“إفتتاحية المسيرة”: الموازنة والكهرباء لولا “القوات”!..

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1604

لماذا انسحب الرئيس سعد الحريري من جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السراي الحكومي يوم الإثنين 27 آذار؟ ولماذا عاد ليتم إقرار الموازنة في سرعة قياسية ومفاجئة؟ ماذا حصل في الجلسة التي عقدت في القصر الجمهوري في بعبدا في اليوم التالي وتم في خلالها إقرار خطة الكهرباء؟ ما هو الدور الذي لعبه حزب “القوات اللبنانية” في الجلستين وفي التعديلات التي أدخلت على الموازنة وعلى خطة الكهرباء؟ وما هي أهمية هذه الجلسات الحكومية في ترسيخ مسيرة العهد من أجل أن يكون سيد نفسه ومن أجل أن يعود لبنان إلى مرتبة الدولة؟ وهل سيكمل هذا المسار من خلال إنتاج قانون انتخابات جديد يكون هو الطريق نحو استعادة التوازن الداخلي بحيث يشكل بداية حقيقية للعهد؟

لم يكن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يناور عندما قال في 2 آذار الماضي خلال افتتاح المؤتمر التنموي لمنطقة كسروان: “إذا شعرنا أننا موجودين في الحكومة دون تغيير الوضع القائم سنقدم استقالتنا لأننا لا نهوى العمل الحكومي بل هدفنا تصحيح الوضع القائم”. هذا الموقف الذي أعلنه كان على خلفية طرحه حل مشكلة الكهرباء ودعوته الحكومة إلى إشراك القطاع الخاص في عملية الإنتاج للتخلص من الهدر الذي أوقع الموازنة في عجز كبير في الوقت الذي كان مجلس الوزراء يبحث في إقرار الموازنة العامة.

عندما أعلن جعجع برنامج ترشحه إلى رئاسة الجمهورية كان هناك تركيز أساسي على موضوع الإصلاح وعلى بناء الدولة القوية. وعندما تبنى خيار ترشيح العماد ميشال عون كان يراهن على أنه يدخل ضمن إطار بناء هذه الدولة. ولذلك لم تخرج “القوات” من هذه الإستراتيجية ولم تسع إلى السلطة حبًا بالسلطة. وهي قبل ذلك وخلال عهد الوصاية رفضت المشاركة في الحكم لأنها أدركت أن ذلك العهد سيقوم على أنقاض الدولة والجمهورية ويؤسس دولة المحاسيب والمنتفعين والمستفيدين بحيث أصبح معه الفساد هو القاعدة ومن دون أي خجل.

بين الموازنة والكهرباء لم تتوقف حركة “القوات” عبر الوزراء الذين يمثلونها في الحكومة وعبر النشاطات والمؤتمرات التي نظمها الحزب في معراب. قبل ذلك تصدت “القوات” لهاتين المسألتين. وفي لقاءات حزبية خاصة كان الدكتور جعجع يشدد في شكل مستمر على أهمية مشاركة “القوات” في الحكومة في هذه المرحلة معتبرًا أن وجودها داخل الحكومة سيكون متعبًا لها أكثر من وجودها في خارجها ولكنه دائمًا كان يراهن على أن في إمكان “القوات” أن تشكل دافعًا قويًا من أجل التصدي لطريقة الحكم السابقة ولملفات الهدر والفساد وعلى أنها يمكن أن تكون القوة التي تجتمع معها القوى التي ترفض أيضًا استمرار عمليات الهدر والفساد حرصًا على العهد وسيده وعلى أهمية إحياء الأمال التي راهنت على نجاحه.

منذ طرحت مسألة إقرار سلسلة الرتب والرواتب لم تكن “القوات” بعيدة عن المشاركة في البحث عن حلول لها. على هذا الأساس كانت لجنة نائب رئيس الحزب النائب جورج عدوان التي تمكنت من وضع أرقام مقعولة لها أنزلتها إلى ما يقارب الألف ومئتي مليار ليرة من أجل أن تكون هناك قدرة على الإلتزام بها وإيجاد مصادر التمويل اللازمة لها حتى لا تظل حبرًا على ورق الإنتظار.

عندما عاد مجلس النواب إلى البحث في السلسلة تم اعتماد ما توصل إليه النائب جورج عدوان. ولكن عندما كان بعض المتضررين من التقدم نحو إقرارها يحاولون أن يحركوا الشارع كان لا بد من اعتماد استراتيجية مختلفة. لم تكن “القوات اللبنانية” مع الإتجاه نحو فرض ضرائب جديدة قبل أن تقدم الحكومة والعهد خطة شاملة للإنقاذ وقبل أن يكون هناك تأكيد على أن محاربة الفساد سيكون لها الأولوية على قاعدة أن وقف الهدر كفيل بتمويل السلسلة من دون ضرائب. وعلى هذا الأساس طرح الدكتور جعجع الخطة التي يمكن اعتمادها لتوفير متطلبات السلسلة من خلال سلة إجراءات أهمها: تخفيض أرقام موازنة السنة والتي تبلغ 26 مليار الى 22 مليار دولار ووضع دفتر شروط من قبل وزير الطاقة سيزار أبي خليل لإشراك القطاع الخاص في الكهرباء، بعد الإنتهاء من الموازنة وعدم التهرب من الضرائب  ضبط وضع الجمارك إذ هناك مسالك غير شرعية برية وجوية وبحرية ووقف التوظيف “قاطبة” في الدولة اللبنانية.

عندما عقدت جلسة مجلس الوزراء يوم الإثنين في السراي للبحث في موضوع الموازنة كان الهدف تخفيضها إلى 22 ألف مليار ليرة من خلال تخفيض موازنات معظم الوزارات. كان الرئيس سعد الحريري مقتنعًا بما ذهبت إليه “القوات” ولكن بعض الوزراء حاولوا أن يتمسكوا بالموازنات “الفضفاضة” ومن بينهم وزير حقيبة خدمات أساسية. عند هذا الحد انتفض الرئيس سعد الحريري وقال إن هذا الأمر لا يجوز. وإذا بدنا نعمل تقشف ما فينا نتعاطى بهالشكل ونحن لا نعيش حالة ترف يجب التصرف بمسؤولية. وغادر جلسة مجلس الوزراء وبحسب المعلومات أن الحكومة كان يمكن أن تنفجر من الداخل وقد استدعى الأمر اتصالات سياسية مكثفة حيث أن رئيس حزب “القوات” تلقى أكثر من 17 اتصالا من الوزراء من داخل السراي قبل أن يعود الرئيس سعد الحريري إلى الجلسة وتتم دعوة الوزراء إلى العودة إلى القاعة ويتم إقرار الموازنة بعدما تم تخفيضها من نحو 27 ألف مليار ليرة إلى 22 ألف مليار.

ما حصل في موضوع الكهرباء لم يكن مختلفاً عما حصل في موضوع الموازنة. عندما حصلت “القوات اللبنانية” على الخطة التي وضعها الوزير سيزار أبي خليل انكب فريق عمل قواتي على درسها وتم وضع عدد من الملاحظات عليها حملها وزراء “القوات” معهم إلى الجلسة التي عقدت في قصر بعبدا وكانت التوجيهات واضحة لجهة عدم الموافقة على الخطة من دون الأخذ بالملاحظات. موقف “القوات” جمع حوله مواقف وزراء آخرين بحيث باتت هناك أكثرية مع تعديلات أساسية لناحية استئجار البواخر وإشراك القطاع الخاص في عملية الإنتاج بحيث تكون الخطة متكاملة وشفافة وخاضعة للمراجعة والمحاسبة وبعيدة عن أي تشكيك من أجل مصلحة العهد الذي يجهد لتقديم صورة جديدة في الحكم وإدارة الدولة.

هذه الصورة يجسدها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. بعد جلسة الكهرباء في قصر بعبدا توجها معًا إلى الأردن لتمثيل لبنان في القمة العربية. من ضفاف البحر الميت يستعيد لبنان حضوره على الساحتين العربية والدولية. قبل أن يتم انتخاب العماد عون كانت الدولة ضائعة وشبه ميتة. اليوم هناك ممارسة جديدة تشعر معها الناس أن هناك دولة وأن روح الطائف يعيش في هذه الدولة ويحركها. هناك تفاهم سياسي خصوصًا حول القضايا المعيشية وحول محاربة الهدر والفساد. وهناك تناغم بين الرئيسين عون والحريري. لم يكن صحيحًا أبدًا ما قيل عن أن الرئيس عون لن يترك الرئيس الحريري يترأس أي جلسة للحكومة. هناك جلسات تعقد في السراي وأخرى أكثر أهمية تعقد في قصر بعبدا. مجلس النواب يستعيد دوره التشريعي. المؤسسات يمكن أن تعود إلى العمل المنتظم. هناك رهان على أهمية التعيينات الأمنية والعسكرية التي حصلت وعلى أن الجمارك ستكون أمام تحد كبير من أجل ضبط التهريب تحت طائلة المحاسبة. ولولا إرادة الرئيس أولاً لما كانت مرت الموازنة ولا أقرّت خطة الكهرباء.

هل يكمل هذا المسار نحو التوافق على قانون جديد للإنتخابات؟ لا شك في أن الرئيس أيضًا له دور كبير في هذه العملية منذ أعلن أنه لا يهاب الفراغ وأنه لن يقبل بالإنتخابات على أساس قانون الستين ويرفض التمديد بالمطلق وأن المطلوب أن يؤمن القانون الجديد صحة التمثيل. ومن هذا المنطلق يأتي أيضًا رفض “القوات” اللبنانية للنسبية الكاملة في الدائرة الواحدة. لأن هذا القانون هو الذي يسمح بأن تكون هناك انتخابات تؤمن التمثيل الصحيح وتؤكد أن هناك بداية جديدة وحقيقية للعهد كما كان أعلن الرئيس عون نفسه عندما اعتبر أن حكومة العهد الأولى هي التي ستكون بعد هذه الإنتخابات وهي التي ستسمح حكمًا بأن يكون العهد سيد نفسه حقا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل