الهندسة المالية لمصرف لبنان … ماذا لو لم يتحرك المركزي؟

كتب سيمون سمعان في المسيرة – العدد 1603

عرفت حاكمية مصرف لبنان ضغوطاً عديدة وكبيرة عبر تاريخها نظرًا لدورها المفصلي في أكثر من حدث ومحطة. ففي العام 1971 مورست ضغوط شتى على حاكم البنك المركزي يومها الرئيس الياس سركيس بلغت حد مطالبته بالاستقالة، من دون أن يتجاوب معها الرئيس سليمان فرنجية، على رغم أنه كان خصمه في الانتخابات الرئاسية. ويورد كتاب “أنا منكم… الرئيس الياس سركيس”، أنه “بقي متسلحًا بحكمة صمت الحاكم ولم يدخل في هذه الحرب الإعلامية والسياسية والأمنية. لم يستقل. فإذا كان لا بد من إقالته فليحصل هذا بأمر من رئيس الجمهورية”، الذي كان جوابه دائمًا “إنه يقوم بواجبه في المصرف المركزي وليس لي مأخذ عليه فلماذا يجب أن أغيّره؟… الثقة متوفرة. بقية الكلام حكي جرايد”… كانت نتيجة الحملات أن فرنجية ثبّت سركيس في منصبه وأمّن له الغطاء السياسي والرئاسي من أجل تأمين استمرار الاستقرار النقدي والمالي في وضع سياسي ينذر بالانهيارات وبتغيير وجه لبنان.

بعد حوالى أربعة عقود تغيّرت الأسماء لكن ربما الظرف لم يتغيّر. تغيّر اللاعبون لكن الضغوط عادت تستهدف الحاكم وكذلك الكلام عن استقالة مفترضة أو وجوب الإقالة. والحجة لا تُعدم سببًا، من تلبية مندرجات القوانين الأميركية الى الهندسات المالية… وما بينهما الكثير.

من بين سلة الضرائب التي تضمّنها مشروع قانون موازنة 2017، بنود ضريبية تؤمّن إيرادات إضافية بقيمة 2436 مليار ليرة، بعضها يصيب أرباح المودعين والمصارف… ومع أن معظم الضرائب لاقى أخذا وردّاً من المعنيين والمحللين، إلا أن الضريبة على أرباح المودعين والمصارف، فتحت الباب على نقاش أوسع أعاد تحريك الحديث حول “الهندسة المالية” الأخيرة لمصرف لبنان. تلك “الهندسة المالية” التي اعتمدها الحاكم رياض سلامة نتيجة لاستمرار التصعيد السياسي ودخول البلاد في أزمة وطنية ودستورية بلغت ذروتها الصيف الماضي، ورفعت المخاطر إلى حدها الأعلى، هناك من اعتبر أنها كانت مكلفة للبنان، فيما اعتبر آخرون أنها كانت واجبة.

ومن المتابعين من يعتبر أن استهداف الهندسة المالية ما هو إلا استهداف للحاكم في إطار الضغوط الممارسة عليه، وصولاً الى تسريب أخبار مؤخرًا عن أنه وضع استقالته في تصرف رئيس الجمهورية، الأمر الذي نفاه مكتبه.

وهناك من الإقتصاديين من يعيد قسما من الأرباح المحققة للمصارف وكبار المودعين، إلى الهندسة المالية لمصرف لبنان، بعد أشهر قليلة من إطلاق الخطة في حزيران من العام الماضي. في حين ناشد عدد من المصرفيين الحاكم سلامه الوقوف إلى جانبهم نظراً لما قد تؤدي اليه الاجراءات الضريبية تجاه المصارف، من مخاطر نظامية، كما من انعكاس سلبي على الاستقرار النقدي في شكل عام. فما هي الهندسة المالية وماذا كانت نتائجها؟

ماهية الخطة ومبرراتها

يستهلك لبنان سلعاً بقيمة 18 مليار دولار ويصدّر بقيمة 3 مليارات دولار، أي أنه في حاجة إلى 15 مليار دولار لتمويل الفارق بين الاستيراد والتصدير وتغطية عجز الميزان التجاري. وبعد تراجع الدخل من السياحة والإستثمارات وتحويلات المغتربين، بات البلد يفتقر إلى مصادر دخل بالعملات الصعبة. وهذا يعني استطرادا أنه في حال الأزمات مثل التي مرّت على لبنان، تضعف الثقة بالعملة الوطنية، ويزداد الطلب على العملات الأجنبية المتناقصة أصلا، ما يرفع سعرها مقابل العملة الوطنية التي تبدأ بالتراجع. وهو ما حصل مثيل له في عدد من البلدان المحيطة ومنها مصر وتركيا، وسوريا ولو لأسباب مختلفة.

هذا الواقع، معطوفا إليه ارتفاع المخاطر، خصوصا السنة الماضية بعد سنتين على الشغور الرئاسي والشلل المؤسساتي، دفع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى اللجوء إلى الهندسة المالية الأخيرة، بهدف زيادة الإحتياطيات بالعملات الأجنبية وضمان ثبات سعر صرف الليرة والإستقرار النقدي عموما. لكن على الرغم من الإيجابيات التي حققتها الخطة، إلا أن هناك من اعتبر أن كلفتها كانت باهظة، وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك مشككا بالخطة من أساسها، سياسةً وأهدافاً ونتائج.

مصرف لبنان كان حدّد منذ التسعينات هدفه الأول وهو الحفاظ على التدفقات المالية من الخارج، مكرّساً تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف. وفي هذا الاطار نفّذ هندساته، وآخرها العمليات التي أدّت إلى خلق كمية كبيرة من النقد الدفتري تقدّر بنحو 32 ألف مليار ليرة. وقد شرح المصرف المركزي اعتماد هذه الخطة بأنه يهدف إلى ضمان تثبيت سعر صرف الليرة في مقابل الدولار، ودعم الإستقرار النقدي والإجتماعي والسياسي.

وبالتوافق مع وزارة المال، استبدل مصرف لبنان سندات دين بالليرة اللبنانية بسندات دين بالعملات الأجنبية بقيمة ملياري دولار (مليار دولار بفائدة 6.85 في المئة، 500 مليون دولار بفائدة 6.4 في المئة، و500 مليون دولار بفائدة 6.25 في المئة). وتجنباً لرفع الفائدة، اختار مصرف لبنان اعتماد هندسة مالية، أجازت له الشراء من المصارف الخاصة سندات خزينة بالليرة اللبنانية بقيمتها الإسمية وباستحقاقات تقل عن 12 سنة مع فوائدها غير المستحقة (تراوح بين 7.08 في المئة و8.74 في المئة سنوياً)، مقابل بيعها سندات دين بالدولار (يوروبوندز، شهادات إيداع). واتفق مع المصارف على أن تدفع قيمة هذه السندات من أموال خارجية (نحو ملياري دولار) أو داخلية. وهو اعتمد هذه الخطة-الهندسة لتثبيت سعر صرف الليرة بعدما كانت الأزمة السياسية التي بلغت ذروتها قبل انتخاب رئيس للجمهورية، هددت بانفلات الوضع على المجهول.

هذا المبلغ المجموع، دخل الى ميزانية المصرف المركزي معزّزاً احتياطياته بالعملات الأجنبية، التي كان قد استنزفها في السنتين الماضيتين دفاعاً عن سياسة التثبيت النقدي، ما دفع بعثة صندوق النقد والبنك الدوليين المشتركة إلى التحذير يومها من أن تلك “الاحتياطيات باتت سلبية جداً وضعيفة ما يُنذر بالمخاطر إذا لم تعالج بالسرعة الممكنة”. ولم يكن مصرف لبنان بعيدا عن هذا الجو، فاستدرك الأمر واتخذ المبادرة الإنقاذية التي مهما واجهت من تفسيرات سلبية تبقى الحقيقة أنها حققت إنقاذا فعليا من أزمة محققة.

ملاحظات وانتقادات

لكن على الرغم من أهمية الهندسة المالية وأهمية اعتمادها في الظرف السياسي الحرج الذي كان يعانيه لبنان قبل انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة، إلا أن منتقدي هذه الهندسة قالوا إنها كانت “مكلفة جداً”. وهي وإن نجحت بتأكيد قدرة مصرف لبنان على تمويل القطاعين العامّ والخاصّ من دون الحاجة للجوء إلى التمويل الخارجي، لكنها لم تخرج عن سياق سياسة الإستدانة وتراكم الفوائد.

هذه العمليات أدّت الى تراكم سيولة بالليرة، يجري الإعداد لامتصاصها عبر وزارة المال التي ستصدر سندات خزينة طويلة الأجل، على الرغم من أن حسابها لدى مصرف لبنان فائض بقيمة 11 ألف مليار ليرة”. كذلك فإن قيام مصرف لبنان بشراء سندات الخزينة من المصارف، خَلَقَ لديها سيولة كبيرة بالليرة اللبنانية، يرى البعض أنه لا يمكن توظيفها إلا في السوق المحلية، خلافاً لإمكانية توظيف أي سيولة بالدولار في الخارج.

وهناك من الإقتصاديين من قال لـ”المسيرة” إن آخر الهندسات المالية التي اعتمدها مصرف لبنان رسمت علامات استفهام حول الجدوى من عمليات الـ SWAP التي أجراها المركزي مع عدد من المصارف اللبنانية، وتوقيتها، معتبرين أن إقدام مصرف لبنان على الإستحواذ على كميات كبيرة من العملة الصعبة لرفع احتياطياته من الدولار الأميركي، ستكون له كلفة على المديين المتوسط والبعيد لجهة إغراق المصارف بالسيولة بالليرة.

مواجهة المخاطر والتحديات

هكذا، فإن هذه السياسة التي لجأ إليها المصرف المركزي مؤكدا نجاحها في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، وُوجِهت بانتقادات طالت أهدافها وسياقاتها والمضاعفات التي ستتركها على أكثر من صعيد مالي واقتصادي. في مقابل ذلك، كيف شرح الحاكم سلامه هندسته وماذا قال عن مبرراتها ونتائجها؟

يؤكد سلامة ردا على الإنتقادات الموجهة إلى الهندسة المالية، أنها جنبّت لبنان مخاطر نقدية ورسّخت استقرار سعر صرف الليرة، وذلك حين استشعر البنك المركزي باقتراب أزمة مالية خطرة قد تضرب لبنان، متأتية من تراكم عوامل سلبية عدة، منها ارتفاع عجز ميزان المدفوعات في مقابل عدم نمو الودائع وتراجع موجودات المركزي بنسبة لافتة بلغت 10 في المئة.

ويوضح مصدر مسؤول في مصرف لبنان لـ”المسيرة” أن اعتماد الهندسة المالية كان خياراً ضرورياً في المرحلة التي طُبّقت فيها، مشيرا إلى أن حاكم المركزي لجأ إليها بعدما استنفد جميع الوسائل لتجنيب البلد الإنهيار النقدي. وليس جديدا أو غير معلوم القول إن البلد كان بلغ حافّة الهاوية مطلع الصيف الماضي، وكانت المراجع المالية المحلية والدولية تتوقع أن يخرج الوضع عن السيطرة مع نهاية العام 2016. ولم يكن مرتقبا في ذلك الحين أن يتم انتخاب رئيس وأن تعود المؤسسات إلى العمل من جديد. وعليه فما كان من الحاكم إلا تلقُّف الأمر والمبادرة إلى تحصين الوضع تجاه المخاطر الداهمة. وقد ساعد في نجاح الخطة أكثر إنتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية.

ويقول المصدر المسؤول في مصرف لبنان إن التعميم رقم 428 الذي أصدره المركزي، يفرض على المصارف تكوين مؤونات بالليرة اللبنانية تحتسب ضمن الأموال الخاصة بما يوازي قيمة الفائض الناتج عن عمليات بيع أدوات مالية سيادية بالليرة اللبنانية، وتلازماً شراء أدوات مالية بالعملات الأجنبية. لافتا إلى أن قيمة الفائض من العمليات تخضع لضريبة الأرباح. ويتابع المصدر أن الهندسة المالية تساعد في تخفيف كلفة المديونية العامة كونها تقوم باستبدال دين سيادي بالليرة اللبنانية مرتفع الكلفة بدين سيادي بالعملات الأجنبية بكلفة أقل ما ينعكس وفراً في خدمة الدين العام ما بين 40 إلى 50 مليون دولار سنوياً.

ويضيف المدافعون عن الهندسة المالية، أنها عزّزت احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية التي ارتفعت إلى مستويات قياسية من 33.2 مليار دولار في شهر حزيران 2016 إلى نحو 42 مليار دولار مع بداية العام الحالي، كما أنها تطمئن الأسواق والمستثمرين والمودعين، وتساعد الحكومة على مواجهة استحقاقاتها بالعملات الأجنبية. ويلفتون إلى أن الأموال التي جاءت من الخارج الى لبنان فرض المصرف المركزي تحويلها الى الليرة اللبنانية، وبالتالي هذا ما عزز العملة الوطنية، كما فرض شروطاً على كيفية إنفاق هذه الأموال لتنفق في مشاريع واستثمارات تسهم في الحركة الاقتصادية الداخلية التي تباطأت في الفترة الأخيرة.

ويعتبر هؤلاء أن الهندسة المالية تمكّنت من استعادة قسم مهم من أموال اللبنانيين التي هجرت لبنان وذلك نظرا للفارق المحقق في الفوائد لصالح المودعين في لبنان. وكذلك بعضا من الودائع العائدة لمودعين عرب. الأهم أنّ الهندسة المالية أمّنت المدخل وجسر العبور لانتقال الأمان المالي والنقدي إلى الضفة الأخرى من غير مخاطر، إلى أن استعادت الدولة المبادرة وعادت الثقة إلى عمليات التعاطي المالي حتى وإن لم يبلغ الوضع بعد حد التعافي الكامل.

في الميزان والموازنة

لكن هل يصح الربط بين ما تُتّهم به المصارف من أرباح زائدة وبين الضرائب التي قد تُفرض على أرباحها أو على أموال المودعين؟

جمعية مصارف لبنان شكت بلسان رئيسها الدكتور جوزف طربيه ممّا وصفته بـ”الازدواج الضريبي” في الإجراءات المقترحة في مشروع الموازنة، إذ إن المصارف ستكلّف بضريبة الفوائد (التي يقترح المشروع رفعها من 5 في المئة الى 7 في المئة)، ثم ستكلّف مرّة ثانية على الارباح. معتبراً أن الأرباح هي فوارق فوائد وأن المصارف تقوم حالياً باقتطاع الضريبة على الفوائد ثم تقوم بتنزيلها من ضريبة الأرباح.

كذلك تعتبر جمعية المصارف أن الإجراءات المدرجة في الموازنة تؤدي الى تمييز في معدلات الضريبة بين المصارف نفسها. ويلفت طربيه إلى أن المعدّلات ستراوح بين 17 في المئة و76 في المئة، بعد احتساب أثر الضريبة على الفوائد والضريبة على الارباح معاً.

في المقابل يُؤكد المصرفيون أن المصارف لم تحقق أية أرباح غير التي تتأتى من صلب عملها، نافين قطعا ما حاول البعض تسويقه من سلبيات مستهدفا خطة البنك المركزي لغايات لا تمت إلى الواقع بصلة. ويشددون على أن خطة المركزي المتمثلة بالهندسة المالية، نجحت في تدعيم الليرة وليس صحيحا أن ذلك كان بكلفة باهظة، بدليل أن المركزي لم يرفع الفوائد على الليرة كما حصل إبان اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بهدف تثبيت سعرها. مشددين أنه مهما تكن كلفة الخطوة، تبقى أقل من احتمال الانهيار النقدي الذي كانت الخشية منه مشروعة لو لم تتم المبادرة إلى انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة وضع قطار الدولة على السكة الصحيحة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل