
عُقدت القمّة العربيّة في ظروف لا تشبه سابقاتها، فالوطن العربي يتثاءب تثاؤب الجبّار على أمل أن يستفيق من غفوته كما استفاق لبنان من كبوته، وأعاد إلى الرّئاسة وهجها بعد أن حاول تغييبها حزب اعتقد لوهلة أنّه أكبر من الدّولة. فهل تترجم الدّول العربيّة في هذه القمّة وعودها بأفعال وتساعد لبنان في النّهوض الكّلّي؟ أم سيحصد لبنان المزيد من الوعود التي قد تزيده أعباء تفوق قدراته الدّيموغرافيّة والجيوسياسيّة؟
جلّ ما طالب به الرّئيس اللبناني وضع استراتيجيّة لإعادة كلّ نازح إلى بلده. فلتنشأ مناطق آمنة في سوريا لتضمّ مَن بيوتهم وقراهم لا زالت الحرب تفتك بها. أمّا اللاجئين الفلسطينيّين الذين دفعنا دماء فلذاتنا لعدم توطينهم فقد آن الأوان لأن يخضعوا للخيارات الأربعة:
- العودة إلى بلادهم لعدم مسؤوليّة الدّولة اللبنانيّة وحدها عن حالهم.
- العيش في لبنان تحت حماية القانون اللبناني الذي يخضعون له بالتّساوي مع أيّ مقيم على الأراضي اللبنانيّة.
- العمل في السّوق اللبنانيّة بحسب القوانين التي تضعها وزارة العمل للعمّال الأجانب بحيث يدفع كلّ عامل ما عليه من ضرائب للدّولة اللبنانيّة، ويرحّل المخالفون في حال إلقاء القبض عليهم من قبل الأجهزة المعنيّة.
- إلغاء كلّ التّنظيمات المسلّحة التي تقوّض تطبيق قانون الدّولة اللبنانيّة على كلّ المقيمين على أرضها، لبنانيّون أم غير لبنانيّين كانوا.
لقد أثبت الرّئيس اللبناني ميشال عون قدرته على السّير في حقل ألغام المراهنات اللبنانيّة والإقليميّة، وصدم أولئك الذين راهنوا على انفجار لغم ما فيه، علّه يقع في شركهم. إلا أنّ من فرح لزلّة قدمه قد مُني بالخيبة لقوله الحقيقة الصّعبة. هذه الحقيقة التي ما اعتاد الشّعب على سماعها إلا من رؤوساء جعلوا من شهادتهم فخامة للإستشهاد. فبشير الجميّل قالها بكلّ صراحة ومن دون خوف، لا يخيّرنّا أحدٌ بين الرّحيل أو الذّمّيّة أو الموت واختار الموت على أن يبقى لبنان ذمّيًّا أو يعيش في بلدٍ غيره كغيره. كذلك الرّئيس الشّهيد رنيه معوّض الذي رفض الإنصياع للمحتلّ السّوري تحت مسمّيات واهية واختار الإستشهاد أيضًا. أمّا دولة الرّئيس رفيق الحريري فرفض التّمديد للرّئيس الوصي من سوريا، وطالب علنًا بحقيقة الوطن، فصار له رمز الحقيقة، واستشهد فداءًا لأحبّائه وللبناننا.
واليوم الرّئيس ميشال عون قرّر أن يقول الحقيقة مهما كانت صعبة. وهو خيّب أمال من راهن على وضعه في خانتهم بطريقة لاتقبل الجدل. فأثبت مرّة جديدة بأنّه وفيّ لتعهّداته، لا سيّما تلك التي قطعها في ذلك الثامن عشر من كانون الثاني 2016.
وما هذه الكلمة التي قالها الرّئيس عون إلا كلمة على قدر التّحديّات المفروضة على لبنان في هذه المرحلة، وليس أوّلها إنتاج قانون انتخاب يكفل التّمثيل الصّحيح لكلّ الفرقاء اللبنانيّين، ولن يكون لحساب فريق على آخر. وقد بات جليًّا بأن التّوجّه اليوم نحو قانون يكفل التّمثيل الدّيمقراطي لا يغلّب العدديّة على الدّيمقراطيّة. وهذا ما يكفله أيّ نظام مختلط يتوافق عليه كلّ اللبنانيّون. لأنّ النّسبيّة المطلقة التي ينادي بها “حزب الله” مرفوضة للأسباب التّالية:
- لأنّها تلغي التنوّع داخل المكوّن الشيعي نفسه وتحصر التّمثيل في القوّتين الشيعيّتين فقط أي حركة “أمل” و”حزب الله”.
- تحقّق لـ”حزب الله” على خلاف غيره حصّصًا من غير بيئته لأنّه يملك العدديّة، فتصبح بالتّالي كتلته الكبرى لأنّها ستتكوّن بالإضافة إلى مكوّنيها الأصليّين من مكوّنات من غير الطّائفة الشّيعيّة ستصل بأصوات هذه الأخيرة.
- تؤمّن وصول 40 نائب مسيحيّ بأصوات المسيحيّين كحدّ أقصى بسبب أعدادهم التي لا تفوق أعداد الطّوائف الاخرى.
- وضع الصّوت المسيحي تحت رحمة التكتّلات غير المسيحيّة الكبرى، لا سيّما الشّيعيّة منها بغضّ النّظر عن تحالف هذه القوى مع بعضها البعض أو عدمه.
- وجود الثّقل المسيحي في محافظتي جبل لبنان وبعض أقضية الشمال ممّا سيحبط “المسيحيين” في غير هاتين المحافظتين المشار إليهما. كذلك سيحجب غير المسيحيين في هذه المحافظات أيضًا.
نعم، لقد قال رئيسنا كلمته وأوقعهم، وفي نهاية المطاف التّاريخ لن يرجع إلى الوراء ولن يصحّ إلا الصّحيح. فكما عطّلوا البلد عامين ونصف لإسقاط الجمهوريّة وفشلوا، هم نفسهم اليوم يعرقلون ولادة قانون الإنتخاب وسيفشلون لأنّه عندما ستتكلّم الفخامة كلّهم سيصمتون ويرضخون. وإذا تقاعس العالم عن القيام بدوره في الحفاظ على توازنات الدّولة اللبنانيّة فللكيان قوّات مستعدّة في كلّ لحظة بأن تكون جنبًا إلى جنب الدّولة القادرة القويّة لتحمي مكتسبات عمرها أكثر من ألف وستّمئة عام من الحريّة. ومن له أذنان للسّماع فليسمع.