

افتتحت كلية الحقوق في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمرًا دوليًا بعنوان: “الذكرى الخامسة والسبعون لصدور القانون التجاري اللبناني (1942-2017)”، في حضور وزير العدل سليم جريصاتي، الرئيس الأول لمحكمة التمييز ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، المدير العام لوزارة العدل القاضية ميسم النويري، الوزير السابق البروفسور ابراهيم نجار، رئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي مالك صعيبي، رئيس الهيئة العليا للتأديب القاضي مروان عبود، نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية الأب طلال الهاشم، العميدة المشاركة في كلية الحقوق البروفسورة غادة كرم، وحشد من القضاة والمحامين وأعضاء مجلس الجامعة والأساتذة الأكاديميين والطلاب… في قاعة جان الهوا، في حرم الجامعة الرئيسي في الكسليك.
قمّوع
بعد النشيد الوطني اللبناني، كانت كلمة افتتاحية للأستاذة المحاضرة في كلية الحقوق ماريا قمّوع اعتبرت فيها أنّ “القانون التجاري يُعنى بتنظيم الحياة الاقتصادية ومنهجتها. فهو يضم مجموعة القواعد المتعلقة بالتجارة والتجار، وهو يحدد آلية تنظيم عمليات إنتاج الثروات وتوزيعها، في مجتمع معيّن. ولا يخفى على أحد أنّ المعايير القانونية التي ترعى مجمل الحياة الاقتصادية، لم تعرف، منذ عقود عدة، أي تعديلات أو تغييرات فعلية. وهكذا، باتت تلك القوانين غير ملائمة لاحتواء ظواهر الحياة الاقتصادية المعاصرة وتنظيمها ولم تعد تلبّي حاجات الحياة العملية الراهنة”.
الأب الهاشم
ثم تحدّث نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية الأب طلال الهاشم مشيراً إلى أنّ “القانون التجاري اللبناني لا يتأقلم ومتطلبات الأنشطة التجارية، بشكل عام، والمجتمعية بشكل خاص. وإنّ التطورات التي طرأت على العالم الاقتصادي قد أحدثت انقلاباً في عملية تنظيم الشركات. ومن الآن فصاعداً، يشترط الزعماء والمساهمون والأسواق ومجمل الجهات الاقتصادية وجود بنى أكثر تفاعلاً وشفافيةً وأمناً”.
وتابع بالقول: “في الواقع، على لبنان أن يخلق انسجاماً بين أنظمته وقوانينه، من جهة، وبين الاتجاه العالمي الذي يسلكه عالم الأعمال، من جهة ثانية. علماً أنّ هذا الاتجاه يتأثر كثيراً بنظام القانون العام بهدف إقامة توافق بين القوانين المدنية والاتجاهات العصرية هذه. فانطلاقاً من هنا، لابد من المشرعين والتجار اللبنانيين أن يعملوا يداً بيد ويفكروا بكيفية تحديث هذا القانون الذي ستظهر ثماره على الاقتصاد الوطني”.
جريصاتي
وألقى وزير العدل سليم جريصاتي كلمة أشار فيها إلى أنّ “القانون التجاري قد انبثق من ممارسة الأعمال التجارية. وقد قام التجار بصياغة قانون خاص بهم لأنّ القانون المدني الكلاسيكي، المتمسّك بالشكليات، لم يعد يلبّي حاجاتهم ومتطلباتهم”.

ثم عرض “للمراحل التاريخية التي مرّ بها القانون التجاري في لبنان الذي صدر في العام 1942. وقبل ذلك التاريخ، كان يُعمل بالقانون التجاري العثماني الذي ليس سوى استنساخ للقانون التجاري الفرنسي الصادر في العام 1807. هذا وعرف القانون التجاري اللبناني سلسلة من الاصلاحات التشريعية منذ العام 1963 حيث جرى تعديل أو إضافة بعض النصوص لتنظيم عدد من المواضيع، ومنها: التمثيل التجاري (1967)، العقارات التجارية (1967)، الشركات القابضة (Holding) والشركات المحصور نشاطها خارج لبنان (Off Shore) (1983)، السندات القابلة التحويل إلى أسهم (1977)، منح المرأة المتزوجة حرية ممارسة التجارة، خلق الأسواق المالية… وبموازاة ذلك، جرى تطوير القانون المصرفي بدءاً من العام 1967 وهذا بفضل سلطة مُنحت إلى حاكم مصرف لبنان لتنظيم هذا القطاع”.

وأضاف: “لم ينجح هذا القانون بالصمود على مرّ الزمن إلا بفضل الاجتهادات الدقيقة التي عرفت كيف تنسج تأقلماً بين نصوص القانون، من جهة، ومتطلبات ممارسة الأعمال التجارية، من جهة أخرى. وكان لابد من التدخل التشريعي بهدف إدراج بعض المواضيع في نظامنا القانوني، مثل الأصول الجديدة، وتحديداً غير الملموسة مثل حقوق الملكية الفكرية…؛ التقنيات الجديدة، مثل تطوير التجارة الإلكترونية والعمليات على شبكة الإنترنت؛ العقارات التجارية الإلكترونية والنقد الإلكتروني…؛ الأساليب الجديدة لممارسة النشاط التجاري مثل التوزيع والشبكات…؛ المصالح الجديدة، فلم نعد نكتفي بمصالح التجار فحسب بل بتنا نهتم أكثر فأكثر بحماية عدد من الأشخاص مثل المستهلكين والمستثمرين والمساهمين بحصص قليلة…؛ قواعد حوكمة الشركات؛ أنماط العقود الجديدة مثل عقد الإيجار التمويلي، عقد الإميتاز… التي حجزت لنفسها مكاناً جنباً إلى جنب مع العقود التقليدية وذلك نظراً إلى أهميتها في حياة الأعمال التجارية العملية”.
وتابع: “تعمل اللجان النيابية المعنية على تطوير القانون التجاري على قواعد جديدة من خلال مشاريع إصلاحية، لاسيما وأنّ تغيير البنى التحتية الاقتصادية يتطلب تأقلماً مع البنية الفوقية القانونية كي لا تصبح هذه الأخيرة عائقاً بوجه التقدم. ونذكر على سبيل المثال مشاريع القوانين لتعديل أحكام القانون التجاري المتعلقة بالإفلاس، الشركة المحدودة المسؤولية، الشركة المساهمة… نطمح، إذاً، ببناء مشروع قادر أن يلبّي حاجات مختلف الجهات الاقتصادية”.
وخلص إلى القول: “تجاه كل ما تقدّم، يقع على عاتقنا أن نحافظ على خصوصية القانون التجاري والمبادئ المهمة التي يلحظها قانون 1942 الذي يبقى حجر الأساس. كما علينا أن نمنع أي تناقض بين الإصلاحات الجديدة، التي يُعمل عليها الآن، وثوابت القانون ومبادئه. ومما لا شك فيه أنّ دور المشترع والقاضي يبقى عنصراً أساسياً لضمان الشباب الدائم لقانوننا التجاري”.
جلسات عمل
استمرّ المؤتمر على مدى يومين حيث عُقدت جلسات عمل شارك فيها عدد من الوزراء والقضاة والخبراء والاختصاصيين والأكاديميين. وتمحور البحث حول المواضيع التالية: تاريخ ومصادر تدوين القانون التجاري الذي صدر في العام 1942، نقاط قوة وضعف قانون 1942، مراقبة التجارب الدولية، إعادة قراءة القانون، إعادة كتابة القانون.