فيلم واحد قد يصنع “ربيع” السينما اللبنانية

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1603

بعد مشاركات في عدد كبير من المهرجانات مثل لندن ونامور وخصوصا مهرجان كان السينمائي 2016 ضمن فئة “أسبوع النقاد” وفوزه بجائزة السكة الذهبية التي تمنحها جمعية موظفي سكك الحديد المحبين للسينما على هامش المهرجان، وبعدما استحقت نجمته جوليا قصار جائزة أفضل ممثلة في مهرجان دبي السينمائي 2016، افتتح شريط “ربيع” Tramontane مهرجان “أيام بيروت السينمائية” في دورته التاسعة ليل الأربعاء 15 آذار الجاري.

الفيلم  يبشّر بربيع جديد للسينما اللبنانية على رغم عدم خلوه من بعض الأشواك، وهو من إنتاج مشترك بين راديو وتلفزيون العرب ART و”أبوط بروداكشنز”  وRebus Film  أيضا. “ربيع” هو الشريط الروائي الطويل الأول للمخرج اللبناني الأرمني فاتشي بولغورجيان الحائز شهادة ماجستير في الفنون الجميلة من جامعة نيويورك، وسبق ان قدم مجموعة أفلام قصيرة وتجريبية مثل “علي العراقي” عام 2008 وشريط تخرّجه “الطابور الخامس” عام 2010 الذي حلّ في  المركز الثالث في مسابقة “سيني فونداسيون”لأفلام الطلبة، بعدما حاز منحة إنتاج من جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية.

من خلال فيلم “ربيع” يستعيد بولغورجيان موضوعات سبق أن عولجت في كثير من الأفلام الروائية والوثائقية والتسجيلية. موضوعات مثل الهوية والانتماء والذاكرة اللبنانية وشعور المرء بالغربة داخل وطنه ومخلفات الحرب الأهلية وصعوبة قراءة التاريخ والأحداث بعين موضوعية، فكل فئة ومجموعة وحزب وطائفة لديهم قراءتهم الخاصة والمختلفة للحدث عينه.

ولكن ميزة فيلم بولغورجيان تكمن في مزجه الذكي بين فكرتين متناقضتين، الأولى حقيقية والأخرى مجازية (على رغم مبالغة السيناريو في فلسفتهما وتحليلهما). فكرتان تتزاوجان بقوة، إحداهما هي الإعاقة الجسدية الفيزيولوجية، والثانية الإعاقة النفسية والروحية الرافضة لرؤية الواقع كما هو وتخطي الماضي. الأولى تتمحوّر حول شاب ضرير لا يرى بعينيه ولكنه يتمتّع ببصيرة ستقوده لكشف حقيقة هويته الغامضة، والثانية تتجسد في مجتمع يتعامى عن رؤية الحقيقة كما هي لأنه لا يجرؤ ان ينظر الى ماضيه بموضوعية، فيختلق حقائق وهمية تناسبه.

يروي الفيلم قصة ربيع (جبور بركات) الشاب الذي فقد نظره في طفولته، ويقيم مع أمه (جوليا قصار) وخاله المحارب القديم  (توفيق بركات)  في إحدى البلدات الشمالية. ربيع صاحب موهبة فنية فهو يعزف على الكمان والطبلة ويتمتع بصوت جميل وينتسب الى جوقة قريته (مديرها عبيدو باشا) التي ستتلقى دعوة للمشاركة في جولة فنية في أوروبا. وهكذا سيضطر ربيع لاستخراج جواز سفر، فيكتشف حينها ان تذكرته مزورة تماما مثل هويته الحقيقية التي أخفاها عنه أهله.

من هم أهله الحقيقيون؟ وكيف فقدهم خلال الحرب؟ ولماذا أنقذه خاله المحارب القديم؟

وهكذا سينطلق ربيع في رحلة طريق بين القرى الجنوبية والشمالية، على إيقاع موسيقى سينتيا زافين،  للبحث عن جذوره وحقيقته، معتمدا على معلومات مغلوطة لتاريخ واحد ومعركة واحدة ومأساة مشتركة يرويها كل شخص حسب رؤيته الخاصة وأهدافه ومخاوفه. ربيع سيقصد شيخا في الجنوب وميتما أرمنيا في الشمال وسيبحث عن رفاق خاله من المحاربين القدامى، وكل واحد منهم سيعطيه نسخته الخاصة عن قصص الحرب والمعارك ومخلفاتها. قصص لن تنير طريقه، بل ستجعله يغرق أكثر فأكثر في ضبابية من الحيرة والضياع التي تفوح منها رائحة المجازر التي ارتكبت في الماضي.

الكل سيتلاعبون بمصير هذا الشاب البريء الذي سيتمكن من الوصول للحقيقة وقلب صفحة الماضي ومتابعة مشواره في الحياة.

أداء جبور بركات من أهم نقاط قوة الشريط الذي لا يغرق في البكائيات ولا يثير فينا مشاعر الشفقة، بل العكس هو الصحيح، فنحن لن نشفق على الضرير بل على المجتمع الذي يغض الطرف عن كل ما لا يناسبه من حقائق. الشاب جبور بركات صاحب حضور مؤثر، ربما لأنه لا يمثل بل يعيش إعاقة بصرية حقيقية لن يعمى عنها  أحد من الحضور.

جبور الموجود في معظم المشاهد، استطاع ان يحمل الشريط على كتفيه، على رغم بعض الثغرات التي اعترضت طريقه وطريق الفيلم. فمثلا هذا الشريط المؤثر بقصته وطرحه وشخصياته ومعالجته، يعاني ثقلا في الإيقاع ( قد يكون خيارا مقصودا للتركيز أكثر على حالة الضياع التي يعيشها البطل) وضعفا في بنيته التي  جاءت مبسطة جدا واصطناعية (لم تلامسنا فعلا) وتعتمد التكرار (رحلات ربيع التي تخلو فعلا من المفاجآت الى القرى الهادئة الشبه خالية من الحركة والحياة وكأنها تعيش سلاما وهميا) واعتمدت على السرد للحصول على المعلومات، من دون اي عودة عبر مشاهد استذكارية الى مآسي الماضي التي ربما كان من شأنها ان تكسر الإيقاع الرتيب.

ومن أبرز نقاط قوة الفيلم خيار المخرج بإسناد دور البطل لضرير فعلي، مفضلا الواقعية على الحرفية في الأداء. خيار ناجح وموفق، فحضور هذا الشاب وموهبته الفنية وقدرته على تجسيد الغضب والثورة والتخبّط في بحر من التساؤلات،  كلها عوامل ستترك أثرها في كل من سيتابع الفيلم. بدورها جوليا قصار مؤثرة في دور والدة ربيع، بأداء طبيعي مشحون بالعاطفة والخوف. جوليا قصار هي من دون أدنى شك نجمة عام 2016 سينمائيا بعد مشاركتها في 3 أفلام. المشاركة الأولى دورها المميّز كمصابة بالألزهايمر في “يلا عقبالكن شباب”، ونتابعها حاليا في الصالات اللبنانية في شريط صوفي بطرس”محبس” بدور تيريز والدة العروس اللبنانية التي ترفض ارتباط ابنتها بشاب سوري، إضافة طبعا الى مشاركتها في “ربيع” الذي بدأت الصالات اللبنانية بعرضه بعدما افتتحت به “أيام بيروت السينمائية” دورتها التاسعة  في 15 اذار 2017.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل