
المشنوق
وبعدما استعرض تاريخ دولة الإمارات ومزايا قادتها، قال المشنوق: «في دولةٍ هذا تاريخُها وهذه مواصفات قيادتها ومؤسّساتها، ليس غريباً أن تُعقد الدورة الأولى من منتدى «التعاون من أجل الأمن» بالشراكة مع المنظمة الدولية للشرطة الدولية الإنتربول والمؤسسة الدولية للإنتربول التي يشرّفني أن يترأسَها دولة الرئيس الياس المر الذي سبَقني إلى وزارة الداخلية وهو يناضل منذ ذلك الحين وربّما قبل ذلك، ويستمرّ في النضال منذ محاولة اغتياله، لا أعادَها الله في 12 تمّوز 2005، وبَعده.
عرفتُ الياس المر طويلاً، عرفتُه ابناً رافقَ أحد رجالات لبنان الكبار دولة الرئيس ميشال المر، أطال الله بعمره، عرفتُه وزيراً نشيطاً شجاعاً مؤمناً بمشروع الدولة لا يساوم على كرامة مؤسساتها ولا يساير في حماية هيبتها.
لم تكن محاولة اغتيال الياس المر عملاً عشوائياً مفصولاً عمّا يمثّله الرجل وتجربته وسيرته. لقد أنفقَ، بعد محاولة اغتيال الصديق مروان حماده وقبل محاولة اغتياله، بأشهر، ساعات طويلة بين المحاولتين لكشفِ خيوط جريمة اغتيال الصديق مروان، كشفَ القليل وربّما أكثر في الوقت الذي تعرّضَ خلاله إلى ضغوطات لا طاقة لأحد عليها مورسَت عليه يومها، وسيأتي اليوم الذي سيَكشف فيه هو للرأي العام اللبناني والعربي البقيّة الباقية من هذه القصّة، لكنّ الثابت أنّ المعلومة الوحيدة والأكيدة التي نعرفها مع ملفّ محاولة اغتيال مروان هي بفضل الجهود التي رأسَها الوزير المر مع ضبّاط قوى الأمن الداخلي، ولن أزيد أكثر.
الرواية الثانية غير متداوَلة كثيراً، هي ملفّ تفجير السفارة الإيطالية التي كانت ربّما أولى بشائر محاولة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكان للدور الذي لعبَه الياس المر الأثر الكبير، وكذلك للتوقيفات التي حصَلت، وفي مصادرة آلاف الكيلوغرامات من العبوات التي وفّرت أدلّة جديدة عن الجهات التي خطّطت وسعت لتنفيذ تلك المحاولة وفي غيرها من الجرائم.
حين لم ينجحوا في ثنيِ الصديق الياس المر عن جهوده في ملفَّي مروان حمادة والسفارة الإيطالية، وبسبب ما كشفَته التحقيقات عن معلومات خطيرة وخيوط أخطر، جرى توظيف ملفّ الإسلاميين ضدّه، وحاوَل نظام الوصاية في حينه إيقاع الفتنة بينه وبين الشارع السنّي في لبنان.
للمفارقة، قبل محاولة اغتياله، شهدَ مقرّ المخابرات السورية تظاهرات وعراضات للإسلاميين الذين ليس فيهم شيء من الإسلام إلّا وضعُهم في معسكرات وتصديرُهم إلى العراق في ذلك الحين. لم ينتبه دولتُه أو انتبَه متأخّراً إلى أنّه دخلَ إلى الملف الأخطر في المنطقة بعد العام 2003، وهو تفجير الوجود الأميركي في العراق.
كانت الإشارة الأولى لتوظيف النظام السوري للإسلام السياسي التكفيري في معاركه وإدارة مصالحه، وهو ما مارسَه مع حلفائه لاحقاً في العراق وما يستمرّ هذا المحور في توظيفه حتى اليوم كما تُظهر التحقيقات والتقارير الأمنية الجدّية منذ جريمة 11 أيلول في نيويورك وحتى «داعش» في الموصل والرقة».
وشدّد المشنوق على أنّه «رغم التهديدات استمرّ الياس المر بشجاعته المعهودة، وكان موعده ولا يزال مع الولادة الثانية حين فشلَ المتآمرون في تصفيته وبعد رحلة آلام طويلة وعشرات العمليات الجراحية المعقّدة، استمرّ الياس المر بخطّ المواجهة مع التطرّف والإرهاب، وعلى طريقته كان شريكاً في معركة السيادة اللبنانية المكلفة.
صَمد بعدما وصَل إلى قلب الموت وعاد منه، وهو اليوم في الخط نفسِه منتقلاً من المسرح الوطني اللبناني في المواجهة إلى المسرح الدولي من خلال مؤسسة الإنتربول ممثلاً لبنان والسياديّين فيه ولكلّ من يَعتبر نفسَه شريكاً حرّاً في العالم في مواجهة الإرهاب والظلام والتطرّف.
العزيز الأخ الياس، نفتخر بك ونعتزّ بمكانتك ونُراهن على أعلى درجات التعاون معك ومع مؤسسة الإنتربول في معركتك الطويلة من أجل أوطانٍ آمنة ومستقرّة.
نحن في لبنان في خط المواجهة الأمامي ربّما كنّا السبّاقين إلى المواجهة ليس الأمنية فقط بل السياسية والاجتماعية والثقافية، لا أقول جديداً إن عدتُ إلى التذكير بأنّ موقع لبنان ومعناه وتجربته المتعدّدة وتنوّعَه والعيش الواحد وكبقعةٍ حضارية كان الاعتدال ولا يزال أبرز صفاتها ومكوّناتها.
نحن نرى في الإمارات العربية المتّحدة شريكةً في القيَم نفسِها وفي التطلّعات ذاتها، آملاً أن نرتقي بالتعاون بين بلدينا من خلال مؤسسة الإنتربول وخارجها إلى ما يخدم هذه التوجّهات وأمنَ البلدين. الحمد لله يا دولة الرئيس المر، أنّك خرجتَ من الصغائر اللبنانية والتفصيلية إلى عالمٍ أرحب وأوسع، والحمد لله أكثر وأكثر أنّ البنيان الأكبر له سيكون في دولة الإمارات وتصرّف قيادتها المسؤول حيال العرب والعروبة وأمن المنطقة».
وأضاف: «على سيرة الصغائر، لم أكن أنوي الحديثَ، لكن سأقول كلمة واحدة: هناك بيان صَدر في الصُحف عن رئيسَي جمهورية وثلاثة رؤساء حكومة، أرسِل إلى الأمين العام للجامعة العربية، وفيه حديثٌ عن عروبة لبنان وعن إعلان بعبدا وغيره.
أقول كلمة واحدة فقط، مِن حقّهم صياغة هذا البيان لكن يجب أن يتذكّروا أنّ اثنين منهم كانوا مؤتمَنين على الدستور، ويجب أن يتذكّروا أنّ ثلاثة منهم كانوا دائماً مؤتمَنين على الدولة.
مِن حقّهم تقديم البيان إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لا أن يبعثوه إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، كما لو أنّ لبنان منقسم، لا، لبنان ليس منقسماً، ونحن لسنا منقسمين، بل نواجه بداية عهدٍ جديد، فيه مصاعب وخلافات ومشاكل، وهذا أمرٌ طبيعي، ويمكن أن نختلف وأن نتصالح، لكن كلّنا ذاهبون نحو إعادة بناء الدولة من جديد. لم أقل إنّنا سننجح، بل إنّنا سنستمرّ بالمحاولة.
وسأسمح لنفسي أن أقول إنّ هذا البيان، بخروجه عن الحدود اللبنانية، هو خطيئة وطنية، لأنني بصدق مقتنع بحقّهم في التعبير عن رأيهم، لكنّ واجبهم قبل ذلك أن يعترفوا برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، أياً كانت أسماؤهم، وأن يسلّموهما العريضة وأن ينشروها في وسائل الإعلام، لكن لا أحد يَبعث بياناً إلى الأمانة العامة للجامعة العربية حول خلاف لبناني.
لا يُزايد علينا أحد في العروبة ولا في سلاح «حزب الله» ولا في السياسة الإيرانية. كنتُ أتمنّى صادقاً ألّا يضطرّ شخصٌ مثلي، صديقٌ للخمسة في المناسبة، أن يقول هذا الكلام ردّاً عليهم، لكن من يتجاوز الحدود في الجغرافيا يتجاوز الحدود في أصول السياسة.
آسف أنّني ختمتُ كلامي بصغائر لبنان، إنْ شاءَ الله نتعلّم من دولة الرئيس المر أن نخرج إلى المجال الأرحب، وتبقى عروبة لبنان وسلامة شعبه عنوان كلّ اللبنانيين في كلّ مكان».
ثمّ قدّم المشنوق درع وزارة الداخلية إلى المر، قائلاً له: «هذا أوّل علمٍ لبنان وقّع عليه رجال الاستقلال، وأنت من يستأهل الحصولَ عليه لأنّك مدافع حقيقي عن السيادة والحرّية والاستقلال».
الشيخ نهيان
مِن جهته، حيّا وزير الثقافة الإماراتي الشيخ نهيان مبارك آل نهيان في كلمته المشنوق بصفةٍ خاصة، متمنّياً له «طيبَ الإقامة في بلده الثاني، الإمارات».
كلمة المرّ
بدوره، شكرَ المر الوزير المشنوق، قائلاً إنّه «بعد كلام الأخ الكبير والصديق العزيز، صعب أن أوسّع أو أغوص في أيّ ملفّ». وأضاف: «ما عرفتُه إلّا سبّاقاً في الدفاع عن لبنان ومناضلاً في سبيل الحقّ وجريئاً في منبر الكلمة والرأي».
كذلك شكرَ المر الوزيرَ بن نهيان، وتوجّه الى الحاضرين قائلاً: «يشرّفُني أن ألتقي هذه الوجوه المفعمة بالأمل، لأنّها تروي قصصَ نضالات ونجاحات حقّقَها كلُّ واحدٍ منكم، تفتخرون بها، ونفتخرُ بكم. وهنا لا بدَّ من أن نحيّي بلدكم الثاني الذي فتحَ أبوابَه أمام كفاءاتكم، وفتحَ أبوابَ الفرص أمام نجاحاتِكم. فبادلتُم دولةَ الإمارات، المحبّة بالمحبّة، والثقة بالثقة، وشاركتُم في نجاح هذا الشعب الأبي».
وأضاف: «ما يجمعُ بين لبنان والإمارات تاريخٌ من المحبّة والاحترام والتعاون، لا يمكنُ لأحدٍ تجاوزُه ولا تشويهُه. لم تكُن الإمارات يوماً إلّا سبّاقةً في دعمِ لبنان واللبنانيين. ولا يمكنُ أن يكون لبنانُ إلّا حريصاً على هذه العلاقة الأخوية قبل وفوق أيّ مصلحة أخرى».