السلام المتعثر بين الفلسطينيين وإسرائيل

الأجواء الإيجابية التي تعمدت بعض الدوائر الترويج لها بشأن انفتاح الأفق أمام إجراء تسوية سياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل، تنطوي على أمنيات ومبالغات تسير في اتجاه عكس الواقع وما يمكن أن يفضي إليه في المستقبل.

ليس هذا الحديث للتشاؤم، لكنه قراءة عملية حتى لا نصطدم بتطورات مريرة، على ضوء بيانات وتصريحات متفائلة جرى تسويقها دون أن تكون هناك أسانيد كافية لدى أنصار هذه النظرة، الذين اعتبروا الاهتمام الظاهر في خطابات ولقاءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسألة كافية للاطمئنان، ونظروا إلى منح أولوية للقضية الفلسطينية في القمة العربية في الأردن بعد غد الأربعاء أنها دليل على التوافق حول رؤية موحدة.

بالطبع هناك اهتمام سياسي من هنا وهناك ولا أحد يستطيع نكرانه، غير أن دوافعه ومبرراته متباينة، ويصعب اعتبار المكونات التي تحملها علامة بارزة على أن تقدما حقيقيا سوف يطرأ على ملف التسوية السياسية المتجمد منذ سنوات.

أسباب الرئيس ترامب تبدو شخصية أكثر منها استراتيجية، فالرجل يريد أن يترك بصمة في قضية عصية على الحل منذ العشرات من السنين، ويحاول أن يثبت امتلاكه مؤهلات غير اقتصادية تمحو ما يتردد حول سذاجته السياسية، ووجد في القضية الفلسطينية نافذة يمكن أن يقفز منها، وتوحي بأن هناك عملية جارية، تصب في اتجاه رغبته العارمة لوقف العنف في المنطقة، لذلك وقع اختياره على قضية تعد في نظر الكثيرين “أم القضايا” ومنبع الكراهية في المنطقة.

أما دوافع الكثير من الدول العربية، فقد تحمل في أحشائها قدرا من النبل وتحمل المسـؤولية، لكن لا تخلـو من محـاولات للتفـاهم حول قضية ربما تكـون سهلة إذا قــورنت بـالأزمـة السـوريـة، التي تحطمـت على صخورها ما تبقى من علاقات عربية جيدة.

كما أن لدى بعـض القيادات العـربيـة قناعة بإمكانية تحقيق اختراق، يخفف عنها نزيف التداعيات السلبية الناجمة عن استمرار الانسداد على المحور الفلسطيني، الذي تحـولت روافـده إلى مـدخل حيـوي لقـوى إقليميـة تسعى إلى إزاحة الدور التقليدي الذي تقوم به بعض الدول العربية المركزية.

في هذا الخضم لم تبد إسرائيل حماسة زائدة للتجاوب مع المعطيات الأميركية والعربية، ولم تبد أيضا إحجاما سافرا، وتركت من يتحدثون عن التسوية يمضون في تخميناتهم لحال سبيلهم، وهي تمضي في طريقها المليء بالعثرات والمطبات الوعرة، بدءا من مواصلة عمليات الاستيطان بوتيرة سريعة ونجاحها في ضرب عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية، وحتى الاستمرار في ارتكاب كل أنواع الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.

البيئة العامة للأطراف الفاعلة غير مواتية تماما، بل تدعو إلى التشاؤم. فعلى المستوى الفلسطيني، لا يزال الانقسام ينخر جسـد غالبيـة الفصـائل والحركات، وقد فشلت جميع محاولات لمّ الشمل، وهو ما يجعل من وجود صـوت واحد عمليـة في غـاية الصعوبة، وأي صيغة يمكن أن تصل إليها السلطة الفلسطينية، في ظل قيادة الرئيس محمود عباس أو غيره، سوف تواجهها مشاكل لتمريرها داخليا، ومن يريدون إحياء عصـر التسـوية عليهـم تحقيق انتصار واضـح في ملف المصالحـة الفلسطينيـة، الذي لا ترتاح إليه جهات كثيرة.

على الصعيد العربي، حدث ولا حرج، فمع أن الالتفات للقضية الفلسطينية يحظى بتقدير متزايد لـدى البعـض، هروبا أو اقتناعا، إلا أن الأزمات الأخرى، مثل سوريا وليبيا والعراق واليمن، تفرض نفسها عربيا، وعند نقطة معينة، ربما تكون بلغتها فعلا، تتقدم هذه القضايا وتجعل مناقشتها تفصيليا لـه أولويـة على القضيـة الفلسطينية، التي تبدو حتى الآن تائهة في بحر المشكلات الإقليمية، وتتقاذفها جهات عدة، تعتقد أن أهمية الأزمات الأخرى ترقى إلى المستوى الاستراتيجي، بينما جرى التأقلم مع القضية الفلسطينية وتعقيداتها المختلفة.

على الصعيد الدولي، الانطباع السائد يقول إن هناك التفاتة ظاهرة للقضية الفلسطينية، لكن لا تعكسها تحركات جدية، ومعظم المقاربات المعلنة يندرج تحت بند المسكنات السياسية، أملا في التهدئة مع إسرائيل، والتمهيد لحوارات إقليمية، قد تشمل إجراءات نوعية، تكون تل أبيب جزءا منها، فبعض القوى الرئيسية رأت أن الإيحاء بتحريك ملف السلام التقليدي، يشجع دولا عربية على الانخراط في ترتيبات جديدة يتم التفكير فيها للمنطقة.

وهذا يعني أن أفـق التسوية السياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل سوف يكون مرهونا بما يدور في الفضاء الإقليمي، وإذا أضفنا أن الولايات المتحدة لم تبلور حتى الآن رؤية شاملة لحل القضية الفلسطينية، من المتوقع أن يتحول الضجيج الحالي إلى صخب بلا طحـين سياسي. فواشنطن لم تستقر على شكل نهائي للحل، ما يجعل الاهتمام الحالي يندرج ضمن تكتيكات الرئيس الأميركي لاستخدام القضية الفلسطينية كمخلب قط للوصول إلى تفاهمات في قضايا لها وزن استـراتيجي كبير، الأمـر الذي يؤكد أن مشروع التسوية الجديد حتما سيواجه بعثرات متعددة، لن تجعله أفضل حالا من سابقه.

ناهيك عن عدم الممانعة الإسرائيلية للدخول في مفاوضات شكلية، عندما يتوافر لها الحد الأدنى من مطالب وشروط تتواءم مع تطلعات تل أبيب، التي تثق بأن المجتمع الدولي سيوفرها لها، كما أن فتح باب التسوية ربما يكون مفيدا، بعد أن خبرت إسرائيل التعامل معها، ومضت تتفاوض مع الفلسطينيين لمدة تزيد على عشرين عاما ولم تمنحهم سوى القليل، بينما حققت هي مكاسب بالجملة من ورائها، في وقت كانت فيه الحالة العربية والفلسطينية أفضل مما هي عليه حاليا.

النتيجة التي استقرت في وجدان وعقل جميع الأطراف، تؤكد أن التوصل إلى حلم الدولـة الفلسطينية بعيـد المنـال، لأن المعطيــات الإقليمية أشد وطأة من السنوات الماضية، كما أن التصورات والتوجهات والتصـرفات أصبحت أكثر اختلالا من ذي قبل.

ووسط ميل موازين القوى المختلفة إلى صالح إسرائيل، تتعزز المطبات التي تعتري التسوية السياسية، ويبقى الحديث عنها داخل بوتقة مليئة بالاجتهادات الكلامية، والأخذ والرد، وتحصل إسرائيل في النهاية على ما تريده دون أن تضطر إلى تقديم تنازل واحد بصورة حقيقية.

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل