#adsense

الموازنة ليست مجرد أرقام… روي بدارو: وقف الهدر والفساد من اولويات العهد

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1604

هي المرة الأولى التي يطل فيها الأستاذ الجامعي والخبير الإقتصادي روي بدارو على إعلام غير متخصص في المجال الإقتصادي. في جعبته الكثير من الدراسات التي اعدها ووضع فيها رؤيته للسياسة الإقتصادية في لبنان وضمنها خططا على المدى البعيد بالأرقام والأمثلة المستقاة من عمله كخبير إقتصادي دولي في كل من العراق وأفغانستان وهاييتي وأفريقيا.

لكن لبنان يبقى على رأس سلم أولوياته. وبين الإقتصاد والسياسة أبحر مؤسس ورئيس لجنة الإتفاقات الخارجية في غرفة التجارة والصناعة في أرقام الموازنة وتمويل سلسلة الرتب والرواتب ودائما وكما العادة على قاعدة العلم والإختصاص. ومن دون تردد تكلم بشفافية عن مستقبل وطن يعوم على ملفات الهدروالفساد مشددا على ضرورة البدء بسياسة الإصلاح قبل انحلال البلد.

على وقع جلسة إقرار الموازنة بدأ اللقاء مع روي بدارو الذي حل ضيفا على “المسيرة”، والحوار الذي شارك فيه الزملاء نجم الهاشم وعماد موسى وسيمون سمعان امتد إلى ما بعد الجلسة وانتهى بأمل اللقاء من جديد على وقع تداعيات موازنة 2017.

 كيف تقرأون موازنة العام 2017 التي اقرها مجلس الوزراء في جلسة 27 آذار بعد غياب 12 عاما؟

الموازنة خيار سياسي أكثر مما هي دراسة أرقام وهي خيار مجتمعي لأن المفهوم العلمي للموازنة يعني وضع البنود التي سترد فيها مع تحديد الأولويات لا سيما في بند الخدمات. لسوء الحظ عملية توزيع النفقات في الموازنة لا تلحظ ذلك. فهناك عدد من الوزارات الشاغرة مغيبة في حين هناك فائض في بعض الوزارات الأمنية مما يعني أن هناك خلاف داخلي. الموازنة اليوم أشبه بعداء مشارك في سباق عالمي لكن بتجهيزات ضئيلة وخدمات سيئة. اليوم نحن غير مؤهلين لخوض أي سباق عالمي. وإذا عدنا إلى تاريخ لبنان نرى أننا لم نقم بأية عملية تقييم وإنتاجيتنا متدنية. مع ذلك نتميز كشعب بأننا متفوقون لكن هذا الفضل يعود إلى محيطنا الذي يعاني من مشاكل ولا شيء سواه.

لكن اللبناني معروف بأنه قادر على تجاوز الأزمات او على الأقل التعايش معها؟

صحيح. لكن هناك استحقاقات تتطلب وضع رؤية وخارطة لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة على ابواب القرن الواحد والعشرين. هذه الثورة تقوم على المعرفة وتتطلب وضع رؤية وخارطة طريق ومن ابرز بنودها إيجاد بديل عن الحدود اللبنانية – السورية لتصريف الإنتاج في حال أقفلت الحدود، وخلق نحو 30 ألف فرصة عمل للشباب اللبناني للسنوات العشر المقبلة  حتى لا يضطر شبابنا إلى الهجرة أو الوقوع في الضياع والبطالة في حال قررت إحدى العواصم العربية إقفال أبواب العمل في وجه اللبنانيين على خلفية قرار أو موقف سياسي ما. وكل هذا يتوقف على المعرفة التي تعتمد عليها الثورة الصناعية الرابعة ونحن غير مهيئين لها لأننا بلد غير سيد ومستقل والحرية عندنا نسبية.

 هل المقصود في ذلك خلق نوع من الإكتفاء الذاتي في بعض القطاعات ؟

إطلاقا. إنما العكس تماما. فنظام العولمة بات يسهل عملية بيع مطلق أي منتج أو تطبيق عبر الإنترنت لكننا للأسف نحن غير مهيئين لمواكبة هذا التطور.فالسياسة الإقتصادية في لبنان تعتمد على التمركز في الصناعة والتجارة وعلى التواطؤ المالي “اعطيني تا أعطيك” وهذا ما نلمسه اليوم في الهندسة المالية، بالإضافة إلى عدم اعتماد نظام ضرائبي صحيح. فهل يعقل أن يدفع التاجر الصغير نفس قيمة الضريبة المفروضة على أصحاب الرساميل الكبيرة؟ هناك أسئلة كبيرة في المجتمع وبعتقد إنو ما بقا فينا نكمل هيك.

لكن هناك خشبة خلاص تتمثل في اكتشاف الثروة النفطية في لبنان؟

صحيح. لكن كيف سيتم استثمار هذه الثروة في ظل سياسة الفساد المستشرية، والصراع العسكري القائم بين “حزب الله” وإسرائيل وتهديدات الأخيرة بضرب المرافق الحيوية والبنى التحتية وهي قادرة على تنفيذها من دون أي رادع لأن الموازنة المقترحة للإستراتيجية الدفاعية غير كافية والغطاء الجوي الذي يشكل أساسا في الحروب مفقود. كل هذا يدفعنا إلى طرح السؤال: أي لبنان سيكون بعد 20 سنة ؟وأي لبنان نريد؟

هل يمكن التكلم اليوم عن خارطة طريق للسياسة الإقتصادية ؟

ما يحرك الإقتصاد هي السوق. هل عندنا سوق إقتصادية؟ هذا هو السؤال. هناك اقتصاد مافيات وتمركزات في قطاعات الكهرباء والإتصالات وخدمات الدولة .وهذا يمنع أن يكون لدينا اقتصاد حر. نحن ندعي أن إقتصادنا حر. لكن مفهوم الإقتصاد الحر يعني أن لا أحد يقدر أن يؤثر على عملية التسويق. أما عندنا فيكفي أن يجتمع شخصان لضرب عملية التسويق. من هنا يجب إعادة النظر بسياسة الإقتصاد الحر حتى لا نفوّت على أنفسنا فرصة الدخول في القرن الواحد والعشرين بقوة وجدارة ونتحول إلى بلد فقير جدا عندها سنكون امام خيارين لا ثالث لهما إما هجرة الشباب من لبنان أو إخراج الأموال منه. وإذا استمر الوضع على حاله فهذا يعني انهيار الدولة.

ما هو الميزان المقترح للحد من انهيار الدولة؟

مما لا شك فيه أن سلسلة الرتب والرواتب تشكل جزءا من هذه المخاطر. وإذا لم ندخل في عملية إصلاح جذرية مبنية على رؤية واضحة وعلمية لن يخلص لبنان. نحن أمام معادلة صعبة ودقيقة. في علم الإقتصاد الضرائب العالية تقتل النمو وقلة الضرائب أيضا تقتل النمو. والمضحك المبكي أنهم وضعوا في الموازنة فذلكة. “الفذلكة حلوة بس ناقصة” لأن الرابط مفقود بين النص والأرقام . في الفذلكة مؤشران: النمو بنسبة 2،6 في المئة ومؤشر غلاء الأسعار 1،8 في المئة. والثابت علميا أن التمركزات ستضر بالأسعار في حال ارتفاعها. في حين ستتراجع الأسعار إذا ما دخلنا في أزمة مؤشر الأسعار.

ماذا ينقص في رأيك؟

هناك مؤشرات أساسية يفترض توافرها لبناء دولة بكل مقوماتها أولها الأمن الإجتماعي وأساسه الضمان الصحي والإستشفائي وحق التعليم وتأمين فرص العمل بحيث تكون نسبة البطالة أقل من 6 في المئة. في لبنان لا توجد أرقام عن نسبة البطالة والنمو علما أن مؤشر الناتج القومي يقدر بـ 55 مليار ليرة لكن في تقديراتي الرقم يصل 62 مليار بسبب سياسة الهدر والسرقة عدا عن التهرب من الضرائب من قبل أشخاص غير مكتومين وتصل نسبتها إلى 10 في المئة أما غير المسجلة التي تحصل عبر المرفأ فتتعداها لأنه لا توجد عدادات ولا محاسبة والإحصاء المركزي معطل قسرا.

بغض النظر عن أحقية السلسلة أين يكمن الخلل في الضرائب المفروضة لتأمين مواردها؟ وهل تعتبر أن توقيتها كان صحيحا أم كان يفترض أن تسبقها خطوات إصلاحية لتعزيز ثقة اللبنانيين بالعهد الجديد؟

قبل البحث في مسألة توقيتها لا بد من إعادة النظر في بنودها لا سيما المتعلقة بسلة الضرائب المفروضة بشكل متساو بين موظف يقبض الحد الأدنى للأجور وآخر يفوق راتبه أضعاف ذلك  بثلاث مرات او أكثر. عندما أقروا السلسلة وضعوا الضرائب في سلة واحدة. أما بالنسبة إلى تمويلها فهذا لن يكون إلا من جيوب الناس لكن لسؤ الحظ أن النتيجة سترتد سلبا لأنه ستحصل عمليات ابتزاز للتهرب منها.

وما هو الحل في رايك؟

تقدمت بمشروع مختلف تماما عن المشاريع المقترحة وينص على إعفاء كل مؤسسة تنتج أقل من مليون دولار سنويا وحيثما تكمن التمركزات تفرض ضريبة عالية لضمان السلم الأهلي وعدم الوصول إلى مرحلة الفقر وانهيار سلم القيم الإجتماعية بسبب المجاعة.

لكن هذه الخطوات لا سيما مكافحة الفساد والهدر في بعض مرافق الدولة والإصلاح تحتاج لسنوات؟

مش صحيح خصوصا في مسألة مكافحة الفساد. يكفي ان أملك قرارا حتى يتوقف الهدر والفساد على مرفقي المرفأ ومطار بيروت الدولي في أقل من شهر  بالإضافة إلى عمليات التهريب عبر الحدود اللبنانية. “بس إذا مش قادرين نعيّن ضابط بمركز في جهاز أمن المطار كيف بدنا نكافح الفساد؟ إما إصلاح أو لا سلسلة.

كلام منطقي لكن في الواقع لا يمكن اتخاذ أي قرار بوقف الفساد لأنه المصدر الأساسي لتمويل السلاح غير الشرعي؟

لا يمكن التعميم في هذا المجال لأنه ثبت أنه يموّل قسما من السلاح. وكنت أول من كشف عن أعمال التهريب من خلال المستوعبات عبر مرفأ بيروت منذ 25 عاما وأبلغت مسؤولين سياسيين لكنهم أنكروا الأمر ولاحقا بلغت مسؤولا في الجمارك فقال لي بالحرف الواحد: “هيدا مربع أمني بدي 48 ساعة تا بلغ الأجهزة المعنية بهالوقت بيكونوا نقلون لمطرح تاني”.

الفساد كبير في البلد والكل مشارك…

(مقاطعا) إلا “القوات اللبنانية” والا ما كنت بالحزب.

معلوم أن الجدل القائم على الموازنة ذو خلفيات سياسية لكن أي موازنة كان يفترض إقرارها اليوم بالأرقام الإقتصادية؟

انا مش دكنجي وما بعرف أعمل حسابات لبعد ساعة بظروف مش بإيدي. اعطيني القرار بعملك موازنة. بس حتى لوعندي وصفة سحرية والقرار مش بإيدي ما راح يصير في ترجمة.

كان يمكن ان نبقى بلا موازنة 12 سنة إضافية فلماذا الإصرار عليها اليوم؟

قبل إقرار الموازنة كان يفترض  بحسب القوانين قطع الحسابات. وين قطع الحساب؟ إذا بدنا نقلع من جديد بدنا نحط زيح. وهيدا الزيح هوي قطع الحساب.

في رأيك كان يفترض البقاء على قاعدة الإثني عشرية؟

نعم وإلا يفترض الذهاب إلى خيار سياسي وهو الفيدرالية. لأنه من المستحيل أن يكمل البلد على هذا النحو. علينا أن نضع رؤية تؤمن استقلاليتنا الإقتصادية عن سوريا و البلاد العربية. حتى الصناعة التحويلية ما عادت تفي بالمطلوب.

هل ستقر السلسلة وهل سيتم تعديل البنود المتعلقة بالضرائب التي حركت الشارع وهيئات المجتمع المدني؟

 نعم ستقر لأنو ما حدا قادر يطلع منا سياسيا .لكن ثمة أمور لا تزال مبهمة وضبابية اقله بالنسبة إلى الرأي العام. فقيمة السلسلة حددت ب800 مليون دولار والصحيح علميا وبالأرقام أنها لا تتجاوز ال640 مليون دولار لأن الدولة تقتطع منها نسبة 20 في المئة وتسترد هذه النسبة لاحقا من خلال الضرائب.

لكن حتى مع هذه القيمة لا يمكن تأمين مواردها إلا من جيوب الناس؟

نعم هناك  مشكلة في التمويل. وإذا كانت ستقر يجب اقتطاع جزء من الضرائب وإلا لا سلسلة ولا موارد إضافية. هذا امر لا بد منه. لكن إذا دفعناها لمرة واحدة فإلى أين ستذهب هذه الضرائب؟ ماذا نفعل في سنة 2018 أي لبنان ينتظرنا في سنة 2020؟ هل لا يزال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قادر على ضبط وضع الليرة والإمساك بزمام السياسة النقدية في البلد؟ المشكلة باتت مسألة كيانية لأن الموازنة وحدها تساهم في قيام دولة، دولة تصرف وتوظف وتمول وتخطط لمشاريع وتنفذها. من دونها نصل إلى مرحلة انحلال الدولة.

هل اقتربنا من الوضع الإقتصادي السائد في اليونان؟

يا ماحلا الوضع اليوناني هونيك عندن أزمة اقتصادية هون عم نحكي بإنحلال الدولة.

أي دفع جديد ستقدمه الموازنة للعهد الجديد؟

بالتوازي مع السلسلة هناك قانون انتخابي جديد. اليوم نشهد عملية إعادة تكوين سلطة وإعادة أوزان وأحجام مما يسمح بإنتاج قرار متوازن أكثر من السابق. لكن حتى اليوم لا نعرف أي قانون إنتخابي سيعتمد وأية توازنات سينتجها.

كيف تقيّمون وضع الليرة اللبنانية اليوم بعد انتخاب الرئيس العماد ميشال عون والكلام عن التغيير في حاكمية مصرف لبنان؟

رياض سلامة قالها خلال مقابلة تلفزيونية طالما أنا موجود طالما وضع الليرة مستقر. هل يعني ذلك وضع الليرة مرتبط بشخص رياض سلامة؟

لكن هذا الكلام غير دقيق وهذه سياسة مغلوطة لأن الوضع المالي مرتبط بالوضع العالمي؟

هذا الكلام صحيح.

هناك كلام عن هروب الودائع من المصارف اللبنانية في حال اقرار السلسلة وفرض ضرائب على المودعين؟

هيدا حكي مصارف والهدف منه التهرب من الضريبة  لأن الفائدة على الودائع المصرفية في لبنان هي الأعلى.

إلى أي مدى ينعكس هذا الواقع سلبا على العهد الجديد وتحديدا على حكومة استعادة الثقة؟

اولى الخطوات الواجب اتباعها إجراء اصلاحات جذرية والإتفاق على ضبط سياسة الهدر والفساد وهي مستشرية وقد لمسناها بالعين المجردة في مناقصة المطار وملف النفايات. والإصلاح لا يتم بإقالة وزير وتعيين آخر إنما في الذهاب إلى التفتيش المركزي. لكن التغييرات الحاصلة في آلية قانون التفتيش المركزي أطاحت بسلطة الرئيس وبات يمكن الإطاحة بقراراته بشحطة قلم. الإصلاح يبدأ في القضاء.

لو أردنا وضع ملف فساد أمام القضاء أي ملف تقترحونه بحسب الأولويات؟

مجلس الجنوب، مجلس الإنماء والإعمار لكنه خارج نطاق التفتيش المركزي، ملف النفايات، ملف الإتصالات…

هل القطاع الخاص جاهز للإستثمار في قطاع الكهرباء ؟

المشكلة ليست في الإنتاج إنما في الجباية. هناك محولات 20-30 ميغاوات تعمل على الديزل والفيول والغاز لكن هل من شركات مستعدة للمغامرة بمبلغ  مليار او ملياري دولار في قطاع مجهول؟ القصة تتوقف على الجباية.

هل ستحصل الإنتخابات ىالنيابية؟

الإنتخابات النيابية ستحصل وللمرة الأولى تأخذ الديمقراطية منحى مختلفا على مستوى الممارسة تحت ضغط الشارع .وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود نخب في المجتمع المدني وأتمنى أن تنسحب مأسسة الأحزاب على  المجتمع المدني.

شارك في الحوار: نجم الهاشم – عماد موسى – سيمون سمعان

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل