#adsense

آخر مشهد – اللبناني “السئيل”

حجم الخط

كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1603

في أحد ماطر وعاصف وبارد جداً إحتجت إلى حفنة من الدولارات. توجهتُ إلى أقرب صرّاف آلي من منزلي لأسحب من حسابي النازف. وجدت في الغرفة الزجاجية رجلاً أنيقاً في  العقد الرابع من عمره وهو على الأرجح مضطر مثلي لبعض المال الحلال. تمشيتُ أمامه رواحاً ومجيئاً. ثم وقفت على الباب منتظراً أن ينهي عمليته ويخرج. وضع بطاقة. وضع أرقاماً. بحلق في الشاشة. صفّرت الماكنة. سحب البطاقة. وضع أخرى. سحب دولارات من جيبه. إستنتجت أنه أراد أن يوفر دولاراً  واحداً ووقتاً يذهب إهداراً أمام “الغيشيه”. عدّ دولاراته مرة ومرّتين وثلاث. 850 دولاراً. تفحّصها. وضعها في الماكنة. وأخذ وقته بالتفكير قبل أن يقرر في أي حساب “يدكّها”. تنفست الصعداء حان دوري. لا لم يحِنْ. الرجل وضع بطاقةَ في محفظته وسحب إختها. وقد ما حظي حلو تلقى اتصالاً وهو في معزله الزجاجي وأنا تحت المطر حاملاً شمسية (ولماذا لا تُسمّى شتوية؟) والبرد ينخر صماصيم قلبي. ردّ. هزّ برأسه نزولاً وطلوعاً ويميناً ويساراً. ابتسمَ. عبس. تعجّب. إنقبضت عضلات وجهه. سحب سيكارة. أشعلها. إنفرجت أساريره. خرج الدخان من منخاريه الأشبه بإيشبمان بفتحتين. ضربتُ على الباب ضرباً خفيفاً للفت نظره. رمقني بنظرة فهمت منها: يا قليل الذوق ألا تراني منشغلاً؟

بعد الإتصال عاد إلى الـATM.  يضع بطاقة إئتمان جديدة. ينظر إلى هاتفه المحمول يفتش عن الرقم السري. يرد البطاقة. يضع أخرى. واحدة debit واحدة credit. العمى بستين قلبو شو معو بطاقات! شرّج خطه. قام بسلسلة تحويلات. دقق في حساباته. إشترى دولارات قبل أفول نجم رياض سلامة. وضع شيكات قيد التحصيل. شعرتُ أن الخافق المعذّب سيتوقف عن الخفقان وضخّ المشاعر إلى رأسي. عدت إلى سيارتي المركونة أمام المصرف. قلت أنتظر وأراقب من كثب. وكنت أحلل وأقوّم دور Automated tellermachine التي وُجدت أساساً لتوفير الوقت على العملاء، فلا يُضطرون للوقوف في طوابير الإنتظار أمام موظفة أشبه بمنحوتة بورسولين أو قبالة موظف مولود في برج البوم. وفي الوقت عينه يوفّر الـ ATM على الموظفين “سقالة” من يود أن يسأل كل يوم ليش عم ينقص حسابو بلا ما يدق فيه. من يبدد شكوكه أن مدير الفرع لا يدق فيه، أي حسابه المجمد على 3 أشهر؟

شغّلتُ جهاز التدفئة في السيارة. وضعت CD فيروزيات. سمعت آخر أخبار شادي. وبلحظة خاطفة خرج الرجل الأربعيني من القفص الزجاجي وقبل أن أهم بالخروج من السيارة  كانت سيدة شقراء تنقر بأصابعها الناعمة على التابلو المضاء تتـمل حساباتها المجمدة والجارية في كل الإتجاهات.

تأملتها من وراء العازل الزجاجي. حرت في أمري: مين سئيل أكتر هو أو هي؟

ووصلت إلى استنتاج  أن 99،8 من اللبنانيين، تقال الدم. وذلك نتيجة خبرة عمر. حلوة مني “خبرة عمر”. تصلح عنواناً لبرنامج يستضيف المبدعين المحشوين مالاً.

فهذا العجوز القاعد في الأمس جنبي الذي سأل 139 شخصاً  بضمان جونيه قدي رقمك عمو؟ وقدي رقمك حبيبتي؟ حتى يفتح حديث ويتفتف ويخبرهم أن رقمه 140. انقبر إقعد يا جدّو يا سئيل واحلم بالجنة.

وهذا الذي يجعّر أن النواب مصّولو دمو وهو في الأمس كان يمص ما بقي من إجر سلطعون بحري في أفخم مطاعم السمك والكركند في لبنان. فسد بوزك يا سئيل.

وهذا الـ”وزوز” في الرانج الذي يدخن نفس أركيلة.

وهيدي الآكلة ربطة توم أخضر، وبدّها تعمل PR.

وهذا “فذلوك” الحراك الذي يريد أن يربّي سعد الحريري ووليد جنبلاط والطبقة السياسية دفعة واحدة.

وهذه الشرعوبة المكبوتة المسترجلة على كل الشاشات.

في  أتقل من دمّن؟ إيه في.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل