوريين بمقاليد السلطة على مدى عقود في غالبية الدول العربية. ما أدى الى “تصحير” الحياة السياسية في المجتمعات العربية وتخلّفها. فالأسد في سوريا، والقذافي في ليبيا، وصدام في العراق، ومبارك في مصر، وصالح في اليمن… قضوا على كل خصومهم السياسيين… قمعوا الصحافة. هجّروا المفكّرين. قتلوا المناضلين. زرعوا الخوف في قلوب الشباب… حتى إذا ما أتى “الربيع العربي” افتقد الشارع العربي قادة الفكر والنضال فيه. وانحرفت “الثورات” عن مسارها. وراحت تتخبّط. ما سمح ببروز الفكر الإسلامي المتطرّف واختطافه الحراك الشعبي…
السبب الثالث استعمال الحكّام الطغاة للتيارات السلفية في بلادهم وفي المنطقة، إما لتخويف الداخل والخارج من خطر استيلاء هؤلاء على السلطة في حال ذهابهم (تلك كانت سياسة حسني مبارك)، أو لترسيخ حلف الأقليات الى جانب الأقلية الحاكمة (كما فعل حافظ الأسد)، أو في إطار صراعاتهم الإقليمية والدولية (كما دعم صدام حسين الإخوان المسلمين ضد الأسد في سوريا في السبعينات من القرن الماضي، وأطلق الحملة الإيمانية ضد الأميركيين في التسعينات)… هذه السياسات سمحت للتيارات السلفية بالاستمرار لتنقض منذ سنوات على الحراك الشعبي في مصر وسوريا وليبيا وتونس…
السبب الرابع، هو رداءة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات العربية التي زادت نسبة الشباب فيها على 60 في المئة. لم يترافق تعميم التعليم المجاني وفتح الجامعات الحكومية أمام الفقراء مع تطوير الاقتصاد وتأمين فرص العمل. فوضع العديد من الشباب العرب شهاداتهم في الأدراج وباتوا عاطلين عن العمل أو مهاجرين منسيين أو بائعي خضار على الطرقات…. ما جعل المجتمعات أرضاً خصبة للأفكار الدينية المتطرّفة. استفادت منها المرجعيات الدينية والتيارات السلفية التي حافظت على هيلكيتها وتمويلها على رغم مراحل الاضطهاد التي تعرّضت لها.

السبب الخامس هو سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي ساهمت أيضاً في غياب الفكر السياسي في العالم العربي وبروز التيارات السلفية. فهي تحالفت مع الحكام الذي قضوا على كل فكر أو تيار سياسي معارض لهم، ودعمت التيارات الإسلامية السلفية في حربها الباردة ضد الشيوعية الملحدة، وادّعت نشر الديموقراطية…
يختم أوجين يونغ مقدّمة كتابه: “إن الثورة العربية هي أيضاً الأزمة العالمية المقبلة”. قول بمثابة رؤيا إذا ما عكسناه على واقعنا اليوم. ولكن بدل الثورة “ثورات”. أما الفارق الكبير، بين الأمس واليوم، فهو ان النخب العربية لاحظت منذ مئة عام إرهاصات التبدّل الجيوسياسي الذي تمثّل لاحقاً بسقوط السلطنة العثمانية. وتحضّرت له. ولكن أحداً في العالم العربي لم يتحضّر للزلزال الجيوسياسي العالمي الذي أحدثه سقوط الاتحاد السوفياتي وتربّع الولايات المتحدة الأميركية على “عرش العالم” وتخطيطها لتغيير خرائط المنطقة بعد زرع “الفوضى المدمّرة” (لا “الخلاّقة”). طغاة هذا الزمان كانوا أقسى من السلاطين العثمانيين. لم يُبقوا على نخب عربية أمثال نجيب عازوري لتقود مجتمعاتها في مواجهة الزلزال الذي نعيش ارتداداته اليوم. فكانت “ثورات صغرى” أغرقت بلدانها في الفوضى وأحرقتها بنيران الحروب الأهلية والإقليمية والدولية…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]